2- رؤية الدين البهائى للحياة….

يونيو 3, 2008

يوضّح حضرة بهاء الله بأنّ هناك علاقة وطيدة بين الأبعاد الروحيّة والعمليّة في حياة الإنسان. ويؤكد على أهميّة بناء البيئة الاجتماعيّة لتنمية القدرات الفرديّة والجماعيّة، أي قدرات الروح والعقل. ويرى أنّ البشر “خُلقوا لإصلاح العالم وبَعْثِ حضارة إنسانيّة دائمة التقدم والازدهار، معتبراً أنَّ عُمدة المساعي الإنسانية ينبغي أن يكون في طلب “العلم والعرفان. وقد أثنى على “العلوم والفنون والصنائع” وأصحابها، واصفاً العلم بأنه “بمنزلة الجناح للوجود ومرقاة للصعود، تحصيله واجب على الكلّ… ومن جملة إرشاداته قوله “ابتغوا أمراً بين الأمرين. فحثّ الناس جميعاً على “الاعتدال في كلّ شيء… فكلّ أمر تجاوز حدّ الاعتدال لا خيرَ فيه ولا نفع.” وكما يعتمد عالم الطبيعة لنموّ الحياة فيه على أشعة الشمس المولّدة للحرارة والطاقة، كذلك تعتمد النفس البشرية في تحقيق آمالها والوصول إلى تكاملها على المشيئة الإلهيّة كلما اختار سبحانه وتعالى أنْ يوجّه مجرى التاريخ الإنساني. فالقوة الخلاّقة الكامنة في الرسالات الإلهيّة هي التي تُحيي القدرات الروحية والأخلاقية في الطبيعة الإنسانية. فبدون هذه القوة الإلهيّة تمسي الطبيعة الإنسانيّة سجينةً لغرائزها، تكبّلها الاعتبارات الثقافية المُتحَجِّرة التي لا تخضع لسنن التطور والتغيير. ويصف حضرة بهاء الله شرائعه وأحكامه وتعاليمه بأنّها “الرحيق المختوم” و”روح الحيوان لمن في الإمكان،” ويشير إليها قائلاً: “أوامري سرج عنايتي… ومفاتيح رحمتي.إن الإنسان هو أرقى المخلوقات، يمتلك في طيّات ذاته القدرة على أنْ يعكس الصفات والكمالات الإلهية، بالإضافة إلى أنّ روح كل إنسان مطبوع عليها أبداً صورة خالقها. ويبيّن حضرة بهاء الله بأنّ الروح “آية إلهيّة وجوهرة ملكوتيّة عَجِز كلّ ذي علم عن عرفان حقيقتها وكلُّ ذي عرفان عن معرفتها.” فالإنسان هو الوحيد من بين المخلوقات كافة الذي يمكنه معرفة الله، هذا إذا أدرك طبيعته الروحانية: “ليصعدن بذلك إلى مقر الذي خلق في كينوناتهم من عرفان أنفسهم.”فالبحث عن الحقيقة إذاً ليس فقط حقّاً يتمتع به كلّ إنسان، بل واجبٌ عليه أيضاً. وحيث أنَّ الكمالات الإلهيّة لا حدود لها، كذلك لا نهاية لنموّ النفس العاقلة، وتتأثر هذه النفس في رقيّها وعلوّ مقاماتها تأثّراً بالغاً باستفادتها من الفرص الروحانية المتاحة لها في الحياة الدنيا. فاكتساب الصفات والفضائل الروحانية مثل التواضع والرأفة والتسامح والرحمة والأمانة والكرم، تهيّئ الروح وتُعدّها في رحلتها نحو نور الخالق للدخول في رحاب مُلكه. ويؤكد حضرة بهاء الله مصير الروح بعد الموت فيقول: “فاعلم أنّه يصعد حين ارتقائه إلى أن يحضر بين يدي الله في هيكل لا تغيّره القرون والأعصار ولا حوادث العالم، وما يظهر فيه ويكون باقياً بدوام ملكوت الله وسلطانه وجبروته واقتداره يذكِّر حضرة بهاء الله بأنَّ كلّ البشر، بغضّ النظر عن أعراقهم وعقائدهم يخضعون لإله واحد ويستظلّون بظلّ سماء واحدة: “إنّ جميع الأحزاب [يعني المذاهب والأديان] يتوجّهون إلى الأفق الأعلى ويأتمرون بأمر ربّ العُلا. فمؤسّسو الأديان في العالم كبوذا وموسى وزرادشت والمسيح ومحمد عليهم الصلاة والسلام، كلّهم ينتمون إلى طبيعة واحدة، ويشتركون في تحقيق هدف واحد. والأثر الذي تركه هؤلاء على الوعي الإنساني كان أثراً متزايداً نتيجة تتابع الأديان وظهورها. فكلّ ظهور لاحق استطاع أن يأتي بقسط من الحقيقة أوفر من السابق، وذلك حسب تطوّر القدرة البشرية على استيعابها. وبينما بقي الدافع الروحي في الأساس على حاله، تغيّرت الشرائع والأحكام المتعلّقة بأحوال المجتمع وظروفه والتي جاءت بها المظاهر الإلهيّة السابقة، لتُوافق مطالبَ بشرية دائمة النموّ والتطوّر. وبالاختصار فإنَّ نُظُم العالم الدينيّة ليست إلاّ انعكاساً لخطّة إِلهيّة واحدة يتابع الله الكشف عنها في أوقات معيّنة:                                                ”هذا دين الله من قبلُ ومن بعدُ”.

وتبدو الإنسانيّة مدفوعة قدماً نتيجة تلك العلاقة التي تزداد عمقاً مع الخالق، فنشاهدها في تطوّرها الاجتماعي عَبر العصور تمرّ بمراحل عدة تشبه إلى حدٍّ بعيد مراحل الطفولة ثم الحداثة ثم البلوغ من عمر الإنسان، وها هي الآن تدخل مرحلة نضجها الجماعي. ولعل أعظم التّحدّيات في طَوْر النّضج هذا أن تمتلك كل الشعوب في العالم وعياً كاملاً بالوحدة التي تربطهم كأسرة إنسانيّة واحدة وطنها هذه الأرض التي نعيش عليها. ويدعونا حضرة بهاء الله جميعاً بقوله:                                                                                                                                 

               “لا يمكن تحقيق إصلاح العالم واستتباب أمنه واطمئنانه إلا بعد ترسيخ دعائم الاتّحاد والاتّفاق.

Entry Filed under: الأرض, الاديان, التاريخ, السلام, الصراعات, النضج, النهج المستقبلى. وسوم: , , , , , , , , , .

Leave a Comment

Required

Required, hidden

Some HTML allowed:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Trackback this post  |  Subscribe to the comments via RSS Feed


حقيقة الوجود

إن الباعث الرئيسي لرسالة بهاء الله هو شرحٌ لحقيقة الوجود على أنها في الأساس روحانية في طبيعتها، وشرح القوانين التي تحكم فعل الحقيقة ونفوذها. فرسالة بهاء الله لا تعتبر الفرد مجرد كائن روحي و"نفس ناطقة" فحسب، بل تؤكّد على أن ذلك التفاعل، الذي نسميه حضارة، يمثّل في حد ذاته مسارًا روحيًّا يتكاتف فيه العقل والضمير الإنساني على مرّ الزمان لخلق الوسيلة الأكثر كفاءة وتعقيدًا للتعبير عما يجيش في القلب ويساور العقل من القدرات الروحية والفكرية الدّفينة في الإنسان.

من يخط معى طريق المستقبل؟

ازدهار-المحبة-السلام-الوحدة الأرض الأضطرابات الراهنة الأفئدة الاديان الانتهاء الانسان البهائية التاريخ التعصب الجنس البشرى الحضارى الدين البهائى السلام الصراعات الصراع والاضطراب العالم العلاقة بين الله والانسان القرن العشرين الكوكب الارضى المبادىء المسقبل النضج النظام العالمى النهج المستقبلى حقبة حقيقة الوجود دعائم الاتفاق عهد الطفولة هموم انسانية

Blog Stats

prosperity of the human kind

أحدث التدوينات

من يخط معى طريق المستقبل؟

وفاء on اين هذا من احترا…
Smile Rose on اين هذا من احترا…
bahlmbyom on ان مايحدث اليوم …
salma on ان مايحدث اليوم …
O God, my God Video on O God, my God
nosa on مُنعطفُ التَّحَ…
bahlmbyom on إعلان الأمم المت…

أحسن مشاركات

التصنيفات

البهائية-السلام-المستقبل-الهوية-المستقبل

الأرشيف

التعصب والحرب والاستغلال لاتمثل سوى مراحل انعدام النضج....

إِنَّ الإِقرار صراحةً بأَنَّ التّعصّب والحرب والاستغلال لا تُمثِّل سِوَى مراحل انعدام النُّضج في المَجْرَى الواسع لأَحداث التّاريخ، وبأَنَّ الجنس البشريّ يمرّ اليوم باضطرابات حَتْميَّة تُسجِّل بلوغ الإنسانيّة سنَّ الرُّشْد الجماعيّ – إِنَّ مثل هذا الإقرار يجب ألاَّ يكون سبباً لليأس، بل حافزاً لأَنْ نأخذ على عواتقنا المهمّة الهائلة، مهمّة بناء عالم يعيش في سلام. والموضوع الذي نحثُّكم على درسه وتَقَصِّيه هو أَنَّ هذه المهمة مُمْكِنَةُ التّحقيق، وأَنَّ القوى البَنَّاءة اللازمة مُتوفِّرة، وأَنَّ البُنْيات الاجتماعيّة المُوحَّدة يمكن تشييدها. ومهما حملت السّنوات المقبلة في الأجَل القريب من معاناة واضطراب، ومهما كانت الظّروف المباشرة حالكة الظّلام، فإِنَّ الجامعة البهائيّة تؤمن بأنَّ في استطاعة الإنسانيّة مواجهةَ هذه التّجربة الخارقة بثقةٍ ويقينٍ من النّتائج في نهاية الأمر. فالتّغييرات العنيفة التي تندفع نحوها الإنسانيّة بسرعةٍ متزايدة لا تشير أبداً إلى نهاية الحضارة الإنسانيّة، وإنَّما من شأنها أن تُطلِق "القُدُرات الكامنة في مقام الإنسان"، وتُظهِر "سُمُوّ ما قُدّر له على هذه الأرض" وتَكْشِف عن "ما فُطِرَ عليه من نفيس الجوهر".

من يخط طريق المستقبل؟

التاريخ

يونيو 2008
الأثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت الأحد
« مايو   يوليو »
 1
2345678
9101112131415
16171819202122
23242526272829
30  

بحلم بيوم

مدونات مفضلة

مدونات اخرى

المنتديات البهائية





www.bahai.org

روابط