Posts filed under 'الأضطرابات الراهنة'
السلام العالمى وعد حق…
4/علينا أن نُعامِلَ الآخَرين، كما نُحِبّ أن يُعامِلَنا الآخَرون…
فالمبدأ الذي يفرض علينا أن نُعامِلَ الآخَرين، كما نُحِبّ أن يُعامِلَنا الآخَرون، مبدأٌ خُلُقِيّ تكرَّر بمختلف الصّور في الأديان العظيمة جميعاً، وهو يؤكّد لنا صِحَّة الملاحظة السّابقة في ناحيتَيْن مُعيَّنتَيْن: الأُولَى، أنّه يُلخِّص اتِّجاهاً خُلُقِيّاً يختصّ بالنّاحية التي تؤدّي إلى إحلال السّلام، ويمتدّ بأصوله عبر هذه الأديانِ بغَضّ النّظر عن أماكن قيامها أو أوقات ظهورها، والثّانية، أنّه يشير إلى ناحيةٍ أُخْرَى هي ناحية الوحدة والاتِّحاد التي تُمثِّل الخاصيّة الجوهريّة للأديان، هذه الخاصيّة التي أَخْفَقَ البشر في إدراك حقيقتها نتيجةَ نَظْرَتهم المُشوَّهة إلى التّاريخ.فلو كانت الإنسانيّة قد أدركت حقيقة أولئك الذين تولَّوا تربيتها في عهود طفولتها الجماعيّة كمُنفِّذين لمسيرِ حضارةٍ واحدة، لجَنَتْ دون شكّ من الآثار الخَيِّرة، التي اجتمعت نتيجة تَعَاقُب تلك الرّسالات، محصولاً أكبر من المنافع التي لا تُحْصَى ولا تُعَدّ. ولكن الإنسانيّة فَشِلَت، ويا للأسف، في أن تفعل ذلك.إِنَّ عودة ظهور الحَمِيَّة الدّينيّة المُتطرِّفة في العديد من الأقطار لا تعدو أن تكون تشنُّجاتِ الرَّمَق الأخير. فالماهيّة الحقيقيّة لظاهرة العنف والتّمزُّق المتَّصلة بهذه الحميّة الدّينيّة تشهد على الإفلاس الرّوحيّ الذي تُمثِّله هذه الظّاهرة. والواقع أَنَّ من أغرب الملامح الواضحة وأكثرها مدعاةً للأسف في تفشِّي الحركات الرّاهنة من حركات التّعصّب الدّينيّ هي مدى ما تقوم به كلّ واحدة منها ليس فقط في تقويض القِيَم الرّوحيّة التي تسعى إلى تحقيق وحدة الجنس البشريّ، بل وتلك الإنجازات الخُلُقِيّة الفريدة التي حقَّقها كلّ دين من هذه الأديان التي تدّعي تلك الحركات أنّها قائمة لخدمة مصالحها.ورَغْمَ ما كان للدّين من قوّة حيويّة في تاريخ الإنسانيّة، ورغم ما كان لظهور الحميّة الدّينيّة أو حركات التّعصّب المتَّصفة بالعنف من آثارٍ تُثير النّفوس، فقد اعتبر عددٌ متزايدٌ من البشر، حِقَباً طويلةً من الزّمن، أنَّ الأديان ومؤسَّساتها عديمةُ الفائدة ولا محلّ لها في الاهتمامات الرّئيسيّة للعالم الحديث. وبدلاً من الاتِّجاه نحو الدّين اتَّجه البشر إِمّا نحو لَذَّة إشباع أطماعهم الماديّة، أو نحو اعتناق مذاهب عقائديّة صَنَعَها الإنسان بُغْيَةَ إِنقاذ المجتمع الإنسانيّ من الشّرور الظّاهرة التي يَنُؤ بحَمْلِها. ولكنّ المؤسف أنّ مذاهب عقائديّة متعدِّدة اتَّجهت نحو تأليه الدّولة، ونحو إخضاع سائر البشر لسَطْوَة أُمَّةٍ واحدة من الأُمَم، أو عِرْقٍ من الأعراق، أو طَبَقَةٍ من الطّبقات، بَدَلَ أن تَتَبَنَّى مبدأ وحدة الجنس البشريّ، وبَدَلَ أن تعمل على تنمية روح التّآخي والوئام بين مختلف النّاس. وباتت تسعى إلى خَنْق كلّ حوار ومَنْع أي تَبادُل للرّأي أو الفكر، وذهبت إلى التّخلِّي دون شفقة عن الملايين من الذين يموتون جوعاً تاركةً إِيّاهم تحت رحمة نظام سوق المعاملات التّجاريّة الذي يزيد بوضوحٍ من حدَّة المحنة التي يعيشها معظم البشر، بينما أَفسحت المجال لِقطاعات قليلة من النّاس لأن تتمتَّع بتَرَفٍ وثراءٍ قلَّما تصوَّرهما أسلافنا في أحلامهم. فكم هو فاجعٌ سِجِلُّ تلك المذاهب والعقائد البديلة التي وضعها أولو الحكمة الدُّنيويّة من أهل عصرنا. ففي خِضَمِّ خَيْبَة الأمل الهائلة لدى مجموعات إنسانيّة بأسرها، لُقِّنت الأماثيل لتتعبَّد عند محاريب تلك المذاهب، نَستقرئ عِبْرَة التّاريخ وحُكْمَه الفاصل على قِيَم تلك العقائد وفوائدها. إِنَّ المحصول الذي جَنَيْنَاه من تلك العقائد والمذاهب هو الآفات الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي نُكِبت بها كلّ مناطق عالمنا في هذه السّنوات الختاميّة من القرن العشرين، وذلك بعد انقضاء عقودٍ طويلة من استغلالٍ متزايد للنّفوذ والسّلطة على يد أولئك الذين يَدينون بما حققوه من سُؤدَد وصعود في مجالات النّشاطات الإنسانيّة إلى تلك العقائد والمذاهب. وترتكز هذه الآفات الظّاهريّة على ذلك العَطَب الرّوحيّ الذي تعكسه نَزْعَة اللاّمُبالاة المستَحْوِذةُ على نفوس جماهير البشر في كلّ الأُمم، ويعكسه خمود جَذْوَة الأمل في أفئدة الملايين مِمَّنْ يُقاسون اللَّوْعَة والحرمان.لقد آنَ الأوانُ كي يُسأل الذين دَعَوا النّاس إلى اعتناق العقائد الماديّة، سواءً كانوا من أهل الشّرق أو الغرب، أو كان انتماؤهم إلى المذهب الرّأسماليّ أو الاشتراكيّ – آنَ الأوان ليُسأل هؤلاء ويُحاسَبوا على القيادة الخُلُقِيّة التي أخذوها على عواتقهم. فأَيْنَ “العالم الجديد” الذي وعَدَت به تلك العقائد؟ وأَين السّلام العالميّ الذي يُعلِنون عن تكريس جهودهم لخدمة مبادئه؟ وأين الآفاق الجديدة في مجالات الإنجازات الثّقافيّة التي قامت على تعظيم ذلك العِرق، أو هذه الدّولة، أو تلك الطّبقة الخاصّة؟ وما السّبب في أنَّ الغالبيّة العُظْمَى من أهل العالم تنزلق أكثر فأكثر في غياهب المجاعة والبؤس في وقتٍ بات في متناول يد أولئك الذين يتحكَّمون في شؤون البشر ثرواتٌ بَلَغَت حدَّاً لم يكن لِيَحْلُم بها الفراعنة، ولا القياصرة، ولا حتى القوى الاستعماريّة في القرن التّاسع عشر؟
إِنَّ تمجيد المآرب الماديّة – وهو تمجيد يُمثِّل الأصول الفكريّة والخصائص المشتركة لكلّ تلك المذاهب – إِنَّ هذا التّمجيد على الأخصّ هو الذي نجد فيه الجذور التي تُغذِّي الرّأي الباطل الذي يدَّعي بأنَّ الإِنسان أنانيٌّ وعدوانيٌّ ولا سبيل إلى إصلاحه. وهذه النّقطة بالذات هي التي يجب جلاؤها إذا ما أردنا بناء عالم جديد يكون لائقاً بأولادنا وأحفادنا. فالقول بأنّ القِيَم الماديّة قد فشلت في تلبية حاجات البشريّة كما أَثبتت التّجاربُ التي مَرَّت بنا، يفرض علينا أَنْ نعترف بصدق وأمانة أَنَّه أصبح لِزاماً الآن بَذْلُ جَهْدٍ جديد لإيجاد الحلول للمشكلات المُضْنِية التي يُعانيها الكوكب الأرضيّ. فالظّروف التي تحيط بالمجتمع الإنسانيّ، وهي ظروف لا تُطاق، هي الدّليل على أَنَّ فَشَلنا كان فشلاً جماعيّاً بدون استثناء، وهذه الحالة إِنَّما تُذْكِي نَعْرَة التّزمُّت والإصرار لدى كلّ الأطراف بَدَلَ أن تُزيلها. فمن الواضح إذَن أنَّ هناك حاجة مُلِحَّة إلى مجهودٍ مشترك لإصلاح الأمور وشفاء العِلَل. فالمسألة أساساً مسألةُ اتِّخاذ مَوْقِف. وهنا يَتَبادَر إلى الأذهان السّؤال التّالي: هل تستمرّ الإنسانيّة في ضلالها مُتمسِّكة بالأفكار البالية والافتراضات العقيمة؟ أم يَعْمِد قادتها متَّحدين، بِغَضِّ النّظر عن العقائد، إلى التّشاوُر فيما بينهم بعزيمةٍ ثابتة بحثاً عن الحلول المناسبة؟ويجدُر بأولئك الذين يهمّهم مستقبل الجنس البشريّ أن يُنْعِموا النّظر بالنّصيحة التّالية: “إذا كانت المُثُل التي طال الاعتزاز بها، والمؤسَّسات التي طال احترامُها عبر الزّمن، وإذا كانت بعض الفروض الاجتماعيّة والقواعد الدّينيّة قد قَصَّرت في تنمية سعادة الإنسان ورفاهيته بوجهٍ عامّ، وباتت عاجزةً عن سدّ احتياجات إنسانيّة دائمةِ التّطوّر، فَلِتندثِرْ وتَغِبْ في عالم النّسيان مع تلك العقائد المُهْمَلة البالية. ولماذا تُستثنَى من الاندثار الذي لا بدّ أن يُصيب كلّ مؤسّسة إنسانيّة في عالمٍ يَخْضَع لقانونٍ ثابت من التّغيير والفَنَاء. إِنًّ القواعد القانونيّة والنّظريًّات السّياسيّة والاقتصاديّة وُضِعت أصلاً من أجل المحافظة على مصالح الإنسانيّة ككلّ، وليس لكي تُصْلَب الإنسانيّة بقصد الإبقاء على سلامة أي قانون أو مبدأ أو المحافظة عليه”.
المصدر http://reference.bahai.org/ar/t/uhj
1 comment أبريل 9, 2008
السلام العالمى وعد حق…
1- مرحــلةٌ طبيعيّةٌ من مراحل التّطوُّر العُضْويّ
انتهينا من خلال مجموعة من المقالات المتسلسلة الى ان هناك نهجا” جديدا يجب ان نرسمه معا لكى نخط طريق المستقبل ومن اساسيات هذا النهج ان نؤمن انه لاسبيل للترقــى والتقدم الا بأدراك قيمة السلام للعالم الأنسانى وسنتابع معا” خلال سلسلة المقالات القادمة اهــمية دور الانسـان فى السعى وراء تحقيق هذا الحلم … والدّين البهائيّ ينظر إلى الاضطرابات الرّاهنة في العالم، والظّروف المُفجِعة التي تَمُرُّ بها الشّؤونُ الإنسانيّة على أَنَّها مرحــلةٌ طبيعيّةٌ من مراحل التّطوُّر العُضْويّ التي تقود في نهاية الأمر، بصورةٍ حَتميّة، إلى وحدة الجنس البشريّ ضمن نظامٍ اجتماعيٍّ واحد، حدودُه هي حـدود هذا الكوكب الأرضيّ.
ولنتشارك معا” هذه الرسالة علها تجد الصدى المناسب فى قلوبنا وعقولنا…
إلى شعوب العالم،
إنَّ السّلام العظيم الذي اتَّجهت نحوه قلوب الخَيِّرين من البشر عبر القرون، وتَغَنَّى به ذَوو البصيرة والشّعراء في رؤاهم جيلاً بعد جيل، ووعدت به الكتب المقدًّسة للبشر على الدّوام عصراً بعد عصر، إنًّ هذا السّلام العظيم هو الآن وبعد طول وقت في متناول أيدي أمم الأرض وشعوبها. فلأوّل مرّة في التّاريخ أصبح في إمكان كلّ إنسان أن يتطلّع بمنظارٍ واحد إلى هذا الكوكب الأرضيّ بأسره بكلّ ما يحتوي من شعوب متعدِّدة مختلفة الألوان والأجناس. والسّلام العالميّ ليس ممكناً وحسب، بل إِنّه أمر لا بدَّ أن يتحقّق، والدّخول فيه يمثِّل المرحلة التّالية من مراحل التّطوّر التي مرَّ بها هذا الكوكب الأرضيّ، وهي المرحلة التي يصفها أحد عظماء المفكّرين بأنها مرحلة “كَوكَبَة الجنس البشريّ”. إنَّ الخيار الذي يواجه سكّان الأرض أجمع هو خيار بين الوصول إلى السّلام بعد تجارب لا يمكن تخيُّلها من الرُّعْب والهَلَع نتيجة تشبُّث البشريّة العنيد بأنماطٍ من السّلوك تَقادَم عليها الزّمن، أو الوصول إليه الآن بِفعْلِ الإرادة المنبثقة عن التّشاور والحوار. فعند هذا المنعطَف الخطير في مصير البشر، وقد صارت المعضلات المستعصية التي تواجه الأمم المختلفة هَمّاً واحداً مشتركاً يواجه العالم بأسره – عند هذا المنعطف يصبح الإخفاق في القضاء على موجة الصّراع والاضطراب مخالفاً لكلّ ما يُمليه الضّمير وتقصيراً في تحمُّل المسؤوليّات.
على أن ثمة ملامح إيجابيّة تدعو إلى التّفاؤل، ومنها التّزايد المُطَّرِد في نفوذ تلك الخطوات الحثيثة من أجل إحلال النّظام في العالم، وهي الخطوات التي بُوشِر باتّخاذها مبدئيّاً في بداية هذا القرن عبر إنشاء عُصْبَة الأمم، ومن بعدها هيئة الأمم المتّحدة ذات القاعدة الأكثر اتِّساعاً. ومن الملامح الإيجابيّة أيضاً أَنَّ أغلبيّة الأمم في العالم قد حقَّقت استقلالها في فترة ما بعد الحرب العالميّة الثّانية، مِمَّا يشير إلى اكتمال المرحلة التّاريخيّة لبناء الدّول، وأَنَّ الدّول اليافعة شاركت قريناتها الأقدم عهداً في مواجهة المسائل التي تهمّ كلّ الأَطراف. ثم هناك ما تَبعَ ذلك من ازدياد ضخم في مجالات التّعاون بين شعوب ومجموعات، كانت من قَبْلُ منعزلةً متخاصمة، عبر مشاريع عالميّة في ميادين العلوم والتّربية والقانون والاقتصاد والثّقافة. يُضاف إلى كلّ هذا قيام هيئات إنسانيّة عالميّة في العقود القريبة الماضية بأعدادٍ لم يسبق لها مثيل، وانتشار الحركات النّسائيّة وحركات الشّباب الدّاعية إلى إنهاء الحروب، ثم الامتداد العَفْوي المتوسِّع لشبكات مُتنوِّعة من النّشاطات التي يقوم بها أُناس عاديّون لخلق التّفاهم عبرالاتصال الشّخصيّ والفرديّ.إنَّ ما تحقّق من إنجازات علميّة وتقنيّة في هذا القرن الذي أُسبِغَتْ عليه النِّعَم والهِبات بصورةٍ غير عاديَّة، يَعِدُنا بطَفْرَةٍ تَقَدُّميّةٍ عُظْمَى في مضمار التّطور الاجتماعيّ لهذا الكوكب الأرضيّ، ويدلّ على الوسائل الكفيلة بحلّ المُشكلات الواقعيّة التي تُعاني منها الإنسانيّة. وتُوفِّر هذه الإنجازاتُ بالفعل الوسائلَ الحقيقيّة التي يمكن بها إدارةُ الحياة المُعقَّدة في عالمٍ مُوَحَّد. إِلاّ أَنَّ الحواجز لا تزال قائمة. فالأمم والشّعوب، في علاقاتها بعضها مع بعض، تكتنفها الشّكوك، وانعدام التّفهّم، والتّعصّب، وفقدان الثّقة، والمصالح الذّاتيّة الضّيِّقة.
Add comment أبريل 1, 2008
