26 سبتمبر 2011
المدنيّة الماديّة والمدنيّة الإلهيّة…
مّا الفّرق بين المدنيّة الماديّة الشّائعة اليوم والمدنيّة الإلهيّة؟؟
المدنية الألهية والمدنية المادية هما ركنى “النجاح والفلاح” للجنس البشرى ..بهما يحلق الإنسان نحو عوالم المعرفة الحقيقىة متحلياً بالكمالات الروحية فيحقق بذلك المعادلة الهامة فى النجاح فبدون أحدهما تصبح البشرية كطائر بجناح واحد لايستطيع التحليق نحو الأفاق الحقيقية للمعرفـــــــــــة.
إنّ المدنيّة المادّيّة تردع الخَلق من ارتكاب قبائح الأعمال بقوّة القصاص وتمنعهم عن ذلك بواسطة القوانين الجزائيّة، ومع ذلك تلاحظ أنّ القوانين الجزائيّة والأحكام العنيفة ما دامت في التّوسع دون أن تكون هناك قوانين للمكافاة، ففي مدن كثيرة أُسِّست أبنية وشُيِّدت سجون واسعة لتعذيب المجرمين، وأمّا المدنيّة الإلهيّة تُربّي النّاس بحيث لا يرتكب أحد جريمة إلاّ من شذّ وندر ولا حكم على النّادر. إذًا ثمّة فرق بين أن تمنع الناس من القبائح والجرائم بواسطة الزّجر والقصاص وشدّة الانتقام، أو أن تربّيهم وتنوّرهم وتهبهم روحانيّة، بحيث إنّهم لا يتجنّبون الجرائم خوفًا من القصاص والزّجر والانتقام فحسب بل يعتبرون الجريمة نفسها نقمة كبرى وجزاءً عظيمًا، وينجذبون إلى فضائل العالم الإنسانيّ ويضحّون من أجل نورانيّة البشر وترويج الصّفات المقبولة لدى عتبة الكبرياء، لذلك لاحظ مدى البون الشّاسع بين المدنيّتين المادّيّة والرّوحانيّة، فالمدنيّة المادّيّة تردع الأذى والضّرر بالقصاص من البشر لتمنعهم عن ارتكاب الجرائم ولكنّ المدنيّة الإلهيّة تربّيهم بحيث يتجنّبون الإجرام دون خوف من الجزاء ويعتبرون نفس الجريمة أعظم عقوبة فينصرفون إلى اكتساب الفضائل الإنسانيّة وإلى ما هو السّبب في تقدّم البشر وما يؤدّي إلى نورانيّة العالم الإنساني”.
“ابذلوا الجهد لنيل العلوم العصريّة المتقدّمة واسعوا سعيًا حثيثًا في سبيل المدنيّة الرّوحانيّة المقدّسة، أسِّسوا مدارس في غاية الانتظام لترويج مبادئ المعارف وطُرُق اكتسابها، وعيّنوا معلّمين لها يكونون في غاية التّقديس والتّنزيه جامعين للآداب والكمالات وهيّئوا لها مربّين وأساتذة من ذوي العلوم والفنون، وعلى هيئة أيادي أمر الله المقدّسة أن يواظبوا على حفظ شؤون هذه المدارس وتمهيد ما يلزم لها، لكي تتهيّأ لها يومًا فيومًا سُبُل التّقدّم من جميع الجهات وتسطع منها أنوار العلم على الأرجاء”.
19 سبتمبر 2011
التقدم الروحي للإنســـــــان…
المفهوم البهائي للطبيعة الإنسانية…
يعيش العديد من الناس حياتهم دون التفكر بالحياة نفسها أو بماذا تعني بالنسبة إليهم. وقد تكون حياتهم مليئة بالأنشطة والفعاليات. قد يتزوجون وينجبون أولادًا ويزاولون أعمالاً تجارية أو يصبحون علماء أو موسيقيين وكل ذلك دون الوصول إلى درجة من الإدراك لماذا هم يقومون بذلك. فحياتهم ليست لها أهداف عامة، وهم بذلك عاجزون عن تفسير
وقائع وأحداث في حياتهم، وقد لا يحملون فكرة واضحةعن طبيعتهم الخاصة أو هويتهم الإنسانية، ومن يكونون حقًّا.
أشار حضرة بهاء الله بأنَّ الديـن السماوي الحق هو وحده الذي يمكن أن يعطي الهدف من الوجود الإنساني. وإنْ لم يكن هناك خالق لهذا الكون وإذا كانت الحياة الإنسانية هي ناتجًا لنظام “القوة المحركة الحرارية”Thermodynamic system كما يؤكده العديد من الناس اليوم، فلن يكون للحياة هدف. إنَّ كل فرد يمثل وجودًا ماديًا مؤقتًا وهو بمثابة حيوان واع يحاول أنْ يمضي حياته بأقصى ما يتوفر له من الملذات وبأقل قدر من الآلام والمعاناة التي يمكن تفاديها. إنَّها فقط علاقة الإنسان بخالقه والهدف الذي حدّده الله لمخلوقاته هو ما يجعل للحياة معناها الحقيقي. وقد شرح لنا بهاء الله هدف الله سبحانه وتعالى من خلق العباد بالعبارات التالية:
“إنَّ هدف الله من خلق الإنسان هو معرفته ولقاؤه. وقد ذكر هذا الأمر بكل وضوح في جميع الكتب الإﻟﻬﻴﺔ والصحف المتقنة الربانية من غير حجاب”.
علينا أنْ ننظر إلى الحياة على أنَّها عملية من كشف للسعادة الروحية والنمو. ففي المراحل الأولى من حياته يمر الإنسان بمرحلة من التعليم والتدريب، فإذا ما نجح فيها تحققت له الوسائل الروحية والذهنية الأساسية الضرورية لاستمراره ونموه. وعندما يصل الإنسان إلى سن البلوغ يصبح مسئولاً عن نموه اللاحق الذي يعتمد كليًا على جهوده التي يبذلها بنفسه. وفي معترك الحياة اليومية نستطيع أن نعمق مفهومنا تدريجيًا بالمبادئ الروحانية التي تقوم عليها الحقيقة،
وهذا المفهوم يجعلنا نرتبط بأنفسنا وبالآخرين وبالله سبحانه وتعالى بشكل أكثر تأثيرًا وفاعلية. وبعد موت الإنسان تستمر الروح الإنسانية في النمو والتطور في العوالم الغيبية الإﻟﻬﻴﺔ وهي عوالم روحانية أعظم شأنًا من عالمنا الحاضر مثلما عالمنا الحاضر أعظم من عالم الجنين في رحم الأم.
الجملة الأخيرة هذه مبنية على المفهوم البهائي حول الروح والحياة بعد الموت. طبقًا للتعاليم البهائية فإنَّ حقيقة طبيعة الإنسان هي روحانية حيث أنَّ هناك روحًا إنسانية مرتبطة مع الإنسان وخالقها هو الله سبحانه وتعالى. هذا الروح هو وجود غير ملموس ولكنه مرتبط أو متعلق بجسم الإنسان ويعمل هذا الأخير كأداة له في العالم المادي. تتكون أو تبعث الروح الإنسانية مع تكوين النطفة في رحم الأم وتستمر في الوجود حتى بعد وفاة الإنسان. إنَّ الروح هي مرآة تعكس شخصية الإنسان وحياته ومشاعره.
وما الغرض الرئيسي من وجود الإنسان إلا تطور ورقي الروح وبروز قدراته. هذا التطور يؤدي إلى التقرب إلى الله عز وجل، وأما القوة المحركة له فهي العلم والعرفان الإﻟﻬﻲ ومحبة الخالق. وكلما عرفنا الله وآمنا به تزداد محبتنا وعشقنا له وبالتالي نستطيع أنْ نكون علـى اتصال قريب مع الخالق جل وعلا. وكذلك الأمر كلما اقتربنا أكثر وأكثر منه تصبح شخصيتنا أكثر صفاء ونقاء وبالتالي فإنَّ أعمالنا وأفعالنا تعكس السمات والصفات الإﻟﻬﻴﺔ بصورة أكبر.
تشير الآثار البهائية إلى الرقي والتطور التدريجي للروح وتسميه “بالتقدم الروحي”. وهو ما يعني اكتساب القدرات للعمل بموجب مشيئة الله والتعبير عن الصفات والكمالات الإﻟﻬﻴﺔ في تعاملنا سواء مع أنفسنا أو مع الآخرين. يعلمنا حضرة بهاء الله بأنَّ السعادة الحقيقية والدائمة هي تلك السعادة التي تتعلق بالسعي الحثيث نحو التطور والرقي الروحي.
فالإنسان الذي يتعرف على طبيعته الروحية ويسعى جاهدًا لتطوير وتنمية روحه أطلق عليه حضرة بهاء الله لقب “مجاهد” أو “سالك سبيل الحق”. إنَّ المبادئ الروحانية المرسلة إلينا من جانب الحق تبارك وتعالى بواسطة الأنبياء والمرسلين تعمل على هدايتنا نحو فهم أشمل وأعمق للجوانب الروحانية المختلفة للحياة. هذه المبادئ تساعدنا على فهم قوانين الحياة والوجود. وفوق ذلك يجب علينا أنْ نبذل كل الجهد لنحقق وننفذ تعاليم هؤلاء الأنبياء والمرسلين بما يطور قدراتنا وطاقاتنا الروحانية. مثال على ذلك عندما يريد شخص أن يتخلص من التعصب والخرافات نتيجة أيمانه بتعاليم حضرة بهاء الله تكون النتيجة زيادة المعرفة ومحبة الإنسان لأخيه الإنسان وبالتالي يؤدي هذا إلى مساعدة الفرد على الحياة بشكل أكثر تأثيرًا ونفوذًا.
ويؤكد لنا حضرة بهاء الله بأنَّه لا يمكن أنْ ننمو ونتطور روحيًا دون مجيء الرسل ومعهم الأحكام والقوانين الإﻟﻬﻴﺔ لخير البشرية. وبدونهم يبقى المعنى الروحي للحياة مستورًا حتى لو بذلنا جهدًا كبيرًا في كشفه. ولهذا السبب يرى البهائيون بأنَّ الأديان السماوية هي بمثابة المفتاح الضروري للنجاح والفلاح الروحي في الحياة.
- من كتاب الدين البهائى يحث ودراســـــــــــة-
13 سبتمبر 2011
الأحتلاف والتفاوت فى أخلاق الإنسان..
إلى كم تنقسم أخلاق النّوع الإنساني ومن أين جاء هذا الاختلاف والتّفاوت؟
الجواب: الأخلاق فطريّة وموروثة واكتسابيّة والأخيرة تحصل بالتّربية، أما الأخلاق الفطريّة وإن كانت الفطرة الإلهيّة خيرًا محضًا ولكنّ اختلاف الأخلاق الفطريّة في الإنسان ناشئ عن تفاوت الدّرجات، فكلّها خير أمّا بحسب الدّرجات هي بين حسن وأحسن.
كما أنّ لجميع النّوع الإنساني إدراكًا واستعدادًا، ولكن يتفاوت الإدراك والاستعداد والقابليّة فيما بين النّوع الإنساني، وهذا واضح، مثلاً هناك أطفال من بيت واحد ومن مكان واحد ومن مدرسة واحدة ويتعلّمون من معلّم واحد ويتربّون من غذاء واحد وفي مناخ واحد ويلبسون لباسًا واحدًا ويدرسون درسًا واحدًا فلا بدّ أن يكون البعض من بين هؤلاء الأطفال ماهرًا في الفنون والبعض متوسّطًا والبعض متأخّرًا، إذًا صار من المعلوم أنّ التّفاوت في الدّرجات موجود في أصل الفطرة، وأن تفاوت القابليّة والاستعداد مشهود، ولكن ليس هذا التّفاوت من وجهة الخير والشّر بل هو مجرّد تفاوت في الدّرجات، فواحد في الدّرجة العليا وواحد في الدّرجة الوسطى وواحد في الدّرجة الدُّنيا، مثلاً للإنسان وجود وللحيوان وجود وللنّبات وجود وللجماد وجود، أمّا الوجود فمتفاوت في هذه الموجودات الأربعة، فأين وجود الإنسان من وجود الحيوان، والحال أنّ الكلّ موجود، فمن الواضح إذًا أنّ في الوجود تفاوتًا في الدّرجات.
إنّ تفاوت الأخلاق الموروثة يأتي من ضعف المزاج وقوّته، يعني لمّا يكون مزاج الأبوين ضعيفًا يكون أطفالهما مثلهما، وإن كانا قويّين فأطفالهما يكونون نشيطين، مثلاً يلاحظ أنّ الأطفال الذين يولدون من أب وأمّ ضعيفين عليلين يبتلون طبعًا بضعف في البُنية وضعف في العصب وهم عجولون فلا صبر لهم ولا جَلَد ولا ثبات ولا همّة، لأنّ ضعف الأبوين ووهنهما يصير ميراثًا للأطفال، وفضلاً عن هذا فإنّ بعضًا من السّلالات والأسر يختصّون بموهبة ما،إذًا صار من المعلوم أنّ الأخلاق الوراثيّة موجودة أيضًا.
وأمّا تفاوت الأخلاق من حيث التّربية فهو عظيم جدًّا، لأنّ التّربية لها تأثير عظيم، إذ تصيّر الجاهل عالمًا والجبان شجاعًا والغصن الأعوج مستقيمًا وفواكه الجبال والغابات المرّة حلوة لذيذة، والوردة ذات خمس غلالات تصبح ذات مائة غلالة، وبالتّربية تتمدّن الأمّة المتوحّشة، حتّى الحيوان فإنّه بالتّربية يقلّد الإنسان في حركاته وأعماله، فيجب اعتبار التّربية أنّها في غاية الأهمّيّة، لأنّ الأمراض كما أنّها تسري بشدّة في عالم الأجسام وتنتقل من بعضها إلى بعض، كذلك الأخلاق لها سريان عظيم في الأرواح والقلوب، فالتّفاوت في التّربية عظيم جدًّا، وله حكم كلّيّ، ولرُبَّ قائل يقول ما دام استعداد النّفوس وقابليّتها متفاوتًا فلا بدّ أن تتفاوت الأخلاق بسبب تفاوت الاستعداد، فنقول إنّ الأمر ليس كذلك لأنّ الاستعداد على قسمين: استعداد فطريّ واستعداد اكتسابيّ، فالاستعداد الفطريّ الذي خلقه الله كلّه خير محض، إذ ليس من شرّ في الفطرة، أمّا الاستعداد الاكتسابيّ فهو سبب حصول الشرّ، مثلاً خلق الله جميع البشر ووهبهم قابليّةً واستعدادًا ليستفيدوا من الشّهد والسّكّر ويتضرّروا ويهلكوا من السّمّ، فهذه القابليّة والاستعداد كلاهما فطريّان أعطاهما الله لجميع النّوع الإنسانيّ على حدٍّ سواء، ولكنّ الإنسان يشرع في استعمال السّمّ قليلاً قليلاً ويتناول منه كلّ يوم مقدارًا ويزيد عليه شيئًا فشيئًا، حتّى يصل الأمر إلى أنّه لو لم يتناول كلّ يوم درهمًا من الأفيون لهلك، وانقلب استعداده الفطري انقلابًا كلّيًّا، فانظروا كيف يتغيّر الاستعداد والقابليّة الفطريّة تغيّرًا جذريًّا حتّى يتحوّل إلى العكس بسبب تفاوت العادة والتّربية، فليس الاعتراض على الأشقياء من جهة الاستعداد والقابليّة الفطريّة بل من جهة الاستعداد والقابليّة الاكتسابيّة، إذ ليس في الفطرة شرّ بل كلّها خير، حتّى الصّفات والأخلاق المذمومة الملازمة لذاتيّة البعض من النّوع الإنساني فإنّها في الحقيقة ليست بمذمومة، مثلاً يلاحظ في بداية حياة الطّفل الّذي يرضع من الثّدي أنّ آثار الحرص بادية منه كما يشاهد منه أيضًا آثار الغضب والقهر.
وإذًا يقال إنّ الحسن والقبح كلاهما فطريّ في الحقيقة الإنسانيّة، وهذا مُناف للخير المطلق الذي هو في الخلقة والفطرة، فالجواب إنّ الحرص الّذي هو طلب الزّيادة صفة ممدوحة لو استعملت في موضعها، فمثلاً لو يحرص الإنسان على تحصيل العلوم والمعارف وعلى أن يكون رحيمًا ذا مروءة وعدالة فإنّ ذلك ممدوح جدًّا، ولو يغضب على الظّالمين السّفّاكين للدّماء الّذين هم كالسّباع الضّارية ويقهرهم فذلك ممدوح جدًّا، ولكنّ هذه الصّفات لو استعملت في غير موضعها لكانت مذمومة”.
- من كتاب فهم الدين البهائى-
7 سبتمبر 2011
القوة الدافعة لمسيرة الجنس البشري في تطوره وتقدمه…
وحدة الأديان …
المبدأ البهائي الرئيسي الثالث هو وحدة الدين. إنَّ هذا المبدأ له علاقة وثيقة بمبدأ وحدة الجنس البشري. جاء في بحثنا حول مفهوم:
(الوحدة العضوية للجنس البشري بأنَّ البشرية تدور في عملية نمو جماعية شبيهة بعملية النمو لدى الأفراد. ومثلما يبدأ الفرد حياته من المهد ويصل إلى سن البلوغ خلال مراحل متعاقبة يكون الشيء نفسه بالنسبة للجنس البشري حيث يبدأ حياته الاجتماعية الجماعية في مرحلة ابتدائية ومن ثمَّ وبالتدريج يصل إلى البلوغ. ففي حالة الفرد يبدو واضحًا بأنَّ التطور يكون نتيجة التعليم المستمد من الوالدين ومن المعلمين ومن المجتمع بصورة عامة.
ولكن ما هي القوة الدافعة لمسيرة الجنس البشري في تطوره وتقدمه؟
الجواب الذي يمكن أنْ يقدمه الدين البهائي هو “الدين السماوي”. في أحد الكتب الرئيسية التي جاء بها حضرة بهاء الله والمسمى بكتاب الإيقان شرَّع حضرته بأنَّ الله الخالق سبحانه وتعالى تدخل ويستمر في التدخل في تاريخ البشرية وذلك عن طريق إرسال الرسل أو المتحدثين باسمه. هؤلاء المرسلون الذين سماهم حضرة بهاء لله “مظاهر أمر الله” هم المؤسسون الرئيسيون للأديان الكبرى في العالم مثل سيدنا إبراهيم وموسى وبوذا والمسيح والرسول محمد r وغيرهم. إنَّ الروح التي أطلقها هؤلاء الأنبياء والمرسلون وأيضًا ونفوذ كلمتهم وتعاليمهم والنظام الاجتماعي الذي تأسس بواسطة أحكامهم وقوانينهم ونصائحهم هي التي أدت بالجنس البشري إلى الرقي والتقدم في مسيرة تطوره الجماعي. وبكل بساطة فإنَّ مظاهر أمر الله هم المعلّمون الكبار للبشرية.
وبالنسبة للأنظمة الدينية المختلفة التي ظهرت في تاريخ الإنسانية يقول حضرة بهاء الله:
“هذه الأصول والقوانين وتلك الأنظمة المحكمة المتينة قد ظهرت
من مطلع واحد وأشرقت عن مشرق واحد، أمّا اختلافها فراجع إلى اقتضاء الوقت والزمان والقرون والأعصار”.
وعلى ذلك، فإنَّ مبدأ وحدة الدين يعني بأنَّ مؤسسي الأديان وهم الأنبياء والمرسلون العظام جاءوا من جانب إﻟﻪ واحد وأنَّ الأنظمة الدينية التي أقاموها ما هي إلا جزء من خطّة سماوية تديرها القوة الإﻟﻬﻴﺔ.
وفي الواقع هناك دين واحد، وهو دين الله، وهو ينمو ويتطور باستمرار وكل نظام ديني يعتبر مرحلة من مراحل ذلك التطور الكامل. والدين البهائي يمثل المرحلة المعاصرة من مراحل تطور دين الله.
وللدلالة على أنَّ تعاليم الرسل وأفعالهم موجهة من قبل الله العلي القدير ولا تنبع من قدرات بشرية عادية، فقد استعمل حضرة بهاء الله كلمة “وحي” لوصف الظواهر والحوادث التي تحدث عند مجيء رسول سماوي جديد في كل مرة، خاصة وأنَّ كتابات الرسول الإﻟﻬﻲ تمثل كلمات الحق المعصومة، وبما أنَّها تبقى مدة طويلة بعد وفاة الرسول فإنَّها تعتبر جزءًا هامًا من مظاهر “الوحي”. وقد لوحظ بأنَّ كلمة “وحي” تستخدم في بعض الأحيان للإشارة فقط إلى كتابات مظهر أمر الله وكلماته.
وينظر إلى التاريخ الديني على أنَّه عملية من تتابع الديانات السماوية من عند الله وأنَّ اصطلاح “تعاقب الظهورات” يستخدم للتعبير عن هذه العملية. وعلى ذلك يعتقد البهائيون بأنَّ تتابع الأديان وتعاقبها هو القوّة الدافعة والمحركة لتقدم البشرية وأنَّ حضرة بهاء الله هو:
المظهر الإﻟﻬﻲ الأحدث في سلسلة تعاقب ظهور الأنبياء والمرسلين.
وللتركيز على المفهوم البهائي عن الدين بشكل أوضح، دعونا نقارنه بالمفاهيم الأخرى المطروحة لمضمون الدين. فمن جانب، هناك من يرى بأنَّ الأنظمة الدينية المختلفة ما هي إلاّ نتاج كفاح البشرية بحثًا عن الحقيقة. وفي ظل هذا المفهوم، لا يعتبر مؤسسو الأديان حاملين لرسالة سماوية للبشرية وإنَّما هم أشخاص من كبار الفلاسفة والمفكرين الذين توسعوا وتطوروا في بحثهم عن الحقيقة وتوصلوا إلى هذه المرتبة. هذه النزعة تستبعد فكرة وحدة أساس الدين، لأنَّ الأنظمة الدينية المختلفة تعّبر عن وجهات نظر متفاوتة واعتقادات مختلفة جاءت أصلاً من الإنسان وهو المعرض للخطأ، وهي تختلف عن الوحي الإﻟﻬﻲ الذي يمثّل الحقيقة والعصمة وهو نابع من مصدر واحد فقط.
ومن جانب آخر، هناك الكثير من المتشددين من أتباع أديان مختلفة يقولون بأنَّ رسولهم أو مؤسس دينهم يمّثل دين الحق فقط وأنَّ الأنبياء والمؤسسين الآخرين ليسوا سوى أنبياء كذبة وعلى غير حق أو على الأقل هم دون نبيهم أو رسولهم مرتبة. مثال على ذلك، هناك الكثير من اليهود يعتقدون بأنَّ سيدنا موسى عليه السلام كان حقًا رسول الله ولكن سيدنا المسيح لم يكن كذلك. ونفس الشيء يعتقده الكثير
من المسيحيين بسيدنا المسيح عليه السلام ولكن لا يؤمنون بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم وأنَّ المسيح يحتل مقامًا أعلى من مقام موسى عليه السلام.
إنَّ مبدأ وحدة الأديان من منظور الدين البهائي يختلف بشكل أساسي عن المفاهيم التقليدية المذكورة سابقًا. فقد ذكر حضرة بهاء الله بأنَّ الاختلافات الموجودة في بعض تعاليم الأديان العظيمة يرجع سببها إلى اختلاف حاجات ومتطلبات الزمن الذي ظهر فيه الدين الجديد وليس إلى وجود نقص في مؤسس ذلك الدين. بالإضافة إلى ذلك أشار حضرته إلى أنَّ كثيرًا من الناس يدخلون للدين كثيرًا من البدع ويتلاعبون بالألفاظ وينسبون إليه كثيرًا من الأفكار الدخيلة، وفوق ذلك كله يؤمن البهائيون بأنَّ جميع الأنبياء والمرسلين هم في مصاف واحد وفي مرتبة واحدة. وقد لخص حضرة شوقي أفندي هذه النظرة في الكلمات التالية:
“إنّ المبدأ الهام والأساسي الذي شرحه لنا حضرة بهاء الله ويؤمن به أتباعه بشكل جازم هو أنَّ الحقيقة الدينية ليست مطلقة وإنمّا نسبية وأنَّ الرسالة السماوية هي عملية مستمرة وفي تقدم وأنَّ جميع الأديان العظيمة في العالم سماوية في الأصل وأنَّ مبادئها الأساسية متماثلة ومتطابقة تمامًا وأنَّ أهدافها ومقاصدها متشابهة كما أنَّ تعاليمها تعكس لنا حقيقة واحدة وأنَّ وظائف هذه الأديان مكملة لبعضها البعض وأنَّ اختلافها الوحيد يكمن في الأحكام والحدود الفرعيِّة وأنَّ مهامهم هي التكامل الروحي للمجتمع الإنساني خلال مراحل متعاقبة ومستمرة.
2 سبتمبر 2011
القدرات الحقيقية الكامنة بالجنس البشري…
لاشك أنَّ كل ما نستطيع ملاحظته من تاريخ البشرية هو تاريخ طفولة الإنسانية ثمَّ مرحلة الصبا ومن ثمَّ المراهقة. ولهذا أكَّد حضرة بهاء الله بأنَّنا أحيانًا قد نستهين بالقدرات الحقيقية الكامنة بالجنس البشري. ولكن هذه القدرات الدفينة بالإنسان ستبرز وتتجلى عندما تصل البشرية إلى مرحلة النضج والبلوغ. يقول حضرة بهاء الله:
وباختصار فإنَّ المبدأ البهائي حول وحدة الجنس البشري يعني أنَّ الإنسان يمثل وحدة عضوية أساسية وقد طورت حياته الاجتماعية بالتدريج إلى مستويات أعلى من الوحدة مثل العائلة ثم القبيلة ثم المدينة ثمَّ الأمة. إنَّ المهمة الخاصة لحضرة بهاء الله هي إيجاد زخم ودفع للمرحلة التالية من هذا التكامل الاجتماعي، وبالأحرى تنظيم المجتمع الإنساني باعتباره حضارة تخص كوكب الأرض. يمكن الوصول لهذا الأمر من خلال تطوير بنية اجتماعية جديدة تعمل على التخفيض والحد من صراع المصالح وخلق مستوى جديد من الضمير الإنساني يؤمن إيمانًا قويًا بوحدة الجنس البشري. وفوق ذلك كله فإنَّ وحدة البشرية تعني وصول الإنسانية إلى مرحلة البلوغ أو النضوج خلال مراحل حياتها المشتركة.
يمكن النظر إلى الجامعة البهائية بمثابة الجنين والنموذج المستقبلي للحضارة العالمية. إنَّها تمنـح الفرد الفرصة السانحة لتطبيق مبدأ الوحدة والاتحاد ثم تطوير هذا الشعور الجديد.
-من كتاب الدين البهائى بحث ودراسة-
