17 يونيو 2018

القيم الاساسية التي يجب ان توجه العلاقات بين الامم لضمان مستقبل سلمي

Posted in قضايا السلام, مقام الانسان, مراحل التقدم, الكوكب الارضى, المبادىء, المجتمع الأنسانى, المسقبل, النهج المستقبلى, النضج, الانسان, الاديان, التسامح, التعاون, التعصب, الجنس البشرى, الجامعة البهائية في 8:09 ص بواسطة bahlmbyom

الجزء الثانى

  • فى تلك الظروف من تطورنا كجامعة عالمية ، ان البحث عن القيم المشتركة – ماوراء تصادم التطرف – شئ اساسي للعمل الفعال. ان الاهتمام المقصور على الاعتبارات المادية ستفشل في تقدير مدى شكل المتغيرات الدينية والايدلوجيه و الثقافية والدبلوماسيه واتخاذ القرارات. في محاولة التحرك ابعد من مجرد ارتباط مجموعة الدول بواسطة العلاقات الاقتصادية الابتدائيه إلى مستوى المسؤوليات المشتركة لأمن و رفاهية احدهما الاخر، فان مسألة القيم يجب ان تأخذ المكان الرئيسي في المشاورات، ويكون تفصيلياً وواضحاً. في حين اكدت الامم المتحدة مرارا وتكرارا الحاجة الى الجوانب المتعددة ، فمثل هذه الجهود منفردة على الرغم من انها خطوة في الاتجاه الصحيح إلا انها لن توفر القاعدة الكافية لبناء الجامعة بين الامم،  التعاون بمفرده لا يمنح الشرعية او الضمان للنتائج الحسنة  والخير الاعظم. لكي تنجز وعود ميثاق الامم المتحده  والاعلان العالمي لحقوق الانسان ، والمعاهدات اللاحقة  والقرارات ، لا يمكننا ان نبقى راضون بالتحمل السلبي للرؤيه العالميه من بعضنا البعض. فالمطلوب  هو، البحث النشط لتلك القيم العامة والمبادئ الاخلاقيه التي سترفع حالة كل امرأة ، رجل ، و طفل بغض النظر عن الجنس ، الطبقة ، الدين ، والرأي السياسي. 

    1

  • اننا نصرح بان النظام العالمي ومراحل العالمية التي توضحها ، يجب أن تؤسس على مبدأ وحدة البشرية. قبول هذا المبدأ وإعلانه كمفهوم عام ، يوفر القاعدة التطبيقية لتنظيم العلاقات بين جميع الدول والامم. على المقياس العالمي يؤكد الترابط الظاهر والمتزايد للامن وحقوق الانسان بان السلام والازدهار غير قابل للقسمة – اي لا يمكن تحقيق رفاهية أمّة او جامعة إذا ما تم تجاهل واهمال رفاهية الأمم ككل.  إن مبدأ وحدة البشرية لا يريد تقويض الحكم الذاتي الوطني او قمع التنوع الثقافي والفكري للناس وأمم العالم. بالاحرى يريد توسيع قاعدة المؤسسات الحالية للمجتمع بالدعوة الى الولاء الاوسع والمطلب الاعظم من ذاك الذي تشبع به الجنس البشري. في الحقيقة يزود الحافز الأخلاقي المطلوب لاعادة قالب مؤسسات الحكم في اسلوب مطابق مع التغيرات المستمرة لاحتياجات العالم.
  • نعرض من مبادئ الدين البهائي الرؤية التاليه في ادراك ما ينشغل به اعضاء الجامعة العالميه البهائيه من 191 أمّة:   9cc43-worldmissions                                           

” جامعة عالمية فيها ينعدم نهائياً كافة الحواجز الاقتصادية ويعترف بالعلاقة المشتركة ما بين رأس المال والعامل ، وينخمد الى الابد صيحات التعصب الديني والمشاحنات وتنطفئ نهائياً جذوة العداء الجنسي ، وفيها يسن قانون عام كثمرة  اتحاد الممثلين العالميين يكون برهان اعتماده الوحيد توسط قوات الاتحاد المشتركة وتدخلها الحاسم في سائر المنازعات واخيراً يكون جامعة عالمية فيها تتحول الوطنية المقهورة والروح المتقلبة الحربية الى شعور ثابت للمواطنة العالمية..” 

Advertisements

8 يونيو 2018

القيم الاساسية التي يجب ان توجه العلاقات بين الامم لضمان مستقبل سلمي

Posted in قضايا السلام, هموم انسانية, إدارة الأزمة, الكوكب الارضى, المفاهيم, المبادىء, المجتمع الأنسانى, المسقبل, النجاح, النضج, الألام, الأنجازات, الأخلاق, الأديان العظيمة, الافلاس الروحى, البهائية, التسامح, الجنس البشرى, الجامعة البهائية في 7:27 ص بواسطة bahlmbyom

 

الجزء الأول

ما هي مسؤوليات الأمم تجاه جيرانهم و مواطنيهم ؟ ما القيم الاساسية التي يجب ان توجه العلاقات بين الامم لضمان مستقبل سلمي ؟

في المسعى الجماعي لايجاد الحلول الشافية لهذه الاسئلة،  يشاهد نموذج جديد آخذ في السيطرة – الارتباط بين طبيعة تحدياتنا وازدهارنا. سواء كانت القضية هي الفقر ، انتشار اسلحة الدمار، دور المرأة، الايدز، التجارة العالمية ، الدين ، التغيرات المناخية ، تحسين وضع الطفولة، الفساد، و حقوق الأقليات السكانية –  فانه من الواضح انه لا يمكن ايجاد حل لاي من المشاكل التي تواجه البشرية على نحو كافي بصورة منعزلة عن بعضها البعض. ان الرؤية غير الواضحة للحدود الفاصلة الوطنية في وجه الازمات العالمية اظهرت بدون شك بان هيكل البشرية يمثل كيان عضوي واحد كامل.

Image result for one world

يجب ان تُفهم عمليات اصلاح الامم المتحدة كجزء من المسار التطوري الواسع ، بدءاً مع الاشكال الابتدائية للتعاون الدولي مثل عصبة الامم مروراً الى المستويات الأكثر تماسكاً في ادارة الشؤون الانسانية التي مهدت الى تأسيس الامم المتحده، الاعلان العالمي لحقوق الانسان، تطور هيكل القانون الدولي ، ظهور وتكامل دول حديثة مستقلة، و آليات للتعاون الإقليمي والعالمي . ما شوهد في الخمسة عشر السنة الاخيرة من تأسيس منظمة التجارة العالمية، محكمة الجزاء الدولية، الاتحاد الافريقي، التوسع الهام للاتحاد الاوروبي ، التنسيق العالمي لحملات المجتمع المدني و تفصيل الاهداف التطويرية للالفية  –  اطار لتطوير عالمي لم يسبق له مثيل يسعى لاستئصال الفقر حول العالم. اثناء هذه التطورات ظهر تعريف للسيادة الرسمية –  الحجر الاساس للنظام الحديث للعلاقات الدولية  والمبدأ الاساسي لميثاق الامم المتحدة – كهدف للمناقشة الرسمية : ما هي الحدود للافكار التقليدية للسلطة ؟ ما المسؤوليات التي لدى الدول تجاه مواطنيهم وتجاه بعضهم البعض؟  كيف يجب ان تفرض مثل هذه المسؤوليات ؟                                                                                                       بالرغم من التقلب وكثرة العوائق ، فان ظهور المؤسسات ، التحركات ، الحديث عن تزايد الدافع نحو الوحدة في الشؤون العالميه ، تشكل احدى الميزات الواسعة الانتشار  للمنظمة الاجتماعية في نهاية القرن العشرين وفي السنوات الاولى من الالفية الجديدة.

مع الزيادة الملحوظة للتقنيات ومنتدى التعاون لماذا انقسم العالم بشدة ضد نفسه؟ ما هي  المأساة العالمية التي ادت ان تهاجم بعنف العلاقات بين : الثقافات المختلفة ، المذاهب، الاديان، الانتماءات السياسية ، الاقتصاديه والجنس ؟ للاجابة على هذه الاسئلة يجب ان نفحص بشكل محايد المعايير القانونية ، النظريات السياسية و الاقتصادية، القيم والصيغ الدينيه ، التي توقفت عن الترويج  لرفاهية البشر. ان التقدم الذي حازه الرجال والاولاد على حساب البنات قد حدّت بشدة ابداع الجاليات وطاقاتهم للتقدم ومعالجة مشاكلهم، ان تجاهل الاقليات الثقافية والدينية قد اشعلت جذوة التعصبات القديمة للناس والامم ضد احدهما الاخر، فان القومية المتطرفة سحقت بقدميها حقوق وفرص المواطنين في الامم الاخرى، الدول الفقيرة تنفجر فيها المنازعات، الفوضى والتدفق الهائل لللاجئين ضيقت البرامج الاقتصادية التي تعمل على انتشار الرخاء المادي ودائما تخنق الازدهار والتطور الاجتماعي والاخلاقي المطلوبة للاستخدام العادل والحسن للثروة. عّرت مثل هذه الازمات الحدود التقليدية للحكومة ووضعت في مواجهة الامم المتحدة السؤال المحتوم :                                                            ما القيم التي تقدر ان ترشد الامم والبشر في العالم لتخرج من فوضى المصالح والعقائد المتنافسة نحو جامعة عالمية قادرة على غرس مبادئ العدالة والانصاف على كل المستويات في المجتمع الانساني؟

 Image result for values

إن مسألة القيم وصلتها التي لا انفصام لها بأنظمة الدين والعقيدة  برزت على المسرح العالمي كموضوع عالمي هام مستهلك ، بحيث لا تستطيع الامم المتحده ان تتحمل تجاهلها. بينما أقرت الجمعية العمومية عددا من القرارات التي تخاطب دور الدين في ترويج السلام وتدعو الى ازالة التعصب الديني،  انها تناضل من اجل استيعاب كلا الدورين : الدور البنّاء الذي يلعبه الدين في خلق نظام السلام العالمي ، ومدى الدور المدمر الذي يمكن ان يلعبه التعصب الديني على  استقرار وتقدم العالم. يعترف عدد متزايد من الزعماء واصحاب المقامات العالية بأن مثل هذه الاعتبارات يجب ان تتحرك من المحيط الى مركز المناقشة – للتعرف على التأثير الكامل لمتغيرات التدين على الحكومة ، الدبلوماسية، حقوق الانسان، التطوير. يجب ان تفهم مفاهيم العدالة والامن الجماعي  بصورة افضل.  لا القادة السياسيون ولا الاكاديميون تنبأوا باعادة ظهور الدين ثانية في الساحة الدولية ولم تمارس العلاقات الدولية تطوير الادوات التصوريه لمخاطبة الدين بطريقة هادفة  .  ان افكارنا الموروثة عن الدين غير ذو علاقة وهي كصوت معرقل في المجال العام الدولي ، لا تقدم اية مساعدة في حل المشاكل المعقدة امام زعماء امم العالم.  في الحقيقة ان الدور الملائم للدين في الساحة الدولية يعد واحد من  اكثر القضايا الملحة في عصرنا.

Image result for ‫وظيفة الدين‬‎

لا يمكن انكار ان تلك الاديان عولجت واستخدمت لابراز النهايات المحدودة. رغم ذلك يكشف التحليل التاريخي الدقيق بأن فترات التقدم الاعظم في الحضارة الانسانية كانت تلك التي  سمحت للدين والمنطق ان يعملا معا، معتمدا على مصادر البصيرة والتجربة الانسانية كاملة، على سبيل المثال  اثناء علو الحضارة الاسلامية ازدهرت العلوم ، الفلسفة، والفنون، ثقافة قوية من التعلم دفعت الخيال الانساني الى قمم جديدة التي زودت بين الاخرين القاعدة الرياضية للعديد من الابداعات التقنية اليوم. من بين الحضارات الانسانية المتنوعة زوّد الدين الاطار للرموز الاخلاقية الجديدة والمعايير القانونية التي حولت مناطق واسعة من الكرة الارضية من الانظمة الشرسة والفوضوية في اغلب الاحيان الى اشكال من الحكم اكثر تطورا. النقاش الحالي حول الدين في المجال العام على اية حال، يقاد بأصوات واعمال المقترحين المتطرفين من كلا الجانبين – اولئك الذين يفرضون عقيدتهم الدينية بالقوة ، والذي يظهر اكثر تعبيرا في الارهاب  ، واولئك الذين ينكرون اي موضع لمفاهيم العقيدة والايمان في المجال العام. رغم ذلك الجانبين المتطرفين لا يمثلان اغلبية البشر ولا تروج السلام الدائم.

25 مايو 2018

كتاب «تراثنا الروحي» في وقته المناسب … والسعادة في مكان آخر

Posted in قضايا السلام, مقالات, مراحل التقدم, المبادىء, المجتمع الأنسانى, المرأة, المسقبل, النجاح, النضج, النظام العالمى, الأنجازات, الأخلاق, الأديان العظيمة, الأرض, الافلاس الروحى, الاديان, البهائية, التسامح, التعاون, الجنس البشرى, انهاء الحروب في 1:06 م بواسطة bahlmbyom

 محمد علي فرحات

جريدة الحياة…النسخة الدولية

Image result for ‫تراثنا الروحى‬‎ كتاب «تراثنا الروحي» في ترجمته العربية الصادرة عن دار الساقي- بيروت، قرأته في مطلع آب (أغسطس) 2015 وأعدت قراءته لاحقاً، ملاحظاً أنه يأتي في خط معاكس لخط الأحداث الدموية التي يمر بها العالم العربي، على الأقل منذ عام 2011 وانطلاقة ما سمّي «الربيع العربي» وهو في الحقيقة «الانكشاف العربى1».

ولا أحتاج إلى سرد الجرائم الفردية والجماعية غالباً في حق أبرياء، ما يجعل الحياة الطبيعية صعبة وحتى مستحيلة في سورية والعراق وليبيا، وإلى حدّ ما في لبنان ومصر، فضلاً عن إشارات سلبية وصلت إلى اليمن الغارق في حرب شبه كلاسيكية.
أثناء قراءتي الفصل التاسع من الكتاب في عنوان «تعاليم لاوتسو» كان يطالعني على شاشة التلفزيون خبر قطع رأس مهندس كرواتي يعمل في مصر، وقد نفذ الجريمة الوحشية خاطفوه بدعوى أن حكومة بلاده والحكومة المصرية لم تهتما بطلب الخاطفين إطلاق معتقلات في مصر. ما علاقة هذا المواطن الكرواتي بمسألة المعتقلات؟ ولماذا يقتل قتلاً شنيعاً بسبب هذه المسألة؟ وكيف تسوغ الجهة القاتلة جريمتها وتدرجها في سياق ما تراه جهاداً إسلامياً؟
وإذا كنت لا أرى علاقة بين الجريمة والشريعة الإسلامية كما عرفناها في الجوهر المشترك لآيات القرآن، الكتاب الذي لا يختلف المسلمون على تقديسه ومرجعيته، كما في الجوهر المشترك للمرويات الكثيرة عن سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلّم، إذا كنت كذلك وكانت غالبية الناس مثلي، فكيف نفسِّر هذا السيل الجارف من المنظمات المسلّحة العلنيّة والسرّيّة التي تجتاح العالم اليوم وتتبنّى شعارات ورايات إسلامية، دامجة بشكل غرائبي بين الغلظة البدائية وسلاسة التكنولوجيا الحديثة، وهي تنسب إلى نفسها صحيح الإسلام وتنزعه عن مسلمي العالم؟ وتتقدّم كل منظمة من هذه المنظّمات بأمير يقودها، ناسباً إلى نفسه تمثيل الدين الحق ومعتبراً الولاء له والسمع والطاعة دليل الانتماء إلى الإسلام، وما سوى ذلك خرج ومروق أو ردّة توجب القتل. وكثيراً ما نرى هذه الجماعات المتطرفة يحارب بعضها البعض الآخر مكفّراً إياه وعاملاً على إلغائه بالقتل المادي.
ينصرف العالم إلى تحليل هذه الظاهرة المرعبة في موازاة محاربته إيّاها لحماية البشرية من خطرها، وتحفل المكتبات بمؤلفات ودراسات ومقالات تحاول مقاربة هذه الظاهرة اجتماعيّاً وسياسيّاً واقتصاديّاً ودينيّاً وحتى بسيكولوجيّاً، والملاحظ أن المعنيّين بهذا الأمر دارسون مدنيّون عرب وأجانب، مسلمون وغير مسلمين، أما مساهمة رجال الدين المسلمين في بحث جذور هذه المشكلة وطرائق حلّها فتبدو نادرة إن لم نقل معدومة. هل اختفى دور رجال الدين في القضايا الرئيسيّة واقتصر على التفاصيل والهوامش، أم أنهم اندرجوا في سياق السلطة يتبعون أهواءها ويحرصون على مصالحها ويفسّرون أخطاءها بطرق ملتوية ليبدو الحكام دائماً ممثلين للشريعة، ما يوجب طاعتهم؟ يحدث هذا في البلاد الإسلامية، كما كان يحدث في مرحلة الديكتاتوريات الأوروبيّة المعبّر عنها بأدولف هتلر وبنيتو موسوليني والجنرال فرانشيسكو فرانكو وجوزف ستالين. فلم يعدم هؤلاء الديكتاتوريون رجال دين ومثقفين يصمتون أو يضعون أحكامهم الجائرة في سياقات دعم شمولية دينيّة أو وضعيّة.

Image result for ‫التطرف‬‎
ويبدو متسرعاً القول أن العولمة تحققت أو هي في مسار التحقق في وقت قريب، بناء على تشابك المصالح وتقارب الأفكار الرئيسية الدينيّة والوضعيّة. لقد تسرّعنا من دون أن نفقد قناعتنا بأن العولمة آتية في عالم يكاد يتحوّل قرية صغيرة، فيشكو أي بلد من أي اضطرابات تحدث في بلد آخر بعيد عنه، مدركاً ضرورة الاهتمام الأممي بإطفاء الحرائق والنزاعات الصغيرة لئلا يتعاظم خطرها على البشرية كلها.
ما نرى اليوم من نزاعات دمويّة وحروب هو حالات تشظّي مؤسسات الدّولة التقليديّة التي لم تعمل على تطوير نفسها بالحوار الدائم بين هيئات الحكم والمعارضة وعامة المواطنين. دول راسخة نراها تتشظّى وتدخل في فوضى القيم والمعايير، بحيث تعجز عن التقاط خيط نجاة ينتهي بشكل من أشكال العقد الاجتماعي والعقد السياسي.
والإيمان نفسه يتشظّى حين يغادر حركته الحقيقيّة والأثيرة بين الإنسان الفرد والله الذي يؤمن به هذا الفرد ويعبده. يغادر الإيمان محلّه الأثير والحقيقي ليتحوّل إلى شعار ينافس شعارات أخرى، والكل ينسب نفسه إلى عبادة الله، ولكن بفرض هذه العبادة وقسرها على طريقة محددة تتّهم ما عداها بالهرطقة وتعتبر الحرب ضده واجباً دينيّاً. وليس ما نراه اليوم في المشرق العربي من حروب بين جماعات مسلّحة ترفع جميعها راية الإسلام سوى مصداق على تحويل الإيمان سلعة أو مادّة حشد في سوق المنافسة أو ميدان الحرب. ووصلت الأمور إلى حدّ الغرابة، في هجوم مسلّحي «داعش» على المدنيين المسلمين الذي يخالفونهم الرأي حيث تحدث مجازر لا يتخيّلها عاقل يعيش في القرن الحادي والعشرين. ونكاد نسمع الصرخة نفسها «الله أكبر» يطلقها القاتل حين يفتك بضحيته بلا رحمة كما تطلقها الضحية في وجه قاتلها قبل أن تموت.

الطريق المسدود
Related imageإنه المأزق بل الطريق المسدود تسلكه المجتمعات الإسلامية أو ذات الأكثرية الإسلامية. وحين يبلغ الانسداد أشدّه لا بد من ولادة ظواهر جديدة، يمكن أن نقدّرها كما يمكن أن تفاجئنا مهما أحسنّا التقدير. ولكن، في كل الأحوال سيبقى هناك مسلمون يُفترض بهم ابتكار طرق لخرق هذا الانسداد الحضاري والإنساني. ولمّا لاحظنا تقصير المؤسسات الدينيّة واضحاً حين لا نرى لها مكاناً في خرق الانسداد، نتوقّع حركات مفاجئة تفرض بإرادة الحياة وحفظ البقاء نهجاً إصلاحيّاً تتقبّله الجموع الحائرة الجريحة تقبّل سالك الصحراء لشيء من الماء يبرّد جوفه الحرّان.
ما أحوج العالم العربي والإسلامي أكثر من أي وقت مضى إلى كتاب «تراثنا الروحي» في شكله الحالي وفي أشكال مختصرة تسهّل على غير المتخصصين قراءته، وتقدّمه إلى الفتيان والفتيات بطريقة موجزة في سياق انشغالات تبعدهم غالباً عن القراءة الجادة.
بل ما أحوج العرب والمسلمين إليه في التعليم الديني في المدارس، خصوصاً أن علماء الدين المسلمين والمسيحيين ذوي الاعتبار يمكن أن يوقّعوا بأسمائهم على ما ورد في الكتاب عن هذين الدينين اللذين يشكل المؤمنون بهما غالبية المتديّنين في العالم العربي. وبهذا الكتاب، أعني بموجزه، يمكن حل مشكلة التعليم الديني في مدارس الشرق الأوسط المتروكة للإهمال أو لعبث العابثين، إذ يتمّ تعليم الدين باعتباره تعبئة معنوية ضد الآخر المختلف، بعيداً من الجوهر القائم على الاعتراف بوجود طرق متعدّدة لعبادة الله، وأنّ قسر البشريّة على اعتناق دين وحيد أمر متعذّر فضلاً عن كونه خارج تعاليم الأديان كلها. والحال أن «تراثنا الروحي» بعرضه الأمين للأديان منذ بدايات الاجتماع البشري، يبلغنا أن دين الله واحد يتبدّى في تجليات متعددة هي الأديان التي يعرضها الكتاب بتعريف أمين ووافٍ.
تلقّيت التعليم الابتدائي في مدرسة راس بيروت الرسميّة المتوسّطة، مقابل المدخل الرئيسي للجامعة الأميركية، وكان تلاميذها يمثّلون أوائل ستينات القرن الماضي معظم العائلات الروحيّة في لبنان. وقد خُصّصت للتعليم الديني ساعة واحدة في الأسبوع، كان تلامذة الصف الواحد يتفرّقون خلالها على قاعتين، واحدة يتولّى التعليم فيها شيخ جامع رأس بيروت للطائفة السنّيّة، والثانية راعي كنيسة رأس بيروت للروم الأرثوذكس. ولنا أن نتخيّل وضع التلاميذ الشيعة والدروز والإسماعيليّين والعلويّين في القاعة الأولى، ووضع التلاميذ الموارنة والبروتستانت واللاتين والروم الكاثوليك في القاعة الثانية. وهناك في المشهد صورة تلميذين لم يكن لهما مكان في أي من القاعتين، وكانا يقضيان ساعة التعليم الديني بلعب كرة السلّة، الأول يهودي ارتأى أهله إبعاده عن مدرسة الأليانس في وادي أبو جميل لأنهم يساريّون متطرّفون، أو هذا ما فهمناه لاحقاً حين تذكّرنا كلمات التلميذ الحماسية عن رفض أهله الانسياق إلى طائفتهم، والثاني بهائي، كان يتميّز بالصمت مصحوباً بالمودة تجاه الآخرين، ولم يستطع مدير المدرسة ولا الشيخ ولا راعي الكنيسة ولا نحن معهم، تخيّل طريقة لتعليمه دينه فترك الأمر لأهله.
التلاميذ في كل من القاعتين يطّلعون على تعاليم دين واحد بنظرة واحدة إلى هذا الدين. وإذا تصوّرنا في المستقبل المنظور تعليماً دينيّاً يستند إلى مادة كتاب «تراثنا الروحي» فإن التلاميذ الذين يتلقّونه يطّلعون على أديان العالم ويتلمسون عناصرها المشتركة، فتتعزّز نظرتهم إلى دينهم إذ يرون فيه جوانب المحبة والاعتراف على قاعدة الإيمان، ويحترمون معتقدات الآخرين فيعزّزون بذلك السلام الاجتماعي. هذا ما نأمل لمشرقنا العربي، وإلاّ فانظروا إلى تربية «داعش» للأطفال القتلة، هذا إذا تحمّلت قلوبكم المنظر المرعب.
كتاب سهيل بشروئي ومرداد مسعودي «تراثنا الروحي– من بدايات التاريخ إلى الأديان المعاصرة» يجمع بين السرد الحيّ الشيّق والأكاديمية الصارمة، خصوصاً مع ذكر المراجع الكثيرة لكل فصل من فصوله، ومع الحياد والدقّة العلميّين. وفي إحدى المقدمات ترى أليسون فان دايك رئيسة محفل التفاهم أن واضعي الكتاب اتخذوا تاريخ تطور الحضارة إطاراً سعوا من خلاله إلى تتبّع تطور مواز هو توق الإنسان إلى الارتقاء والنمو، أي بحثه عن الحقيقة المطلقة من طريق تنوّع الشكل ووحدة الشوق المتطلّع إلى الربّانية. وينوّه بشروئي بأنه خلال خمس عشرة سنة خضعت مخطوطة الكتاب للمراجعة تلو المراجعة وكانت تنمو وتتوسّع استجابة لملاحظات الطلاب ومشورة الزملاء ونصح ذوي الخبرة والعلماء من مختلف الأديان التي يعرضها الكتاب. وخص بشروئي بالذكر جهود مرداد مسعودي الذي انضم إلى المشروع عام 2001 وبذل جهداً في تطوّر أسلوب الكتاب ومحتواه، ومع مسعودي أيضاً تنويه بجهود مايكل درافيس وجيمس مارييو ومايل روسو. وفي تنويه بشروئي هذا إشارة إلى أسلوب العمل الأكاديمي والشعور بالمسؤولية في تناول معتقدات الإنسان الدينية منذ أوائل التاريخ المعروف حتى أيامنا الحاضرة.Image result for ‫طريق الأمل‬‎
وفي مقدمات الكتاب تلمّسٌ واثق لأساليب الحياة الدينية، البادئة من أسئلة حول الحياة ومعناها وحول الحقيقة النهائيّة وحول الأخلاقيات الطالعة من إدراك الخطأ والصواب والتفريق بينهما، وصولاً إلى أن الدين قديم وأن أهدافه لا تقترن بالضّرورة بالتأثيرات الاجتماعيّة ولا حتّى بطبيعة الممارسات الدينيّة نفسها. هكذا يبدو الدين حقيقة عابرة للأشكال والظروف، لأنّه يتصل بالبعد الروحي للإنسان من حيث هو إنسان. ووصل الاعتراف بالنزعة الدينيّة إلى أن تصير هدفاً للأيديولوجيات الوضعية التي أرادت تكريس وجودها من طريق التشبّه بالدين عبر التنظيم والشرائع والرموز، على رغم عدم اعترافها مبدئيّاً بالأديان وتصدّيها للمؤمنين بها.
ويتلمّس الكتاب النزعة الدينيّة المتأصّلة في البشر وتجلياتها عبر أديان عدة ودفعها إلى إظهار وعي الإنسان بالمطلق وضرورة الانضباط الروحي للحياة البشريّة. ويصل الدين في كثير من الأحيان إلى أن يكون أسلوب حياة، فضلاً عن كونه إيماناً بحياة روحية على طريق الله المعبود.
والإنسان، كما يرى عالم اللاهوت فردريك شلايماشر، كلما ازداد تعمّقاً في فهم الدين، بدا له العالم الدينيّ بأسره كُلاًّ واحداً لا يتجزّأ. وقد توصلت إلى هذه الحقيقة دراسات الدين المقارن حين لاحظت الوحدة الكامنة خلف التعدّد. ولا يلغي هذه الحقيقة وجود نزعات قصرية في رؤية العالم تتبنّى ما يمكن تسميته الهوية المضادة النازعة إلى تعريف الذّات بمقدار تميّزها عن الآخر ومناقضتها له. وأحدث تجليات هذه القصرية ما نشهد من مظاهر التعصب الطائفي والتزمّت المؤدية إلى عنف يسعى إلى تدمير الإنسان وحضارته.
مجال الأخلاق
Related image ويعرض الكتاب نموذجاً على تشابه التعاليم الدينيّة في مجال الأخلاق، صيغاً عدة للقاعدة الذهبية القائلة إن علينا معاملة الآخرين كما نحب أن يعاملونا، وتتشابه الصيغ كما ينقلها الكتاب تباعاً عن أديان: الإسلام والبوذية والزردشتية وعقيدة السيخ والبهائية والطاوية والكونفوشيوسية والمسيحية والهندوسية واليانية واليهودية وعقيدة المواطنين الأصليين في أميركا الشمالية.
ما يجمع الأديان أكثر مما يفرّقها، والتعدّديّة نعمة تدفع إلى حوار دائم أكثر مما هي نقمة تشعل الصراعات الحادّة والحروب. في الحروب تتداخل المصالح الزمنيّة مع الإيمان اللازمني فتطغى عليه وتعمل على توظيفه في حشد الأحقاد، وهي بذلك تطفئ نوره المقتبس من نور الله. تلك حقيقة الإيمان التي نفتقدها في الحروب الدينيّة التي تحمل أسماء مواربة.
الحوار مطلوب بذاته للاعتراف بالآخر ووعي المشتركات، أكثر مما هو مطلوب لإعلاء الذات والشعور بالغلبة. والحوار انتماءٌ إلى طبيعة الحياة أكثر مما هو دمج قسري يعطّل هذه الحياة.
وفي متن كتاب «تراثنا الروحي» فصول عن الأديان الرئيسية منذ فجر الإنسانية، فيقدّم الفصل الأول صورة عن العقائد الروحية للشعوب الأولى «البدائية» والكلمة هنا تعني «الأول» و «الأصلي» كما يرى عالم النفس س. ج. يونغ. وتتجلّى تلك العقائد بطقوس متشابكة اعتبرها الدارسون في القرن التاسع عشر «وثنية» ناتجة من «طفوليّة دينيّة»، لكن الدراسات الحديثة اعتبرتها إيماناً بالله بطريقة مضمرة إذ كان هؤلاء القدماء يعتبرون تصريف الهموم الرئيسيّة واليوميّة مناطاً بما يسمّى الأرواح والآلهة الصغرى، ولاحظ إيفانز بريتشارد أن قبيلة النوير السودانية، مثلاً، تؤمن بإله سام تسمّيه «كوث نْهِيالي» كما بمجموعة من الأرواح تحتل مراتب أدنى من النفوذ والسيطرة. ويمكن اعتبار الأساطير حقائق قبل نهائية تمهّد للحقيقة المطلقة. وكان للعقائد الأولى والأساطير دور في انسجام الإنسان البدائي مع بيئته إذ شكّلت نوعاً من إدراك المقدس وشكلاً من أشكال المسموح والممنوع في بيئة ليست سهلة للعيش. وكان الكهنة والعرّافون طبقة قادرة على التبصّر، غالباً بسبب معاناة إفرادها من أزمات فهم يشكَلون نوعاً من «الشافي الجريح».

tolarence
ويعرض الفصل الثاني الميراث الديني لمصر القديمة المتميّز بوعي لتاريخ غير زمني وبالتجدّد المرتبط بتولي الحكمَ فرعونٌ جديد، كما بترميز التجدّد بأسطورة إيزيس وأوزيريس، وصولاً إلى الفرعون الإنسان والإله المتصل بآتون، وبدور مميّز للسحر كصفة لازمة لكبار الكهّان. ويبدو الميراث الديني الفرعوني غنيّاً ومتشعّباً يلامس أحياناً التوحيد الذي عرفته أديان كبرى بعد آلاف السنين.
ويقدم الفصل الثالث عرضاً للمواريث الدينيّة لليونانيّين القدماء المتجلّية في ديانة الأولمب المعبّر عنها بملاحم كانت تُنشدُ في المناسبات. وتداخلت معها ولحقتها الأعمال المسرحية الأشبه بطقوس للتعبير وصولاً إلى الفلسفة التي خاطبت العقل بقدر مخاطبتها الروح وكانت التعبير المتقدّم عن الدولة- المدينة.
وفي الفصل الرابع عرض للتراث الديني لأميركا الوسطى، خصوصاً حضارة الأزتك القائل أحد حكمائها: حقاً، الأرض ليست مكان الحقيقة. صحيح، على المرء أن يذهب إلى مكان آخر، هناك، توجد السعادة. أم يا تُرى هل نحن عبثاً نأتي إلى الوجود على الأرض؟ حتماً، ثمّة مكان آخر هو مقرّ الحياة.
والفصل الخامس عن الديانة الهندوسية القديمة والمستمرّة ذات المرونة تجاه الديانات الأخرى الوافدة. ديانة تعنى بالأخلاقيّات وتعتقد بتناسخ الأرواح وتطرح طرائق للتحرر الروحاني. وقد مرّت بمراحل متعدّدة واعتمدت إلى وقت قريب نظام الطبقات الذي تهاوى مع تشابكات العصر الراهن. وانتجت الهندوسية أساليب للتعامل مع المسلمين الذين حكموا بلادها بالتفاعل مع أهل الصوفية منهم، كما قدّمت قديسين وقادة في العصر الحديث.
ويتناول الفصل السادس التراث الديني البوذي الذي يحثّ على نظر الإنسان في عمق تجاربه الشخصية واختبارها في ضوء تعاليم بوذا، مستنداً إلى الفضيلة والتأمّل والحكمة في مواجهة الجهل والجشع والبغضاء.
وفي الفصل السابع بحث في الديانة اليانيّة، وهي إحدى ديانات الهند المؤمنة بمظاهر متعدّدة للحقيقة، داعية إلى الإيمان الصحيح والمعرفة الصحيحة والسلوك الصحيح كجواهر ثلاث في الطريق إلى التحرّر.
ويتناول الفصل الثامن الديانة السيخيّة التي تحترم الأديان الأخرى وتدعو أتباعها إلى أداء مسؤولياتهم الاجتماعية التي تتعدّى أهل الديانة إلى الإنسانيّة كلّها.
والفصل التاسع عن تعاليم لاوتسو الذي أثر في التراثين البوذي والكونفوشيوسي، وقدّم إلى العالم التراث الروحي الطاوي: العالم مقدّس لا تستطيعون تحسينه. إذا حاولتم تحسينه تجلبون عليه الخراب، وإذا حاولتم امتلاكه فإنّكم ستفقدونه.
والفصل العاشر عن تعاليم كونفوشيوس الذي دعا إلى إحياء تعاليم القدماء لا نقضها فهو يكمّل الطريق مهتماً ببث الخير والصلاح، وكونفوشيوس معلّم الصين الأول وهو لم يدّعِ أبداً أنه حكيم ربّاني.
والفصل الحادي عشر عن التراث الديني الشنتوي، وديانة الشانتو اليابانية لم تصدر عن زعيم ديني مؤسس وليس لها كتب ونصوص. إنها روحانية متعدّدة الجوانب مارسها اليابانيون منذ القدم، وتمثّل خليطاً من العبادات الأرواحية والاعتقاد بعالم غيبي محجوب وعبادة السلف والطقوس الزراعية.
والفصل الثاني عشر عن الزردشتية، وهي لا تقوم عند زرادشت تماماً على ثنائية الخير والشر، لكنّها تقاربها لاحقاً في عهد ماني.
والفصول الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر تتناول على التوالي الديانات اليهودية والمسيحية والإسلامية والبهائية وهي معروفة في العالم العربي لكن الكتاب يقدّم تعاليمها بأسلوب موجز ودقيق مسقطاً الأوهام السائدة عن كل منها نتيجة الصراعات الباقية، خصوصاً منذ أواسط القرن التاسع عشر.
Image result for diversity«تراثنا الروحي» في البداية والنهاية كتاب اعتراف وخطوة لإعلاء الحقيقة الإنسانيّة وتكريس السلام، وهو اليوم مرآة حقيقة حروبنا العبثيّة نحن العرب باسم الدين وهي ليست من الدين. إنها حروب مثل غيرها ناتجة من صراعات مصالح وتصادم أطماع ورغبات بغلبة وبعزلة لا مجال لها في عالم يتقارب وينكشف. ها نحن نحطم بخفة وصخب ما بنيناه في عصور نهضتنا، بل نحفر عن آثار حضاراتنا القديمة لنتولى هدمها، كأنّنا نقطع الشجرة ولا نكتفي حتى نجتثّ جذورها. ولكن، ما من عتمة كاملة. إن غالبيّة العرب والمسلمين تواجه عبث الحروب، تواجهها بسلبيّة حقاً ولكنها تواجه، وهي في سبيلها إلى الإيجابية التي تعني الحوار على أساس الاعتراف والمنافسة في مكان حروب الإلغاء التي لا جدوى منها، فبعد مطر السماء تنمو بقايا الجذور بالضرورة، وتطلُعُ إلى الضوء وتورق وتزهر وتطرح الثمر.
ولادة هذا الكتاب تتناقض مع خطوط إطلاق النار، وربما يكون صدوره علامة نهاية حرب وبدء سلام.

http://www.alhayat.com/article/4580719/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88-%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/%D8%A2%D9%81%D8%A7%D9%82/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AB%D9%86%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%AD%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%88%D9%82%D8%AA%D9%87-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%A7%D8%B3%D8%A8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%83%D8%A7%D9%86-%D8%A2%D8%AE%D8%B1

13 مايو 2018

نُضج الجِنس البشري

Posted in قضايا السلام, لعهد والميثاق, مراحل التقدم, الكوكب الارضى, المفاهيم, المبادىء, المجتمع الأنسانى, المسقبل, النهج المستقبلى, الأنجازات, الأخلاق, الافلاس الروحى, الاديان, البهائية, الجنس البشرى في 8:58 ص بواسطة bahlmbyom

إنّ رسالة حضرة بهاء الله، التي ليس لِمُهِمَّتها العُظمى مِن هَدف سِوى تلك الوِحدة العُضوية والروحية لمُجمَل كَيان أُمم العالم، يَجب أنْ نَنْظُر إليها، إذا  كنّا مُخلِصين لمَضامِينها، على اعتبار أنّها تُعلِن بقُدومِها عن نُضج الجِنس البشري بأكمله. فلا يَجمُل بنا أنْ نَعتَبِرها مُجرَّد إحياء روحانيّ آخَر لمُقدَّرات البشريّة الدّائمة التَّغيُّر، أو أنّها مُجرَّد حلَقة أُخرى في سلسلة
مِن رسالات سماوية مُتتالية، أو حتّى على أنّها ذُروة اكتمال طور مِن سِلسِلة أكوار رَسولية مٌتعاقِبة، بل على أنّها دَلالة على بلوغ آخِر وأسمى مرحلة مِن مَراحل التَطوّر الهائل لحياة الإنسان الجماعيّة على هذا الكوكب. كما أنّ بُروز مُجتمع عالَمي، ونُضوج الوَعي بمُواطَنة عالَمية، وتأسِّيس مدَنيّة وحضارة عالميَّتَيْن – وكُلّها يَجب أن تُعاصِر المراحل الأوَلية مِن
تَفتُّح العصر الذهبي للدورة البهائية – يَجب أنْ تُعتَبَر في حدّ ذاتها، وفيما يَتعلَّق بهذه الحياة الدُنيويّة – أقصى حَدّ يُمكِن بلُوغه في تنظيم المُجتَمع البشري وإدارة شئونه، وإنْ كان الإنسان، كفَرد، قد يَستَمِر – بل يجب أنْ يَستمر – في التَقَدُّم والتَطَور اللانهائي نتيجة لهذا
النُضج والاكتمال
Related image

وعلى الرغم مِمَّا يُحيط العالَم الآن مِن ظلام دامس، إلَّا أنّ المِحَن الأليمة التي سوف يُعانيها ما زالت في طور الإعداد، ولا يُمكِن تَصوّر قَتامَتها بعد. إنَّنا نَقِف على عَتَبة عصر تُعلِن تَشَنُّجاته بنَفْس الوَتيرة عن غَصّات احتضار نِظام بال قديم وأوجاع المَخاض لميلاد بَدِيله.

إنّ تَفَشّي عدم التسامُح الديني مِن جَديد، والعَداوة العِرقية، والغَطرَسة القَومية، وتزايُد شَواهد والجريمة ثم التَلهُّف والسعي المَحموم وراء الترف المادي والثَرَوات والمَلذّات، وضعف التماسُك الأُسرىّ ، وتَراخي رِقابة الأبوين، والموقف اللامسئول مِن الزواج وما تَبِعَه مِن ارتفاع موجة الطلاق، وانحلال الفنون والموسيقى، وتَسلُّل الأسْقام إلى المؤَلّفات الأدبية،
وفساد الصحافة، وتزايُد نفوذ وأنشطة “دُعاة المُجون” الذين يُرَوِّجون لزواج المرافقة، ويَعِظون بفلسفة العُري، ويُعِدُّون الاحتشام وَهما، ويَرفُضون النَظر إلى إنجاب الأطفال على أنّه الغَرض الأَوَّلي المُقدَّس مِن الزواج، ويُنَدِّدون بالدِين على أنّه أفيون الشعوب ولئك الذين إذا ما أُطلِق لَهم العَنان لعادوا بالجنس البشري إلى البَرْبَرِية والفَوْضى والانْقراض التام – يُطالِعنا كلّه كأبرَز خصائص مُجتَمع مُتَحلِّل، إمّا أنْ يُولَد مِن جديد أو يَفنى.Related image

لقد تَوَارَت في خَلفِية مَشهد التاريخ عصور الطفولة والصِبا الطويلة التي كان لابدّ للجِنس البشري أنْ يَمُرّ بها، وما تُعانيه الإنسانيّة الآن هي اضطرابات لا مَفرّ مِنها مُرتبِطة بالفترة
الأكثر تَمرُّد اً في تطوّرها، ألَا وهي مرحلة المراهقة، التي يَبلغ اندفاع الشباب وعُنفوانه
فيها ذُروَته، وهي مرحلة لابد أنْ يأْخُذ مَكانها شيئا فشيئا الهدوء والحِكمة والنُضج التي
تُميِّز مرحلة الرُجولة. عندئذ يبلغ الجنس البشريّ مقام النُضج والاكتمال الذي سيُمكّنه مِن
اكتساب القُوى والقُدُرات التي لابد وأنْ يَتوَقَّف عليها بلوغه إلى أَوَج تَطوره في نهاية
المَطاف

9cc43-worldmissions
إنّ وِحدة الجنس البشري، كما ارتآها حضرة بهاء الله، تَتضمَّن تأسّيس رابطة شعوب عالميّة
تَتَّحِد فيها كافّة الأُمم والأجناس والعقائد والطبقات اتّحادا وثيقا دائما، ويَضمن فيها الاستقلال
الذاتي للدّول الأعضاء، والحريّة الفرديّة وحق المبادرة للأفراد الذين يعيشون في ظلها،
ضمانا اكيدا كاملاً.
1 نظام فيدرالي عالمي يٌسيطر على الكرة الأرضية بأسْرها، ويُباشر سُلطة لا نِزاع فيها على مواردها الغَنِيّة غِنى يفوق التَصوُّر، ويَجمع المُثل العليا في الشرق والغرب ويُمثِّلها، )نِظام ُتَحرِّر مِن لَعنة الحرب ومآسيها إلى الأبد، مُنصَرِف بِكُلِّيَته إلى استغلال كل موارد الطاقة المتاحة على سَطح هذا الكوكب، تَكُون فيه السُّلطة خادما أمينا للعدل، وقُوام حياته هو إيمانه
الشامل بإله واحِد ووَلاؤه لدِين واحِد، إنَ هذا النظام هو الهَدف الذي تَسعى إليه الإنسانية مَفوعة بقُوَى الحياة المُوحِّدة.

شوقي أفندي
مِضْمارُ قلمِهِ ونفوذ بيانِه
مجموعة محاضرات السيد علي نخجواني ألقيت عام 2006 في أكوتو، بإيطاليا

 

3 مايو 2018

قوة المثل فى تحقيق الهدف

Posted in قضايا السلام, مراحل التقدم, الكوكب الارضى, المفاهيم, المجتمع الأنسانى, المحن, المسقبل, المساعدات, الأنجازات, الأنسان, الأخلاق, الأديان العظيمة, الأرض في 6:04 م بواسطة bahlmbyom

انَّ العالَم الإنساني يَهرَع اليوم عَبْر المآسي والاضطرابات المُحِيقة به ماضيا نحو قَدَره المحتوم، فإذا ما تقاعَسنا، أو قصّرنا في أداء دَوْرنا فلا شك أن أفرادا آخرين سيُدْعَون للقيام بمُهِمَّتنا من أجل تلْبية المَطالب المُلَّحة لهذا العالم المنكوب ليس بكثرة عددنا، ولا بمجرد شرحنا لمجموعة من المبادئ الجديدة النبيلة، ولا بتنظيم حملة تبليغية – مهما كانت عالمية النطاق جيدة الإعداد – ولا حتى بصلابة إيماننا وشدة حماسنا،
يمكننا أن نأمل بشكل قاطع في إثبات أحقِّية الدّعوة السامِيَة التي أنزلها الجمال الأبهى أمام
أعين عصر انتقادي مُتشكِّك هناك أمر واحد لا بديل له كفيل بأن يُحقِّق دون أدنى إخفاق وبمُفرَده، النصر المبين لهذا الأمر المقدس، ألا وهو مَدى ما تَعْكِسه حياتنا الخاصة ومَسْلَكنا الشَخصي مِن رَوعة تلك المبادئ الخالدة التي أعلنها حضرة بهاء الله بمُختَلف جَوانبها ولكن علينا جميعا، في هذا الصدد، أن نَضع نُصْبَ أعيننا أن ما يأتي في المرتبة الأولى فوق أي تدبير نتصوَّره من أجل رَفع كفاءة نشاطاتنا الإدارية، وما يَفُوق في أهميّته أيَّة خُطة قد تَجُود بها قَرِيحَة من هم أكثرنا براعة، وما يَسمو بمراحل على أبرع نظام بمَقْدُور تكاتُف المحافل المُنظِمة أن تأمل في إقامته؛ هو إدراك كل مؤمن حقيقيّ في قرارة نفسه لِما
تمتاز به الرسالة الإلهية التي يُؤمن بها من قوَّة خَلَّاقة، وضرورة قصوى، وفعالية أكيدة وإنّي أؤكد لكم، يا أحبائي الأعزاء، أنّه لا شئ أقل من هذا الإيقان الراسخ كان من شأنه فيما مَضَى من أيام أن يَجعل بمَقْدُور أمرنا المحبوب المرور بسلام عَبْر أحلك العواصف في تاريخه ولا شيء غَيره يُمكنه اليوم أن يَبعث الحيوية في عروق الأنشطة المتعدِّده المنخرط فيها عدد يفوق الحَصْر من حواريِّي أمر الله، كما أنه لا شيء سواه بمَقدُوره أن يُزوِّدنا بتلك القوَّة الدافعة والقُدرة الداعمة اللازمتين كليهما لنجاح الإنجازات الضخمة المُستدامة. فهي نفس تلك الروح التي يتعيَّن علينا قبل أي شئ آخر أن نصُونها بإصرار ونجتهد بكل ما أوتينا من قُدرة على تقويتها والتحلي بها في كل مساعينا.

شوقي أفندي
مِضْمارُ قلمِهِ ونفوذ بيانِه
مجموعة محاضرات السيد علي نخجواني ألقيت عام 2006 في أكوتو، بإيطاليا

Related image

19 أبريل 2018

عيد الرضوان – اعلان الدعوة البهائية-

Posted in لوح مبارك, لعهد والميثاق, المجتمع الأنسانى, المحن, النهج المستقبلى, الأنجازات, الأديان العظيمة, الجامعة البهائية, حضرة بهاء الله, عيد الرضوان, عبد البهاء في 5:07 م بواسطة bahlmbyom

Image result for ‫عيد الرضوان‬‎

وصل جمال القدم- حضرة بهاء الله- بعد ظهر يوم الأربعاء 22 نيسان 1863 الموافق 3 ذي القعدة 1279هـ إِلى حديقة نجيب باشا ونزّلت في نفس هذا اليوم سورة الصّبر وبعد ثمانية أيّام أي في اليوم التّاسع من عيد الرّضوان وصلت العائلة المباركة إِلى حديقة نجيب باشا المعروفة بحديقة الرّضوان وفي ظهر يوم الأحد 3 أيّار 1863 الموافق 14 ذي القعدة 1279هـ خرج من حديقة الرّضوان في اتّجاه إسطنبول”.

“تَوَقَّفَ فِي الرِّضْوَانِ جَمَالُ الرَّحْمنِ إِثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، وَفِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ يَطُوفُنَّ حَوْلَ سُرَادِقِ الْعَظَمَةِ وَخِبَآءِ الْعِصْمَةِ قَبَائِلُ مَلإِ الأَعْلَى وَمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبِينَ وَأَرْوَاحُ الْمُرْسَلِينَ، وَيَحْفَظُنَّ وَيَحْرُسُنَّ أَهْلَ اللهِ مِنْ جُنُودِ الشَّيَاطِينِ، فَتَبَارَكَ اللهُ الَّذِي أَظْهَرَ هَذَا الرِّضْوانَ الْعَزِيزَ الْمَنِيعَ، وَفِي كُلِّ حِينٍ يَنْزِلُنَّ أَهْلُ غُرُفاتِ الْجِنَانِ بِأَبَارِيقَمِنْ كَوْثَرِالظُّهُورِ وَأَكْوَابٍ مِنَ السَّلْسَبِيلِ الطَّهُورِ، وَيَسْقِيُنَّ بِهَا أَهْلَ خِبَآءِ الْمَجْدِ وَفُسْطَاطِ عِزِّ مُنِيرٍ، فَتَبَارَكَ اللهُ مُظْهِرُ هَذَا الْفَضْلِ الأَمْنَعِ الْمُحِيطِ.

“… في الأيام الإثني عشر الَّتي قضاها بهاء الله في حديقة الرّضوان توجّه عدد كبير من النّاس إِلى تلك الحديقة ليقدّموا ولاءهم له، ومنهم رجال مشهورون وعظماء من سكّان بغداد وعلمائها وفقهائها مع أعداد غفيرة من النّاس الّذين كانوا يحبّونه. وكان حضرة بهاء الله يستدعي بعض الأحبّاء من مرافقيه ليمثلوا بين يديه كلّ يوم ويأذن لهم بالانصراف في المسآء، غير أنّه كان يسمح للّذين لم تكن لهم صلات أسريّة أن يمضوا اللّيل في الحديقة حيث كان بعضهم يسهر حول خيمته المباركة حارسًا. وقد ترك المؤرّخ البهائيّ جناب نبيل زرندي – وهو الّذي كان حاضرًا بنفسه- ذكرى حيّة لوصف جوّ الفرح السّائد فِي تلك الأوقات التّاريخية، فكتب فِي مذكراته يقول: (كان في كلّ يوم من أيّام الرّضوان حين حلول الفجر يبدأ البستانيّ بقطف الورود الَّتي تحفّ بممرّات الحديقة الأربعة ويضعها على أرض خيمته المباركة، وكانت الكومة من الارتفاع بحيث لم يكن في إمكان الصّاحب أن يرى صاحبه عبرها وهم جلوس في حضرته على شكل دائرة لتناول شاي الصّباح، وكان حضرة يهاء الله يتكرّم بهذه الورود وبيديه المباركتين إِلى كلّ من ينصرف عن محضره كلّ صباح حتى يهديها باسمه إِلى اصدقائه من العرب والعجم في المدينة). ويستمرّ النّبيل فِي روايته ويقول: (وفي تاسع ليلة للشّهر القمريّ تصادف أن كنت من بين الّذين يسهرون حول خيمته المباركة، وحول منتصف اللّيل رأيته يخرج من خيمته، ويمرّ ببعض الأماكن الَّتي نام فيها أصحابه، وأخذ يذرع طرقات الحديقة المزهرة لمقمرة، وكان تغريد البلابل يتعالى من كلّ الجهات بحيث غطّى على صوت حضرة بهاء الله فلم يكن يسمعه بوضوح إلاّ أقرب النّاس إليه، وبات يذرع الطّرقات جيئةً وذهابًا إِلَى أن وقف وسط طريق منها وقال: (تدبّروا أمر هذه البلابل، لقد بلغ من حبّها لهذه الورود أنّها لا تنام من غروب الشّمس حتى مطلع الفجر مغرّدة بأهازيجها تناجي محبوبها في شوق ولهفة، فكيف يستطيع النّوم من يدّعون أنّهم مشتغلون بحبّ محبوبهم وجماله الورديّ). ومكثت ثلاث ليالٍ أسهر بجوار خيمته المباركة وأطوف حولها، وكنت كلّما مررت بالدّيوان الّذي يستلقي عليه وجدته يقظان، وكنت أراه في كلّ يوم مشغولاً من الصّباح حتّى المساء في محادثة سيلٍ لا ينقطع من الزوّار الوافدين من بغداد، فما شعرت في كلمة من كلماته بأيّ أثر من الحذر والاحتياط”.

Image result for ‫عيد الرضوان‬‎

“كان رحيل حضرة بهاء الله من حديقة الرّضوان ظهر اليوم الرّابع عشر من ذي القعدة سنة 1279هـ (الموافق الثّالث من شهر أيّار 1863)، ولقد شهد هذا اليوم مناظر من الحماسة الفيّاضة الجيّاشة لا تقلّ روعة ولا تحريكًا للمشاعر عن تلك الحماسة يوم غادر بيته الأعظم في بغداد، إن لم تفقها. وفي ذلك كتب شاهد عيان يقول: (في هذه المناسبة رأينا بأمّ أعيننا فزع يوم النّشور ويوم الحساب، كان الحبيب والغريب يبكي وينوح، وعجب الأكابر والرّؤساء الّذين احتشدوا، وتحرّكت المشاعر بصورة يعجز عن وصفها اللّسان، ولا يمكن للمشاهد أن يهرب من عدواها).

بعض ما نطق به جمال القدم فِي هذا اليوم وحسب ما ورد فِي هذا اللّوح فقد أكّد حضرة بهاء الله لأتباعه ثلاثة أمور هامّة:                                                                                                         أمّا الأوّل وهو تحريم استعمال السّيف فِي دورته وذلك لأنّ المؤمنين كانوا يدافعون عن أنفسهم بالسّيف فِي الدّورة البابيّة ولكن حضرة بهاء الله منع ذلك منعًا باتًّا، وفي الكثير من ألواحه نصح الأحبّاء بأخذ جانب الحيطة والحكمة فِي نشر الدّعوة وتفادي إثارة حفيظة الأعداء المتعصّبين، وأوصاهم بالحذر البالغ فِي التّعامل مع الّذين عقدوا العزم عَلَى استئصال الأمر المبارك وإلحاق الأذى بأتباعه، ثمّ فِي مرحلة لاحقة من عهده أوعز حضرة بهاء الله إِلَى الأحبّاء أن يبذلوا الجهد كي لا يقعوا فِي أيدي الأعداء، ولكن فِي حال أنهم واجهوا الاستشهاد فعليهم أن يعطوا حياتهم فِي سبيل الأمر ولا يقتلوا مضطهديهم، فلسان البهائيّ الّذي يقوم بتبليغ الأمر كما تفضّل فِي لوح آخر هو أحسن سيف يملكه حيث إنّ بياناته تزيل شبهات الجهل والظّلام من قلوب البشر.

وأمّا الأمر الثّاني الّذي أكّد عليه فهو أنّه لن يظهر مظهر إلهيّ جديد قبل انقضاء ألف سنة كاملة، الأمر الذي عاد وأكّده فِي كتاب “بديع” المنزل فِي أدرنة، ثمّ فِي الكتاب الأقدس حيث تفضّل قائلاً: “من يدّعي أمرًا قبل إتمام ألف سنة كاملة إنّه كذّابٌ مفترٍ”.

وأمّا الأمر الثّالث فهو ما أن أعلن دعوته علانية حتّى تجلّت أسماء الله وصفاته فِي جميع الْمُمْكِنَاتِ تجلّيًا كاملاً أي أنّه قد أتى يوم جديد ومنحت جميع المخلوقات طاقات ومقدرات جديدة.

Image result for ‫عيد الرضوان‬‎

ابتداء الرّحلة الطّويلة
(1)

“ابتدأت رحلة النّفي إلى المكان المجهول حين انتهت التّرتيبات وركب حضرة بهاء الله وحضرة المولى وسيّدات الأسرة والمرافقون الأحصنة والبغال والهوادج وقام بمصاحبتهم إلى خارج بغداد مفرزة من الجنود الأتراك الّذين كانوا يعاملون الجميع بمزيد من الاحترام ولو أنهم فِي الواقع كانوا سجنائهم. وقد كان لهيمنة جمال القدم وجلاله تأثير بالغ عَلَى كل من رافقه من الجنود حيث لم يُرَ فِي موكبه أيّ نوع من سوء المعاملة وعلم أخيرًا أنّ المكان المجهول المتّجه إليه هو القسطنطينية”.

(2)

“وقد تجمهر من كلّ أطراف المدينة العديد من الأحبّاء وغيرهم ليشاهدوا حضرة بهاء الله أثناء مغادرته حديقة الرّضوان، واندفع جمهور غفير تجاهه تتقدّمهم النّساء، وكنّ يضعن أطفالهنّ الصّغار عَلَى أقدامه وكان حضرته يرفع هؤلاء الصّغار بلطف وعطف واحدًا تلو الآخر ويباركهم ثمّ يرجعهم بعناية إلى أذرع أمّهاتهم، ويوصيهنّ بتنشئة هذه

البراعم الصّغيرة لخدمة الله بثبات وإخلاص، يا له من يوم مثير للنّفوس، كان الرّجال يرمون أنفسهم فِي طريقه لعلّ قدمه المباركة تمسّهم أثناء مروره، وأخيرًا ركب المحبوب المركب الذي اخترق النّهر وكان النّاس قد تزاحموا حوله لئلاّ تفوتهم الفرصة الأخيرة ليكونوا فِي حضرته، وبعد لأي انطلق الموكب وراقبناه بتأثّر عميق، غير أنّ أرواحنا كَانَتْ تهتزّ وتسمو عَلَى نحو غريب وتحسّ بهجة وسعادة غير معتادتين، وذلك لأنّ الوقت قد حان أن نعلم الحقيقة، وعندما بلغ المركب الشَّاطِئ الآخر من النّهر أسرعنا إلى حديقة الرّضوان حيث نصبنا خيمة له وخمس أو ستّ خيم للأحباء، وعندما نصبت الخيمة المباركة فِي الرّضوان هبّت ريح شديدة لم تفتر إلاّ بعد أيام، وكَانَتْ خيمة حضرة بهاء الله تهتزّ من شدّة الرّيح وخفنا من أن يؤدّي ذلك اقتلاعها، ولذلك أخذنا عَلَى عاتقنا أن نجلس بقربها ليل نهار لنمسك الأحبال بالتّناوب كلّ واحد منّا لفترة عدّة ساعات، وكنا سعداء بأن نقوم بهذه الخدمة لأنّها أتاحت لنا أن نكون بجوار محبوبنا.

وقد لحقت أسرة حضرة بهاء الله المباركة به فِي الرّضوان فِي اليوم التّاسع لاقامتهم فِي الحديقة وفي اليوم الثّاني عشر بعد الظّهر غادرنا بمرافقة الجنود الأتراك متوجّهين إلى جهة مجهولة… كان حضرة بهاء الله قد أمر الأحباء بعدم اقتفائهم لكنّني أحببت أن لا يغيب الموكب عَنْ ناظري، وظللت أجري وراءهم لمدة ثلاث ساعات حتّى رآني حضرة بهاء الله عن بعد، فنزل عن حصانه وانتظرني وأمرني بصوته الجميل المملوء بالمحبّة والعطف أن أعود إلى بغداد مشيرًا عليّ بالإسراع فِي العمل مع الأحبّاء دون كسل وبكلّ همّة ونشاط، ثمّ أضاف (لا يغلبك الأسى لتركي الأحبّاء الأعزاء ببغداد، فبكلّ تأكيد سأرسل لهم بشارات طيبة عن أحوالنا، كن مستقيمًا فِي خدمة الله الّذي يفعل ما يشاء وعش فِي السّلام المقدّر لك).

ولبثنا نراقبهم حتى اختفوا عن أنظارنا فِي الظّلام وقلوبنا غارقة فِي الأسى والأحزان، لأنّ أعداءهم كانوا أقوياء قساة ولم نكن ندري إلى أين هم ذاهبون.

وجّهنا وجوهنا شطر بغداد ونحن نبكي بمرارة عاقدين العزم عل أن نعيش حياتنا طبقًا لأوامره، لم نكن وقتئذٍ قد أبلغنا بعد بحادث إعلان الدّعوة المجيد، وبأنّ بهاء الله الّذي كنّا نحبّه ونجلّه هو الموعود – من يظهره الله – ولكن بالرّغم من ذلك فقد شعرنا من جديد بالفرح العظيم يموج فِي قلوبنا ويغمر حزننا بفيض من النّورانية والأمل”.

مجمل القول إنّ الأيّام الإثني عشر الَّتي كانت أيام المصيبة الكبرى وأحيان أحزان شديدة – لكونها أيّام النّفي – تحوّلت إلى أيّام السّرور لأنّ عظمة أمر الله بانت وعلويّة كلمة الله ظهرت ووعود الكتب المقدّسة تحقّقت وكملت والجمال المبارك كان في غاية السّرور والفرح،فهذه الأيّام الإثنا عشر هي عيد الرّضوان ولهذا ليس للأحبّاء أيّام أكثر يمنًا من هذه الأيّام.

Related image

هَذَا لَوحٌ قَدْ نُزِّلَ فِي الرِّضْوَانِ لِيَقْرَأَ الْكُلُّ فِي عِيدِ الرِّضْوَانِ بِلَحْنِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.

بِسْمِهِ الْمُجَلِّي عَلَى مَنْ فِي الإِمْكَانِ

يَا قَلَمَ الأَعْلَى قَدْ أَتَى رَبِيعُ الْبَيَانِ بِمَا تَقَرَّبَ عِيدُ الرَّحْمنِ قُمْ بَيْنَ مَلإِ الإِنْشَاءِ بِالذِّكْرِ وَالثَّنَاءِ عَلَى شَأْنٍ يُجَدَّدُ بِهِ قَمِيصُ الإِمْكَانِ وَلا تَكُنْ مِنَ الصَّامِتِينَ، قَدْ طَلَعَ نَيِّرُ الابْتِهَاجِ مِنْ أُفُقِ سَمَآءِ اسْمِنَا الْبَهَّاجِ بِمَا تزَيَّنَ مَلَكُوتُ الأَسْمَاءِ بِاسْمِ رَبِّكَ فَاطِرِ السَّمَاءِ قُمْ بَيْنَ الأُمَمِ بِهَذَا

الاسْمِ الأَعْظَمِ وَلا تَكُنْ مِنَ الصَّابِرِينَ، إِنَّا نَرَاكَ مُتَوَقِّفًا عَلَى اللَّوْحِ هَلْ أَخَذَتْكَ الْحَيْرَةُ مِنْ أَنْوَارِ الْجَمَالِ وَالأَحْزَانُ بِمَا سَمِعْتَ مَقَالاتِ أَهْلِ الضَّلالِ، إِيَّاكَ أَنْ يَمْنَعَكَ شَيْءٌ عَنْ ذِكْرِ هَذَا الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ فُكَّ رَحِيقُ الْوِصَالِ بِإِصْبَعِ الْقُدْرَةِ وَالْجَلالِ وَدُعِيَ مَنْ فِي السَّمَواتِ وَالأَرَضِينَ، وَاخْتَرْتَ الاصْطِبَارَ بَعْدَ الَّذِي وَجَدْتَ نَفَحَاتِ أَيَّامِ اللهِ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْمُحْتَجِبِينَ، يَا مَالِكَ الأَسْمَاءِ وَفَاطِرَ السَّمَآءِ لَسْتُ مُحْتَجِبًا مِنْ شُؤُونَاتِ يَوْمِكَ الَّذِي أَصْبَحَ مِصْبَاحَ الْهُدَى بَيْنَ الْوَرَى وَآيَةَ الْقِدَمِ لِمَنْ فِي الْعَالَمِ، لَوْ كُنْتُ صَامِتًا هَذَا مِنْ حُجُبَاتِ خَلْقِكَ وَبَرِيَّتِكَ وَلَوْ كُنْتُ سَاكِنًا إِنَّهُ مِنْ سُبُحَاتِ أَهْلِ مَمْلَكَتِكَ، تَعْلَمُ مَا عِنْدِي وَلا أَعْلَمُ مَا عِنْدَكَ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ بِاسْمِكَ الْمُهَيْمِنِ عَلَى الأَسْمَاءِ، لَوْ جَآءَنِي أَمْرُكَ الْمُبْرَمُ الأَعْلَى لأَحْيَيْتُ مَنْ عَلَى الأَرْضِ بِالْكَلِمَةِ الْعُلْيَا الَّتِي سَمِعْتُهَا مِنْ لِسَانِ قُدْرَتِكَ فِي مَلَكُوتِ عِزِّكَ وَبَشَّرْتُهُمْ بِالْمَنْظَرِ الأَبْهَى مَقَامِ الَّذِي فِيهِ ظَهَرَ الْمَكْنُونُ بِاسْمِكَ الظَّاهِرِ الْمُهَيْمِنِ الْقَيُّومِ، يَا قَلَمِ هَلْ تَرَى الْيَوْمَ غَيْرِي أَيْنَ الأَشْيَاءُ وَظُهُورَاتُهَا وَأَيْنَ الأَسْمَاءُ وَمَلَكُوتُهَا وَالْبَوَاطِنُ وَأَسْرَارُهَا وَالظَّوَاهِرُ وَآثَارُهَا، قَدْ أَخَذَ الْفَنَاءُ مَنْ فِي الإِنْشَاءِ وَهَذَا وَجْهِيَ الْبَاقِي الْمُشِرِقُ الْمُنِيرُ، هَذَا يَوْمٌ لا يُرَى فِيهِ إِلاَّ الأَنْوَارُ الَّتِي أَشْرَقَتْ وَلاحَتْ مِنْ أُفُقِ وَجْهِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْكَرِيمِ، قَدْ قَبَضْنَا الأَرْواحَ بِسُلْطَانِ الْقُدْرَةِ وَالاقْتِدَارِ، وَشَرَعْنَا فِي خَلْقٍ بَدِيعٍ فَضْلاً مِنْ عِنْدِنَا وَأَنَا الْفَضَّالُ الْقَدِيمُ، هَذَا يَوْمٌ فِيهِ يَقُولُ اللاَّهُوتُ طُوبَى لَكَ يَا نَاسُوتُ بِمَا جُعِلْتَ مَوْطِئَ قَدَمِ اللهِ وَمَقَرَّ عَرْشِهِ الْعَظِيمِ وَيَقُولُ الْجَبَرُوتُ نَفْسِي لَكَ الْفِدَآءُ بِمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْكَ مَحْبُوبُ الرَّحْمَنِ الَّذِي بِهِ وُعِدَ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، هَذَا يَوْمٌ فِيهِ اسْتَعْطَرَ كُلُّ عِطْرٍ مِنْ

عِطْرِ قَمِيصِ الَّذِي تَضَوَّعَ عَرْفُهُ بَيْنَ الْعَالَمِينَ، هَذَا يَوْمٌ فِيْهِ فَاضَ بَحْرُ الْحَيَوَانِ مِنْ فَمِ مَشِيَّةِ الرَّحْمنِ هَلُمُّوا وَتَعَالَوْا يَا مَلأَ الأَعْلَى بِالأَرْوَاحِ وَالْقُلُوبِ، قُلْ هَذَا مَطْلِعُ الْغَيْبِ الْمَكْنُونِ لَوْ أَنْتُمْ مِنَ الْعَارِفِيْنَ وَهَذَا مَظْهَرُ الْكَنْزِ الْمَخْزُونِ إِنْ أَنْتُمْ مِنَ الْقَاصِدِيْنَ، وَهَذَا مَحْبُوبُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ لَوْ أَنْتُمْ مِنَ الْمُقْبِلِيْنَ، يَا قَلَمِ إِنَّا نُصَدِّقُكَ فِيمَا اعْتَذَرْتَ بِهِ فِي الصَّمْتِ مِا تَقُولُ فِي الْحَيْرَةِ الَّتِي نَرَاكَ فِيهَا يَقُولُ إِنَّهَا مِنْ سُكْرِ خَمْرِ لِقَائِكَ يَا مَحْبُوبَ الْعَالَمِينَ، قُمْ بَشِّرِ الإِمْكَانَ بِمَا تَوَجَّهَ الرَّحْمنُ إِلَى الرِّضْوَانِ ثُمَّ اهْدِ النَّاسَ إِلى الْجَنَّةِ الَّتِي جَعَلَها اللهُ عَرْشَ الْجِنَانِ، إِنَّا جَعَلْنَاكَ الصُّورَ الأَعْظَمَ لِحَيوَةِ الْعَالَمِينَ، قُلْ تِلْكَ جَنَّةٌ رُقِمَ عَلَى أَوْرَاقِ مَا غُرِسَ فِيها مِنْ رَحِيقِ الْبَيَانِ قَدْ ظَهَرَ الْمَكْنُونُ بِقُدْرَةٍ وَسُلْطَانٍ، إِنَّهَا لَجَنَّةٌ تَسْمَعُ مِنْ حَفِيفِ أَشْجَارِهَا يَا مَلأَ الأَرْضِ وَالسَّمَآءِ قَدْ ظَهَرَ مَا لا ظَهَرَ مِنْ قَبْلُ وَأَتَى مَنْ كَانَ غَيْبًا مَسْتُورًا فِي أَزَلِ الآزَالِ، وَمِنْ هَزِيزِ أَرْيَاحِهَا قَدْ أَتَى الْمَالِكُ وَالْمُلْكُ للهِ ومِنْ خَرِيرِ مَائِهَا قَدْ قَرَّتِ الْعُيُونُ بِمَا كَشَفَ الْغَيْبُ الْمَكْنُونُ عَنْ وَجْهِ الْجَمَالِ سِتْرُ الْجَلالِ وَنَادَتْ فِيْهَا الْحُورِيَّاتُ مِنْ أَعْلَى الْغُرُفَاتِ أَنْ أَبْشِرُوا يَا أَهْلَ الْجِنَانِ بِمَا تَدُقُّ أَنَامِلُ الْقِدَمِ النَّاقُوسَ الأَعْظَمَ فِي قُطْبِ السَّمَآءِ بِاسْمِ الأَبْهَى، وَأَدَارَتْ أَيَادِي الْعَطَاءِ كَوْثَرَ الْبَقَآءِ تَقَرَّبُوا ثُمَّ اشْرَبُوا هَنِيئًا لَكُمْ يَا مَطَالِعَ الشَّوْقِ وَمَشَارِقَ الاشْتِياقِ، إِذًا طَلَعَ مَطْلِعُ الأَسْمَآءِ مِنْ سُرَادِقِ الْكِبْرِيَاءِ مُنَادِيًا بَيْنَ الأَرْضِ وَالسَّمَآءِ يَا أَهْلَ الرِّضْوَانِ دَعُوا كُؤُوسَ الْجِنَانِ وَمَا فِيهِنَّ مِنْ كَوْثَرِ الْحَيَوانِ، لأَنَّ أَهْلَ الْبَهَاءِ دَخَلُوا جَنَّةَ اللِّقَآءِ وَشَرِبُوا رَحِيْقَ الْوِصَالِ مِنْ كَأْسِ جَمَالِ رَبِّهِمِ الْغَنِيِّ الْمُتَعَالِ، يَا قَلَمِ دَعْ ذِكْرَ الإِنْشَآءِ وَتَوَجَّه إِلى وَجْهِ رَبِّكَ

مَالِكِ الأَسْمَآءِ، ثُمَّ زَيِّنِ الْعَالَمَ بِطِرَازِ أَلْطَافِ رَبِّكَ سُلْطَانُ الْقِدَمِ، لأَنَّا نَجِدُ عَرْفَ يَوْمٍ فِيْهِ تَجَلَّى الْمَقْصُودُ عَلَى مَمَالِكِ الْغَيْبِ وَالشُّهُودِ بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَشُمُوسِ أَلْطَافِهِ الَّتِي مَا اطَّلَعَ بِهَا إِلاَّ نَفْسُهُ الْمُهَيْمِنَةُ عَلَى مَنْ فِي الإِبْدَاعِ، لا تَنْظُرِ الْخَلْقَ إِلاَّ بِعَيْنِ الرَّأْفَةِ وَالْوِدَادِ لأَنَّ رَحْمَتَنَا سَبَقَتِ الأَشْيَآءَ وَأَحَاطَ فَضْلُنَا الأَرَضِينَ وَالسَّمَواتِ، وَهَذَا يَوْمٌ فِيْهِ يُسْقَى الْمُخْلِصُونَ كَوْثَرَ اللِّقَاءِ وَالْمُقَرَّبُونَ سَلْسَبِيلَ الْقُرْبِ وَالْبَقَآءِ وَالْمُوَحِّدُونَ خَمْرَ الْوِصَالِ فِي هَذَا الْمَنَالِ الَّذِي فِيْهِ يَنْطِقُ لِسَانُ الْعَظَمَةِ وَالإِجْلالِ الْمُلْكُ لِنَفْسِي وَأَنَا الْمَالِكُ بِالاسْتِحْقَاقِ أَجْتَذِبُ الْقُلُوبَ بِنِدَاءِ الْمَحْبُوبِ، قُلْ هَذَا لَحْنُ اللهِ إِنْ أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ، وَهَذَا مَطْلِعُ وَحِيِ اللهِ لَوْ أَنْتُمْ تَعْرِفُونَ، وَهَذَا مَشْرِقُ أَمْرِ اللهِ لَوْ أَنْتُمْ تُوقِنُونَ، وَهَذَا مَبْدَأُ حُكْمِ اللهِ لَوْ أَنْتُمْ تُنْصِفُونَ، هَذَا لَهُوَ السِّرُّ الظَّاهِرُ الْمَسْتُورُ لَوْ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ، قُلْ يَا مَلأَ الإِنْشَاءِ دَعُوا مَا عِنْدَكُمْ بِاسْمِيَ الْمُهَيْمِنِ عَلَى الأَسْمَاءِ وَتَغَمَّسُوا فِي هَذَا الْبَحْرِ الَّذِي فِيْهِ سُتِرَ لَئَالِئُ الْحِكْمَةِ وَالتِّبْيَانِ وَتَمَوَّجَ بِاسْمِيَ الرَّحْمنِ، كَذَلِكَ يُعَلِّمُكُمْ مَنْ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ، قَدْ أَتَى الْمَحْبُوبُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى رَحِيْقُ اسْمِهِ الْمَخْتُومُ، طُوبَى لِمَنْ أَقْبَلَ وَشَرِبَ وَقَالَ لَكَ الْحَمْدُ يَا مُنْزِلَ الآيَاتِ، تَاللهِ مَا بَقِيَ مِنْ أَمْرٍ إِلا وَقَدْ ظَهَرَ بِالْحَقِّ، وَمَا مِنْ نِعْمَةٍ إِلاَّ وَقَدْ نَزَلَتْ بِالْفَضْلِ، وَمَا مِنْ كَوْثَرٍ إِلاَّ وَقَدْ مَاجَ فِي الْكُؤوبِ، وَمَا مِنْ قَدَحٍ إِلاَّ وَأَدَارَهُ الْمَحْبُوبُ، أَنْ أَقْبِلُوا وَلا تَوَقَّفُوا أَقَلَّ مِنْ آنٍ، طُوبَى لِلَّذِينَ طَارُوا بِأَجْنِحَةِ الانْقِطَاعِ إِلى مَقَامٍ جَعَلَهُ اللهُ فَوقَ الإِبْدَاعِ، وَاسْتَقَامُوا عَلَى الأَمْرِ عَلَى شَأْنٍ مَا مَنَعَتْهُمْ أَوْهَامُ الْعُلَمَآءِ وَلا جُنُودُ الآفَاقِ،                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                 يَا قَوْمِ هَلْ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَدَعُ الْوَرَى مُقْبِلاً إِلى اللهِ مَالِكِ الأَسْمَاءِ وَيَضَعُ مَا

عِنْدَ النَّاسِ بِسُلْطَانِ اسْمِيَ الْمُهَيْمِنِ عَلَى الأَشْيَآءِ آخِذًا بِيَدِ الْقُوَّةِ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ لَدَى اللهِ عَالِمُ السِّرِّ وَالأَجْهَارِ، كَذَلِكَ نُزِّلَتِ النِّعْمَةُ وَتَمَّتِ الْحُجَّةُ وَأَشْرَقَ الْبُرْهَانُ مِنْ أُفُقِ الرَّحْمنِ إِنَّ الْفَوْزَ لِمَنْ أَقْبَلَ وَقَالَ لَكَ الْحَمْدُ يَا مَحْبُوبَ الْعَالَمِينَ وَلَكَ الْحَمْدُ يَا مَقْصُودَ الْعَارِفِينَ، أَنِ افْرَحُوا يَا أَهْلَ اللهِ بِذِكْرِ أَيَّامٍ فِيْهَا ظَهَرَ الْفَرَحُ الأَعْظَمُ بِمَا نَطَقَ لِسَانُ الْقِدَمِ إِذْ خَرَجَ مِنَ الْبَيْتِ مُتَوَجِّهًا إِلى مَقَامٍ فِيْهِ تَجَلَّى بِاسْمِهِ الرَّحْمنِ عَلَى مَنْ فِي الإِمْكَانِ، تَاللهِ لَوْ نَذْكُرُ أَسْرَارَ ذَاكَ الْيَوْمِ لَيَنْصَعِقُ مَنْ فِي الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ الْمُقْتَدِرُ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، إِذْ أَخَذَ سُكْرُ خَمْرِ الآيَاتِ مَظْهَرَ الْبَيِّنَاتِ وَخَتَمَ الْبَيَانَ بِذِكْرِ إِنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا الْمُتَعَالِي الْمُقْتَدِرُ الْعَزِيزُ الْعَلاَّمُ.

من كتاب الأيام التسعة

11 أبريل 2018

قدراتنا ومقارنتهابقدرة الخالق العظيم

Posted in مقام الانسان, المبادىء, المجتمع الأنسانى, المحن, المخلوقات, المسقبل, المساعدات, المشورة, الأفئدة, الألام, الانسان, التوكل, الدين البهائى, السلوك, السعادة, الصراعات, الضمير في 7:22 ص بواسطة bahlmbyom

رسالة إلي الشباب

من حضرة روحية خانم

كنت اقرأ عصر اليوم مقالاً كتبته إحدى ممرضات الجيش تعدد فيه بعض مشاعرها و تجاربها، تحدثت عن جندي فقد كلتا عينيه و ساقيه … و طفق يفكر في خير وسيلة يبلغ بها النبأ _ في لطف ورقة إلي أمة و أخواته لقد فكرت ماذا كان في مقدوري أن اصنع أو أحس لو اتفق لي أن أصبت بالعمى أو أن عجزت ساقاي عن العمل … عندئذ تملكني إحساس عجيب !…       أستطيع أن ابذل المساعدة لهذا الجندي بمسلكي كبهائية !!

Related image و تدفق إلي وعى ما اعتقدت انه وسيلة عظيمة لتحقيق واجباتنا كبهائيين ؛ حيثما ولينا وجوهنا فثمة عذاب، عذاب اكبر من أن نتصوره فنبعده عن وعينا لأنه شديد التدمير للروح، فتصورنا للمشاعر و الظروف التي يجد فيها الملايين من الناس أنفسهم تصورا حقيقيا أمر يستحيل احتماله كما انه حين نفكر فيمن يقاسون الجوع و البرد، و في الشيوخ الذين بهدمهم الموت جوعاً و مرضاً …و حين نفكر في الأطفال و في الجنود الذين يحيون في جحيم الحرب أقول حين نفكر في كل هذا أننا  نعرض أنفسنا للتخاذل و الانهيار،       و لذلك نحن لا نفكر ما استطعنا إلي ذلك سبيلاً.

و لكن … ما الذي يمكننا أن نفعله لهؤلاء الملايين من اخوتنا و بنى جلدتنا ؟… إن لف الضمادات، و نسج المطاف، و شراء الأسهم، و قيامنا بنصيبنا بوصفنا مدنيين أو صناعاً …أو حتى قياماً ببعض صور الخدمة الحربية أمر ليس بالكثير بل انه هو الحد الأدنى للخدمة . حقا إن هذه الخدمات لها نفعها و يجب أن نتمها، غير أنها ليست سوى مسكن يخفف من حدة الألم أما واجب البهائي فاعظم : أن واجبه هو أن ” يكون بهائياً “Image result for suffering

بالأمس القريب سأل سائل حضرة شوقي أفندي : ما هو الهدف الذي يرمى إليه البهائي من حياته ؟

و قبل أن يعيد على المولى إجابته ( إذ أنني لم اكن حاضرة معهما ) عجبت كيف تكون إجابته، أتراه أخبر السائل أن هدفنا من الحياة هو عرفان الله، إما هو إكمال أخلاقنا ؟ …أنني لم احلم قط بالإجابة التي تفضل بها فقد قال: “أن الهدف الذي يكرس له البهائي حياته هو إعلاء وحدة العالم الإنساني فهدف حياتنا كله مرتبط بحياة الجنس البشرى، فنحن لا نبغي خلاص أرواحنا الفردية بل نبغي خلاصا عالمياً . فلا ينبغي لنا أن نتأمل في ذواتنا و نقول الآن عليك نفسك فخلصها و اضمن لها مقعدا طيبا في الحياة الأخرى.. لا، بل ينبغي علينا أن نشتغل بإقرار الملكوت على هذا الكوكب . و هذا أمر عظيم . ثم مضى المولى الحنون يبين أن هدفنا هو أن ننتج حضارة عالمية تنعكس بدورها على أخلاق الفرد فهدفنا في بعض الوجوه هو على العكس المسيحية التي تبدأ بالفرد، ثم تصل خلاله إلي حياة الناس الجماعية .

و هذا بالطبع لا يعنى أن نهمل ذاتنا أو نهمل نقائصنا مواطن ضعفنا إنما يعنى أن علينا أن نشع لغيرنا إشعاعاً قوياً مما نعلم _ عن دراستنا لتعاليم حضرة بهاء الله _ إنه هو الحق .

كما يعنى فيما يبدو لي أن نظامنا الإداري و ومحافلنا الروحانية و لجاننا و ضيافتنا التسع عشرية و مؤتمراتنا تقدم لنا امتحانات تتحدانا تحدياً عنيفاً، يعنى أننا إذا لم نتعلم كيف نعمل مع أخواتنا في الدين كما ينبغي لنا أن نعمل في نطاق حياة جماعتنا البهائية، فعلينا أن لا نأمل كثيرا في أن يستمع العالم لنا أو يحذو حذونا، و نكون قد نظرنا إلي نظامنا الإداري باعتباره ليس إلا مجموعة من الإجراءات، و سبيل من سبل إدارة الأمور البهائية .

و لعل هذا هو السر في أننا لا نحصل من نظامنا الإداري على النتائج التي نعرف انه يجب أن نحصل منه عليها . إن النظام الإداري ليس مجموعة من القواعد، بل هو قالب وحدة، قالب حياة متصلة، و كل ما يمكن أن نفكر فيه بوصفنا بهائيين، كالمحبة و العدل و عدم التعصب و الإنصاف و الحرية و الإدراك ..الخ يجب أن يجد تجسيده الحي في طريقة إدارتنا لأمورنا كمجموعة و عندما نظفر بالوحدة في محفلنا يزداد الاحتمال في أن نظفر بها في جماعتنا . إذا ما ظفرنا بها على هذا النحو بدأ الناس يدخلون في أمر الله أفواجا . و لم لا يدخلون و العالم كله لا ينتظر شيئا غير هذا بالذات – و هو الشيء الذي يمكن الناس فعلا من العمل و العيش في انسجام ووفاق ؟ فإلى أن نقوم بتحقيق ذلك في أنفسنا لا ينبغي لنا أن نصدق بان أحدا من الناس سوف يهتم بأفكارنا اهتماما جدياً .

هذا هو السر في أنني أحسست أن في مقدوري مساعدة ذلك الجندي و من ورائه كل الآخرين من بنى جنسي الذين يقاسمون الأن أهوال العذاب إذا أنا حصرت الأمر في أن أكون بهائياً – و بهائياً حقيقياً، فلقد روى عن حضرة عبد البهاء انه قال أن سر السيطرة على الذات هو نكران الذات، بمعنى انه إذا كان هناك أي خطا في الطريقة التي تعمل بها إدارتنا البهائية فليس هذا الخطأ سوى أننا لا ننسى أنفسنا قط . ذلك لان ذاتيتنا الصغيرة أو الكبيرة إذا شئت – تدخل معنا جنبا إلي جنب في محافلنا أو اجتماعاتنا الأخرى، حيث نجلس بملء ما فينا من مركب السيطرة و الإستعلاء، أو بملء ما فينا من مركب النقص و الضعف أو حتى بذواتنا العادية السليمة متحفزين لفرض آرائنا أو للاستياء من إساءة وهمية نظن أنها لحقت بنا، أو لاحتكار وقت الجلسة احتكاراً لا شعورياً ،أو للشعور بالتعب و الإنهاك شعوراً يمنعنا من بذل مجهوداتنا للمساهمين بنصيبنا المشروع . و أنني لأرجو أن يسمح لي بان أقول هذا بكل تواضع و كل عطف عميق على كل إخواني البهائيين فإني قد اشتركت في عضوية كثير من اللجان و كنت عضوه محفل ذات مرة و هاأنذا انظر بفزع و سخرية إلي حماقاتي السالفة و مسالكى القديمة.  اذكر كيف كانت وجهة نظري على اكبر جانب من الأهمية بالقياس إلي، و كيف كنت في بعض الأحيان أومن بأنني أنا وحدي البهائية الراسخة من بين هؤلاء الحاضرين الذين يوشكون أن يحطموا سفينة الأمر بإجماعهم عل قرار اتخذوه و لم اشترك فيه يجب علينا أن نتحلى بالصبر لا مع الآخرين وحدهم بل مع أنفسنا أيضا . و لكن يجب علينا أيضا أن نبذل جهدا اعظم لكي نكون بهائيين في حياتنا البهائية المشتركة .

لا شئ في هذا العالم ايسر من أن تنصح الآخرين بما يجب عليهم فعله و لكن الصعوبة تبدأ عندما تحاول أنت أن تنصح نفسك بما يجب عليك أنت أن تفعله و تحمل نفسك على القيام به، و حتى نحن البهائيون نشارك الآخرين هذا الضعف الإنساني العام . فنحن اقرب إلي أن نركز انتباهنا على سقطات أخواتنا في الدين و عثراتهم معتقدين انه لو لم تكن هذه المؤمنة – أو ذلك المؤمن – عقبة لسارت أمور جماعتنا و محافلنا سيرا ارق و الطف . ربما كان هناك بالطبع ما يبرر نقدنا هذا . و لكن النقد لن يغنى كثيرا، بل على النقيض إن النقد يميل دائما إلي تحويل انتباهنا عن واجبات اعظم أهمية . و مما لاشك فيه أن انحرافنا و عيوبنا هي امتحان للآخرين و عقبة في سبيلهم بقدر ما نجد عيوب الآخرين عقبة في سبيلنا . وخير وسيلة نتغلب بها على عيوبنا – فيما يبدو لي – وسيلة ذات جانبين .Image result for unity

  • أولهما أن تحاول أن تكمل نفسك، فانك أن ازددت كمالاً قطع العقل بان مجموع الأحباء قد ازداد كمالاً أيضا .

  • ثانيهما أن تحاول توجيه قولك إلي العمل الجدي طبقا للنظام الإداري الذي هو كائن حي فعال و ليس مجموعة من أفعال الأمر و النهى افعل، و لا تفعل !

و البهائيون الذين أيقظتهم نيران العقيدة الدينية الحية حريصون على اتباع مبادئ دينهم و أحكامه، يفخرون بتعاليمهم و هم حقا يحبونها و يلتمسون في إخلاص أن يحيوا طبقا لها . أما امتناعهم عن الخمر التي اصبح شربها من عادات العصر الشائعة، و أما حياتهم حياة عفيفة نبيلة في وسط مجتمع تؤمن غالبيته بان تضييق على حياته الحسية لا ضرورة له … و أما تفضيلهم السجن بل و النفي على مناقضة اعتقادهم الجازم بان كل الأجناس يجب أن تعامل على قدم المساواة المطلقة، أقول أما هذه الواجبات التي يسميها السطحيين بالتضحيات فان البهائيون يتقبلونها فرحين كوسيلة يظهرون بها حقيقة دينهم .

و مما لا شك فيه أيضا أن للبهائيين سمعة عالية عند أولئك الذين يحتكون بهم من حيث أخلاقهم و تماسكهم و لكن لسبب لا أدريه تبدو مواطن ضعفنا عندما يعمل نظامنا الإداري،       و لعل ذلك يرجع إلي أن النظام الإداري نفسه هو الأمتحان الذي وضعه حضرة بهاء الله لعلل العالم بما فيه البهائيون أنفسهم .

و كثيرا ما فكرت في هذا و تعجبت : لماذا يكون الأمر كذلك . و قد توصلت إلي نتيجة تستحق الاعتبار و هاأنذا أقدمها لغيري . و غنى عن البيان أن هذه النتيجة لا تتضمن الجواب الكامل و لكن ربما ساعدت بعض الشيء على اكتشاف السبب الحقيقي .

أن لدينا ميلاً إلي أن نضع القوانين الروحية جانبا عندما نتناول القضايا الإدارية . و لو أننا فكرنا مليا لوجدنا أن هذا المسلك يناقض كل الفكرة التي تقوم عليها الحكومة البهائية . فلقد جاء بها، ليؤسس ملكوت السماء على الأرض . فإذا آمنا بذلك حقا ( وهو ما نؤمن به فعلاً ) و جب علينا أن نحلل هذا الملكوت . إنه يتضمن عالماً يديره القانون … القانون الروحي . إنه يتضمن النظام، ذلك النظام القائم على المبادئ التي جاء بها مظهر الله المعصوم و ليس النظام الذي تضوعه عقول الأنانيين المحدودة . و هذا يستلزم أن يكون المكان الذي يعمل فيه البهائي بأقصى نشاطه و يحيا فيه على أتم ما تتيح له تعاليمه و قدرته، هو أي اجتماع يمثل النظام الإداري . و مع ذلك فكثيرا ما ترى بهائيا صالحا يضع جانباً الكثير، أن لم يكن الكل من مسالكه الروحية عندما يدخل إلي اجتماع المحفل أو اللجنة أو المؤتمر و يصبح رجلاً من رجال الأعمال، أو مجرد منفذ لقانون، أو نسخة باهته من رجل السياسة … عندما يحدث هذا خليق بنا أن نفترض أن التأييد و التوفيق السماوي قد توليا عنا من النافذة !!

Related imageذلك لأننا قد سددنا طريق التأييد و التوفيق فلن تعود تحركنا قوى ديننا الروحانية العظيمة، ستحركنا الدوافع المختلطة و المشاكل الشخصية،         و التهكمات الفردية : شاننا في ذلك أعضاء كل مجلس متداع من مجالس العالم و مجامعة .

و أنني لا اعجب لماذا يسلك كثير من البهائيين الصالحين هذا المسلك ؟

ألا أننا نؤمن بالعقيدة العتيقة القائلة بان الله شئ متصل بدخائلنا الصرفة لا بأمورنا المادية،      و انه يعمل على تخليص أرواحنا استعداد للعالم الآخر و ليس لهذا العالم أيضا ؟

أم لأننا نشعر بأننا عاجزون عن أن نجرى الأمور الدنيوية إلا طبقا لآرائنا و أهوائنا لا طبقاً للأحكام الإلهية … و مهما يكن الأمر فان واحد من هذه الأسباب هو الذي يمنع جامعتنا البهائية من أن تجذب اكبر عدد ممكن إلي حظيرة الأمر لأنه السبب الذي يمنعنا نحن من إظهار تلك المحبة      و تلك الوحدة في صفوف هيئتنا …المحبة و الوحدة اللتين يتضور إليهما الجنس البشرى كله جوعا .Related image

و نحن نسرف في تقدير مواهبنا و قدراتنا، و نقلل كثيرا من شان ما تستطيع قدرة الله أن تفعله عن طريق روح أسلمت إلي الله نفسها، و مهما تضاءلت هذه الروح     و صغر شأنها . و لقد كانت “مرتا روت”، اعظم مثل حي رايته يمثل ما يستطيع أن يفعله فرد واحد تشبث بقوة الله و قدرته، أقول ذلك لا لأنها كانت صغيرة الشأن، لا …بل كانت على حظ وافر من الموهبة و الذكاء، و لكن ما أتمته كان فوق طاقتها و مواردها إلي حد بعيد . و لقد كانت على علم بذلك كما أنها فهمت جيداً الخطة السليمة للعمل إذ أنها اعتادت أن تقول عندما تقدم على عمل ما ” أن حضرة بهاء الله يعمل هذا العمل ” و لم تكن تسمح لنفسها أن تقول ” لندع حضرة بهاء الله يعمل هذا “

   آمة البهاء روحية خانم

1 أبريل 2018

كيف تطبق المشـــورة فى النظـــــــام الإدارى البهـــــائـــى…

Posted in قضايا السلام, مقام الانسان, إدارة الأزمة, المبادىء, المجتمع الأنسانى, المحن, المخلوقات, المسقبل, المساعدات, المشورة, المشورة الديناميكية, النضج tagged , , , , , في 4:41 ص بواسطة bahlmbyom

المشــــــورة من المنظــــــور البهـــــــــائى

وأولئك الذين إئتمنوا بصياغة القوانين والتعليمات وإدارتها يجب :-

( أن يتمسكوا بحبل المشورة ، ويشرعوا ما هو سبب

وعلة أمن العباد ونعمتهم وثروتهم وإطمئنانهم ،

ويقوموا على تنفيذ ما شرعوه ، لأنه لو حدث غير ذلك

يكون سبباً فى حدوث الإختلافات والفوضى )

أ) المشورة

المشورة، في شريعة حضرة بهاءالله، تعتبر إحدى خصائص النظم الإداري ومن الأمور الأساسية، وجعلها جمال القدم- بهاء الله- إحدى النيرين في سماء الحكمة الإلهية وسماها بـ (سراج الهداية).

يتفضل حضرة بهاء الله بقوله ما معناه:

“سماء الحكمة الإلهية تستضيء وتستنير بنيرين إثنين، المشورة والشفقة، تمسكوا في جميع الأمور بالمشورة. إذ أنها هي سراج الهداية، تهدي إلى السبيل وتهب المعرفة”.

ويتفضل حضرة عبدالبهاء في لوح أحباء كاشان بقوله ما معناه:

“يا أحباء الله تشاوروا في الأمور. وأطلبوا رأي بعضكم بعضاً. وإجروا ما يتمخض عن المشورة. سواء إن كان موافقاً لفكركم ورأيكم أو لم يكن. لأن المشورة تعني تنفيذ ما يراه أهل الشور موافقاً”.

ويتفضل حضرة ولي أمرالله بما معناه:

“المشورة التي هي أصلٌ من الأصول الأساسية للتشكيلات الأمرية، ينبغي أن يعمل بها في جميع الفعاليات الأمرية التي لها تأثير على المصالح العمومية للجامعة البهائية. إذ عن طريق اتحاد المساعي وتبادل الأفكار المستمرة فقط من الممكن صيانة الأمر الإلهي وترويج مصالحه”.

في كيفية الشور في المحافل والمؤتمرات، وجدت أصول وقواعد في النظم البهائي. نشير هنا إليها بإختصار.Image result for consultation

الشروط الأساسية والروحانية للمشورة…

يتفضل حضرة عبدالبهاء بقوله بما معناه:

“… ينبغي لأعضاء المشورة أن يكونوا في غاية المحبة والألفة والصداقة مع بعضهم البعض”.

ويتفضل في خطابٍ آخر بما معناه:

“… أولى فريضة أصحاب الشور هي خلوص النية والنورانية الحقيقية والإنقطاع عن ما سوى الله والإنجذاب إلى نفحات الله والخضوع والخشوع بين الأحباء والصبر والتحمل في البلاء وعبودية العتبة الإلهية السامية”.

وتوجد في النظم الإداري البهائي –أيضاً- مقررات إلزامية لأصحاب الشور يجب عليهم مراعاتها ومنها:

1-    في حين الدخول إلى محفل الشور، يتوجهوا إلى الملكوت الأعلى ويطلبوا التأييد من الأفق الأبهى.

2-  يمتنعوا عن المكالمة في أمورٍ غير ضرورية.

3-   يدخلوا ويقعدوا في الإجتماع بكل إخلاصٍ ووقارٍ وسكونٍ وأدب.

4- يدلوا برأيهم بمنتهى الأدب وبنعومة البيان.

5- في كل مسألةٍ يتحروا الحقيقة، لا أن يصروا على رأيهم. إذ أن هدف الشور البهائي هو تحري الحقيقة.

6- لا يجوز إطلاقاً أن يزيّف نفسٌ رأي “الآخر”. بل ينبغي أن يدلي بكل حرية برأيه فقط.

7-  عند حصول الإختلاف في الآراء، يرجعوا إلى أكثرية الآراء. ويكون الكل مطيعاً ومنقاداً لرأي الأكثرية.

8-   ليس لأحدٍ أن يعترض على القرار الأخير سواء في الداخل أو في الخارج، أو يطعن فيه حتى لو كان حسب رؤيته مخالفاً للصواب.

9-   يجب ألا يتكدر أي واحدٍ من الأعضاء من مقاومة الآخرين لرأيه عند المشاورات.

10- حسبما تفضل به حضرة عبدالبهاء “لا ينبغي أن تتسرب المذاكرات في محفل الشور إلى الخارج” و”لا يتكلموا في مجلس الشور عن أمورٍ سياسية أبداً”.

يرشد حضرة ولي أمرالله من خلال تواقيعه المنيعة، أعضاء محفل الشور بما يلي:

1-      يجب على أعضاء هذه المحافل الروحانية أن يهتموا إهتماماً بالغاً في جميع الأمور المناطة إليهمRelated image، ويجروا تحقيقات كاملة.

2-      يتابعوا كل مسألةٍ متابعة.

3-      يتمسكوا تمسكاً تاماً بمبدئي “الصراحة” و”الصداقة” ويحكموا بعدالةٍ تامة.

4-      يبذلوا قصارى جهدهم في تنفيذ قراراتهم بسرعة.

5-      يشارك الكل وبلا إستثناء في المذاكرات والمباحث.

الشروط الإدارية للمشورة…

كل موضوع يطرح للنقاش في المحفل الروحاني ينبغي أن يمر بأربعة مراحل حتى يحل أحسن حلٍ ويسوى على وجهٍ أكمل. والمراحل الأربعة هي:

1-    تعيين الموضوع المراد مناقشته والموافقة على ذلك ويسمى (مرحلة التحقيق)،

2-    يكون الموضوع المطروح للمناقشة لا يتعارض مع الجانب الروحاني والإداري للدين البهائي، وتسمى هذه المرحلة بـ (مرحلة التطبيق)،

3-   نقاشٌ وافي وحرّ حول الموضوع إلى أن ينجم عن ذلك النقاش طرح إقتراحٍ حول الموضوع. ويجب أن يؤيد واحد من الأعضاء أو أكثر هذا الإقتراح وهذه المرحلة تسمى (مرحلة المشورة)،

4-   أخذ  آراء الأعضاء حول الإقتراح المقدم بخصوص الموضوع المطروح للنقاش (مرحلة أخذ القرار).

هناك شروطٌ إدارية أخرى ينبغي مراعاتها في جلسة المشورة. نشير هنا إلى بعضٍ منها:

  1. إذا إقترح أحد الأعضاء إقتراحاً إصلاحياً حين مناقشة الإقتراح الأساسي، يجب تقييم الإقتراح الإصلاحي أولاً وقبل إكمال المباحثة حول الإقتراح الأساسي، وإذا صوتت أكثرية الأعضاء لصالح الإقتراح الإصلاحي فهذا يكون إلغاءً للإقتراح الأساسي وإعتباره كأن لم يكن‘

  2. النقاش يصل إلى مرحلة الإشباع عندما يتفق عليه أكثرية الأعضاء. هناك إقتراح يسمى إقتراح ختم النقاش. يعتبر هذا الإقتراح أيضاً كأي إقتراحٍ آخر ويجب أن يؤيده واحد من الأعضاء أو أكثر،

  3. كل القرارات المتخذة إلزامية لجميع الأعضاء، موافقاً كانوا أم مخالفاً، حضوراً كانوا أم غياباً. إذ أن رأي الأكثرية كما يتفضل حضرة عبدالبهاء هو (نداء الحق)،

  4. يتساوى رئيس الجلسة مع الأعضاء الآخرين عند التصويب ومن المستحسن أن يبدي برأيه بعد الأعضاء،

  5. لا يوجد في الشور البهائي وفي التصويت حالة الإمتناع. لابد أن يكون العضو عند التصويت إما موافقاً إما مخالفاً.

ب) مقام الفرد البهائي…

للفرد في المجتمع البهائي مقام ومنزلة خاصة. إليه تعود قدرة المجتمع وقوته وتقدمه وتأخره. تؤثر إرادة الفرد وفكره ورأيه وتدبيره في إتخاذ القرارات وإعلاء شأن المجتمع. يتمتع الفرد في النظم البهائي بحرية الفكر والرأي وإظهار مواهبه الخلاقة وإبراز خططه الإبداعية وتقديم إقتراحاته البناءة. رب أناسٍ يعملون حسب ما تأمرهم شريعة حضرة بهاءالله وبما يليق بها ومنزلتها السامية وبذلك ينالون إعجاب وإستحسان الآخرين الأغيار ويدخلونهم في ظل قباب أمرالله. أو يقوم فردٍ لخدمة أمرالله ونشر نفحات الله ويكتسب بقيامه هذا حيثيةً خاصةً لصالح المجتمع ويؤثر ذلك إيجاباً في إنتشار دين الله وإشتهاره.

الفرد البهائي هو أول واحدٍ في سلسلة التشكيلات العظيمة المتينة للدين البهائي، الدين الذي يقود العالم البشري صوب الوحدة. وبدون حماية هذا الفرد وإقدامه المستمر لن يكتب لأية خطةٍ النجاح ولن يثمر أي قرار ثمراً مفيداً.

بقي لنا أن نذكر أنه ليس من حق الفرد أن يتخذ قراراً بمفرده، عكس ما هو متبع في المجتمعات الأخرى التي يحكم فيها فردً بقدرته الفردية وإرادته الذاتية في مصير أمةٍ أو شعب. قد أخذ هذا الحق من الفرد وأعطي للجمع.

إن التنوّع والتعدد الغني للجنس البشريّ من المفترض ان يعمل على تقاربنا وتلاحمنا. فاحترام وجهات نظر الآخرين، وفهم الإنسانية العمومية التي نتشارك فيها من خلال الإدراك بأننا جميعًا خلق الله وتربطنا روابط لا انفصام لها، هذا هو ما يعنينا ويهمّنا وهو أساس من أجل حلّ المشاكل الروحانية والأخلاقية والاجتماعيّة والاقتصادية الخطيرة التي تواجه الإنسانيّة. ولو أدركنا ومارسنا المشورة على هذه الأسس لأستطعنا ان نحصل على نموذج ناجح وبناء للقرارات الأخلاقية والتى بالطبع سوف تقودنا لحضارة إنسانية راقية تسع الجميع ونترك إرثاً بل كنزاً لأبناءنا وأحفادنا .

16 مارس 2018

مراجعة لرواية السّفينة الحمراء

Posted in قضايا السلام, مقالات, مراحل التقدم, المبادىء, المجتمع الأنسانى, المسقبل, النهج المستقبلى, البهائية, التفكير, التعصب, الجامعة البهائية, تطور العالم, عبد البهاء في 8:38 ص بواسطة bahlmbyom

مراجعة لرواية السّفينة الحمراء لسمير زكي

د. وحيد بهمردي

صدر مؤخّرًا روايةٌ جديدة للكاتب المصري سمير زكي تحت عنوان “السّفينة الحمراء” (دار سائر المشرق، بيروت، 2018) تتنقّل أحداثُها بين حيفا والإسكندريّة، وتقوم على قصّة شابّ مصري تجرّأ على المسيحيّة، دينه الموروث، باعتناق البهائيّة، الدّين الجديد الّذي لفت انتباه المصريّين في مطلع القرن العشرين. بطل الرّواية هو ناروز، ويتّخذ أحيانًا اسمًا مستعارًا هو حورس، وينتمي إلى عائلة اسكندرانيّة مسيحيّة. والده كاروز باشا هو أحد أعيان المدينة وأثريائها، وأخته فيروز المتزوّجة من مرزق تطمح إلى الحصول على ميراث أبيها والحفاظ على “شكل” العائلة التّقليدي. ناروز طبيب ناجح يعمل مع طبيب آخر هو سامي، وكلاهما يتردّدان في أوقات فراغهما إلى مقهى متاتيا حيث تدور بين روّاده المتنوّعين نقاشات حول القضايا الّتي كانت مدار خلاف وجدل في مجتمعهم، والرّواية تركّز على قضيّة البهائيّة الّتي أخذت حيّزًا من اهتمام المصريّين آنذاك. الإطارُ الزّمني للرّواية عشر سنوات تمتدّ بين 1911، وهو تاريخ زيارة عبد البهاء عبّاس لمصر، و1921 تاريخ وفاته في حيفا. لكن، كما سيأتي لاحقًا، لا تسير الرّواية في تسلسل زمنيّ منظّم لأنّ الرّاوي، الّذي يكشف عن هويّته في السّطور الختاميّة، يركّز على عرض المضمون الفكري ضمن القصّة أكثر من تركيزه على التّسلسل التّاريخي.
تتمحور أحداثُ الرّواية حول عائلة كاروز باشا. ابنه ناروز يعتنق العقيدة البهائيّة، فيثير بذلك حفيظة أبيه وأخته المتمسّكين بـ “شكل” العائلة لأنّ الشّكل هو الّذي أعطاها مكانة مرموقة في المجتمع. يسعى الأب لإعادة ابنه إلى دين آبائه، ليس لداع إيمانيّ بل للحفاظ على سمعة العائلة وشكلها أمام النّاس، والأخت تحاول جاهدة، وبمساعدة من زوجها مرزق، أن تستغلّ قضيّة انتماء أخيها إلى البهائيّة لوضع اليدّ على ثروة أبيها الّذي أقدمت على قتله بعدما تزوّج من ممرّضة أجنبيّة في آخر أيّام حياته، كما أنّها قطعت إبهام أخيها ناروز لتستعمله في البصم على تنازل لها عن ميراث أبيهما. دخل في فريق السّعي للإيقاع بناروز رئيس شرطة الإسكندريّة الفاسد العقربي، والّذي تمّ توظيفه من قِبَل عائلة كاروز باشا لملاحقة ابنهم ناروز ومن معه من أصدقائه البهائييّن. يدخل بعض المجرمين على خطّ العقربي، وكلٌّ يسعى لكسب مادّي من عائلة كاروز، فيدبُّ الخصامُ بينهم، ليُقتل مَن يُقتل ويَفقد العقربي عينَه اليًسرى وينجو بحياته على يد ناروز الّذي يخلّصه من الموت ويركّب له عينًا زجاجيّة. سامي، زميل ناروز، وأشجان، الفتاة الّتي يحبّها سامي، يقعان فريسة أولئك الّذين كانوا يلاحقون ناروز الّذي يهرب من الإسكندرية إلى جنوب أفريقيا من أجل خدمة الإنسانيّة، حسب ما تمليه عليه عقيدته البهائيّة، وبناءً على توجيه من عبد البهاء عبّاس الّذي كان مصدر إلهامه الرّوحي.
تتكاثر الشّخصيّات خلال الرّواية، ليظهر إلى جانب الشّخصيّات الرّئيسة الّتي تقوم عليها الأحداث، والّتي تمّت الإشارةُ إليها، شخصيّاتٌ تتداخل في مجريات الأحداث مباشرةً وفي تكوين الهدف الفكري للرّواية؛ مثل مجموعة الأصدقاء والخصوم في مقهى متاتيا، وهم يمثّلون المجتمع الإسكندراني المتنوّع آنذاك، وكذلك مجموعة المجرمين الّذين يلاحقون ناروز من أجل المكسب المالي ولا يتوانون عن ارتكاب أيّ رذيلة من أجل ذلك، وعلى رأس هؤلاء العقربي والعِكر، الخصمان اللّدودان المتعاونان في سبيل الشّرّ. إلى جانب هذه الشّخصيّات الّتي تدخل في مجريات الأحداث، تَرِد أسماء كثيرة لشخصيّات تُساهم في تكوين فكرة الرّواية دون أن يكون لها دورٌ وحضورٌ فعليّ في الأحداث، مثل الشّيخ محمّد عبده والشّيخ رشيد رضا وشكيب أرسلان وجرجي زيدان وجبران خليل جبران علاوة ًعلى كوكبة من الصّحفيّين الّذين كتبوا عن البهائيّة، لها وعليها.
خلْف جميع هذه الأحداث والشّخصيّات المكوّنة للوجه القَصصي للرّواية، تقف شخصيّة عبد البهاء عبّاس، ابن بهاء الله رسول البهائيّة. من خلال شخص عبد البهاء وإدخال زيارته لمصر في صلب أحداث الرّواية، يعرض الكاتب لجوانب من العقائد والمبادئ البهائيّة الّتي يبدو أنّها لفتت انتباهه ونالت إعجابه، وهذا لم يكن خارج نطاق المرامي الاجتماعيّة والفكريّة من تأليف سمير زكي لرواية “السّفينة الحمراء”، والّتي يمكن تلخيصها في ثلاثة أهداف: الأوّل هو انتقاد التّقاليد الاجتماعيّة في مصر، وبالتّالي في العالم العربي، والّتي تَحُول دون السّماح للأفراد بتجاوز التّقاليد الموروثة، ومنها الدّينيّة، وبالتّغيير حتّى لو كان ذلك التّغيير نحو الأفضل. الهدف الثّاني من الرّواية هو تصوير الصّراع القائم بين قوى التّقدّم، من جهة، وقوى الرّجعيّة، من جهة مقابلة، في زمن التّنازع بين التّجديد والتّقليد، خاصّة في إطار الأديان والمذاهب. أمّا الهدف الثّالث، فهو التّعريف بشخص عبد البهاء عبّاس ومن خلاله بالعقيدة البهائيّة ومبادئها، والّتي يبدو أنّ الكاتب معجَبٌ بها مع العلم أنّ التّدقيق في المضمون البهائي في الرّواية يدلّ على أنّ سمير زكي ليس بهائيًّا ولم يأخذ معلوماته من البهائيّين، ولو فعل لكانوا قد لفتوا انتباهه إلى بعض الأخطاء الموضوعيّة الّتي وقع فيها، ولا مجال لتفصيلها هنا.
تتكوّن الرّواية من ستّة عشر فصلاً، يحمل كلّ فصل عنوانًا مطابقًا للكلمة الّتي يُختَتَم بها ذلك الفصل؛ فمثلاً عنوان الفصل الأوّل هو “الغروب” والعبارة الأخيرة في هذا الفصل هي: “… والشّاهد الوحيد هو الغروب.”، وعنوان الفصل الثّاني هو “الأشباح” والعبارة الختاميّة فيه: “لكنّه سمّاهم الأشباح”، وهلمّ جرًّا في سائر الفصول حتّى الفصل الأخير الّذي يحمل عنوان الكتاب، أي “السّفينة الحمراء”، ليتفاجأ القارئ باكتشاف هويّة راوي قصّة ناروز في خاتمة الفصل، وليعرف أنّه حفيد العقربي، عدوّ البهائيّين اللّدود في الرّواية والّذي تعقّب ناروز حتّى إلى حيفا للقضاء عليه. يقول الرّاوي في نهاية الفصل الختامي: “عند هذا الحدّ أستطيع أن أقول من أنا… أنا الرّاوي، أحد ركّاب السّفينة الحمراء. أنا مظلوم نظيم خليل العقربي، حفيد الصّاغ العقربي، ألدّ أعداء البهائيّة في مصر. أمّا كيف أصبحتُ من أتباع البهائيّة، ومن ركّاب السّفينة الحمراء، فلذلك قصّة أخرى”.
مثلما تتطابق العناوين الافتتاحيّة لكلّ فصل من فصول الرّواية مع اللّفظة أو العبارة الختاميّة للفصل ذاته، ومثلما يأتي عنوان الكتاب على الغلاف مطابقًا لعنوان الفصل الأخير منه، تبدأ الرّواية وتنتهي عند شخص واحد وحَدَث واحد هما عبد البهاء ووفاته في حيفا؛ فالفصل الأوّل، “غروب”، يروي مشاركة الوافد المصري ناروز أهلَ حيفا في تشييع عبد البهاء عبّاس إلى مثواه الأخير في قلب جبل الكرمل، والفصل الأخير، “السّفينة الحمراء”، يروي أحداثَ اليوم الأربعين لوفاة الرّاحل، وفي ذلك اليوم انتهى الصّراع بين الماضي والمستقبل بانتحار العقربي في غرفة ناروز في حيفا، المدينة الّتي ذهب إليها ليقتل ناروز، فانتهى الأمر به قاتلاً نفسَه، بينما نجا ناروز بمساعدة صديقه البهائي اللّبناني، الجبلي، وعاد إلى جنوب أفريقيا كما كان عبد البهاء قد طلب منه!
مثل هذه الظّواهر في تنظيم الرّواية تدلّ على أنّ الكاتب ربّما كان يعبّر عن فكرة تقول إنّ البداية والنّهاية أو الافتتاح والاختتام أمران نسبيّان، وإن كانا نقطتين متباعدتين في طرَفَي الخطّ. لكن تلك النّقطتين المتباعدتين تصيران نقطةً واحدةً إذا تحوّل الخطّ المتباعد إلى دائرة متلاقية، وهكذا يتلاقى المتباعدون في هذا العالم وتتّحد الثّنائيّات المتناقضة والمتباعدة، تمامًا كما تتلاقي عناوين الفصول مع خواتيمها، والفصل الأوّل مع الفصل الأخير! ربّما أراد الكاتب من الابتداء بفصل يسرد فيه أحداث يوم وفاة عبد البهاء في حيفا، والانتهاء بسرد ذكرى أربعين وفاته، الإشارةَ إلى أنّ جميع سنوات حياة ناروز، الّذي يمثّل كلّ من يصبو إلى التّجديد وترك التّقاليد البالية في هذا المشرق، وكلّ ما جرى له في تلك السّنوات، إنّما تبدأ بـ “الرّحيل” قبل أن تصل غايتَها بـ “إحياء الذّكرى”. كلّ ذلك يُختصَر في أربعين يوم يُحدّد انتهاؤها نهايةَ الأحزان برحيل من نوع آخر إلى أقصى جنوب أفريقيا، البلد الجديد المتنوّع، من أقصى شمالها، أي الإسكندريّة، بلد التّراث القديم والتّقاليد العتيقة!
يبقى أن نشير إلى أمر قد يُساعد في توضيح خلفيّة الرّواية وطريقة تكوينها. يُلاحَظ أنّ الكاتب يشير في أكثر من موضع إلى أحد أعداء البهائيّة في مصر في مطلع القرن الماضي، وهو الشّيخ محمّد فاضل، وفي الفصل الثّاني عشر يذكر الكتاب الّذي نشره فاضل آنذاك تحت عنوان “الحراب في صدر البهاء والباب” (دار التّقدّم، القاهرة، 1911)، وتمّ تداوله في الفترة الّتي تدور فيها أحداث الرّواية. تدلّ المقارنة بين رواية “السّفينة الحمراء” وكتاب “الحراب” أن هذا الكتاب كان منطلَق الكاتب لتكوين فكرة الرّواية، أي الصّراع بين التّجديد والتّقليد، وهذا يحتاج إلى تفصيل يتجاوز غاية هذه المراجعة، لكن تكفي الإشارة إلى أنّ عنوان الرّواية – السّفينة الحمراء – يرد أكثر من مرّة في كتاب الحراب (صص 37، 47)، ثمّ إنّ الكاتب قد اختار مقهى متاتيا مُلتقىً للبهائيّين في الإسكندريّة، وفيه كانت تدور نقاشات بين أصدقاء البهائيّة وخصومها، وكتاب الحراب، عند ذكر الدّاعية البهائي في مصر أبي الفضل، الّذي تتكرّر الإشارة إليه في صفحات الرّواية، يقول (ص 23): “وأكثر اختلافه على القهوة المعروفة بماتتيا”. كما يذكر كتابُ الحراب أسماءَ وجوه البهائيين في مصر في مطلع القرن العشرين، وجميعهم يدخلون ضمن الشّخصيّات البهائيّة الواقعيّة في الرّواية. تجدر الإشارة أيضًا إلى أنّ ما يرد في “السّفينة الحمراء” من أقوال لرشيد رضا تحمل على البهائيّة ومن ردود عليها هي موجودة في الصّفحات الثّمانين الأولى من كتاب الحراب ممّا يبيّن مدى اعتماد الكاتب على هذا المصدر الّذي ينتمي إلى الزّمن الّذي جرت فيه أحداث الرّواية، ويعكس الجدل الّذي كان قائمًا آنذاك في مصر حول البهائيّة، وهو ما حاول الكاتب أن يتطرّق إليه في شيء من التّفصيل.
يبدو أنّ المصدر الآخَر للمعلومات الّتي تقدّمها الرّواية عن البهائيّة هو المواقع الإلكترونيّة، وربّما بعض الكتب الّتي حصل عليها من المكتبات؛ فأدخل الكاتب المعلومات الّتي جمعها عن البهائيّة في صلب الرّواية، لكنّها جاءت في كثير من المواضع غير دقيقة ومبعثرة، أو لا تتناسب مع الظّرف الّذي وردت فيه، كما أن المصطلحات البهائيّة الّتي يستعملها بهائيّو الرّواية لا تتطابق مع ما هو موجود في الكتابات البهائيّة، خاصة فيما يتعلّق بالألقاب الّتي يستعملها الكاتب لكلّ من الباب وبهاء الله وعبد البهاء.
لا شكّ في أنّ رواية “السّفينة الحمراء” تحتاج إلى دراسة نقديّة مطوّلة يتمّ التّطرّق فيها إلى تفاصيل فنيّة بنيويّة وأخرى فكريّة تميّز هذه الرّواية الّتي تقترب في بعض الأحيان من أن تكون نصًّا لفيلم سينمائي، خاصة في الانتقال السّريع بين مشهد وآخر، والّذي يخلق التباسًا لدى القارئ، وفي عدم وضوح هويّة الشّخصيّات، أحيانًا، فيعتريها الإبهام الّذي يخلق أيضًا شيئًا من الغموض، ولو كان المشهد بصريًّا لانتفى هذا الإشكال، وهذا يؤدّي إلى طرح سؤال ختاميّ: كيف سيرى النّاقدُ رواية “السّفينة الحمراء” لو شاهدها فيلمًا، بعدما قرأ نصّها؟ أيّهما سيكون أفضل من النّاحية الفنّيّة ووضوح المضمون، الرّواية المقروءة على صفحات كتاب، أم تلك المشاهَدة على شاشة السّينما؟

د. وحيد بهمردي

(أستاذ الأدب العربي في الجامعة اللّبنانيّة الأميركيّة)

الأربعاء 03 كانون الثاني 2018

 

http://www.monliban.org/monliban/ui/topic.php?id=3358

 

9 مارس 2018

كيف نفهم قضية البهائيين في مصر

Posted in قضايا السلام, مقالات, مصر لكل المصريين, المفاهيم, المجتمع الأنسانى, المسقبل, النهج المستقبلى, النضج, الأخلاق, الأديان العظيمة, الإرادة, البهائية, التسامح, الجنس البشرى, الجامعة البهائية, احلال السلام في 8:42 ص بواسطة bahlmbyom

الرئيسية  كتبت الإعلامية والكاتبة  المصرية رباب كمال:

دُعيت مساء الجمعة، الثاني من آذار (مارس)، إلى منزل أسرة مصرية بسيطة، حضرت مع أفرادها إفطار أول يوم في شهر “العُلاء”، وهو شهر الصيام لدى البهائيين، ويستمر تسعة عشر يوماً، يبدأ فيه الصيام عن المأكل والمشرب من الشروق وحتى الغروب، وفلسفة الصيام في البهائية تقوم على أساس التقرب إلى الله والتعبد والتأمل.

رُفع آذان المغرب، وانتقلت الأسرة إلى غرفة المعيشة، وجلسنا جميعاً في لحظة صمت بينما قام أحد أفراد الأسرة (كريم) بتلاوة مناجاة بصوت رخيم قبل تناول الإفطار، ولا تختلف أجواء الصيام والإفطار في شهر “الـعُلاء” عن شهر رمضان لدى المسلمين كثيراً.

الصيام لدى البهائيين يستمر تسعة عشر يوماً، يبدأ فيه الصيام عن المأكل والمشرب من الشروق وحتى الغروب

لم تكن هذه أول مناسبة دينية أحضرها مع البهائيين؛ فقد سبق وحضرت معهم احتفالات أيام “الهاء”، وهي أيام يلقّبها البهائيون بأيام الفرح والسرور والكرم والعطاء، ويقيمون فيها الولائم ويعتنون بالفقراء والمرضى، وأيام الهاء؛ هي أيام زائدة على التقويم الشمسي، فالسنة البهائية تتكون من 19 شهراً، وكلّ شهر يتكون من 19 يوماً؛ أي 361 يوماً في السنة، فيتبقى 4 أيام أو 5 أيام على حسب السنة في التقويم الشمسي، وهكذا تكون أيام الهاء.

ومن قبل أيام الهاء، حضرت الاحتفال بالمولد الـ 200 لحضرة بهاء الله، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2017، وأتذكر جيداً أنّ هذا اليوم تصادف مع حادث إرهابي مريع، وهو حادث مجزرة مسجد الروضة في العريش، الذي اقتحم فيه الإرهابيون المسجد أثناء صلاة الجمعة، ونحروا ما يزيد على 300 فرد، وكانت المشاعر المؤلمة تُخيم على الأجواء فيمصر، ويومها وجدت أنّ الأسرة البهائية التي كنت مدعوة على شرفها تلغي الاحتفال وتستبدله بالمناجاة والتضرّع، والدعوات لأهالي الضحايا، وبعد أن كتبت عن موقف البهائيين، وجدت سيلاً من الرسائل تسألني: من هم البهائيون الذين ألغوا احتفالهم الديني تضامناً مع شهداء مسجد الروضة؟

السؤال نفسه كان صحياً لدرجة كبيرة، حتى وإن كانت بعض الرسائل تسأل بشيء من الاستهجان، لكنّ الاستهجان لم يمنع الجواب، وبدأت أسرد بعض معلوماتي عن البهائية ونشأتها في القرن التاسع عشر، وتحدثت عن رسالة حضرة بهاء الله، وكان قوامها الإيمان بكلّ الأديان سواء الإبراهيمية (الإسلام والمسيحية واليهودية)، أو غيرها من أديان أخرى، مثل: الزرادشتية والبوذية والهندوسية؛ أي إنّ البهائية لا تُنكر أدياناً سابقة، وتعتمد على إرساء قواعد التعايش، وتقرّ مبدأ وحدة الجنس البشري، لا يوجد في الدين البهائي أي مناصب أو وظائف فقهية، فليس فيها كهنة أو رهبان أو قساوسة أو رجال دين، ويعتقد البهائيون أنّ على كلّ شخص مهمة تثقيف نفسه والتعرف والاطلاع الشخصي على تعاليم دينه، والبهائية لا تقبل التطويع السياسي للدين في السلطة.

لماذا نهتم بالبهائية؟ لماذا تعدّ قضية مهمة، رغم أنّ أصحاب هذه العقيدة هم أقلية الأقلية؟

مرّ أصحاب الدين البهائي بمنعطفات تاريخية كبيرة، ففي عام 1925 حكمت محكمة “ببا” الشرعية، بأنّ البهائية دين جديد مستقل عن الإسلام، وفي عام 1939 استطاع البهائيون أن يحصلوا على تخصيص لمقابر بهائية، وشُيدت المحافل البهائية في 13 قرية ومدينة، بحلول عام 1950؛ حيث قُدرت أعدادهم حينها بحوالي 5 آلاف بهائي، إلّا أنّ الأمور لم تكن مفروشة بالورود لأصحاب العقيدة البهائية؛ ففي عام 1947رفضت وزارة الشؤون الاجتماعية تسجيل المحفل البهائي، وعام 1951 تراءى لوزارتي الداخلية والشؤون البلدية أنّ وجود المحفل البهائي يخلّ بالأمن العام، وعام 1951 رفض مجلس الدولة الموافقة على طبع إعلان دعاية لمذهب البهائية؛ لأنّه تبشير غير مشروع ودعوة سافرة للخروج عن الدين الإسلامي، أمّا محكمة القضاء الإداري فحكمت في القضية رقم 195، في أيار (مايو) 1952، بأنّ البهائيين مرتدون عن الإسلام، وكلّ ذلك في العهد الملكي.

بعد قيام الجمهورية، شهد البهائيون مزيداً من العصف بحقوقهم كمواطنين، حين صدر القرار الجمهوري رقم 263 لعام 1960، ونصّ على حلّ المحافل البهائية، وحظر أيّ نشاط مرتبط بها.

ويقول المحامي لبيب معوض (الذي ترافع دفاعاً عن البهائيين في عدة قضايا)، إنّ القرار 263 كان سبباً في تحريك عدة قضايا ضد البهائيين فيما بعد، بتهمة ممارسة عقيدة محظورة ونشر الإلحاد، وتوالت القضايا في أعوام 1965 و1971 و1985، والأخيرة شهدت القبض على فنان الكاريكاتير حسين بيكار، بتهمة الإخلال بالأمن العام، وقد أطلق سراحه فيما بعد.

حكت الدكتورة سوسن حسني عن هذه الأحداث، وهي أستاذة جامعية كانت من بين أول الفتيات المتخرجات من الأزهر، عن زوار الفجر الذين اقتادوها لأمن الدولة، للتحقيق معها بتهمة اعتناق البهائية، وتكتب في كتابها (رحلة من الإيمان إلى الإيقان)، الصادر عام 2018، عن تجربة الزنزانة، وتتساءل: لماذا عدّت الدولة عقيدتها محاولة لقلب نظام الحكم؟!

التعايش مفهوم أكبر من دعوات التعايش بين عقيدتين أو ثلاثة، إنّما دعوات للتعايش السلمي بين مواطنين

أكثر الأحداث المهمة في تاريخ البهائية، كانت في الأعوام بين 2004 و 2009، حين طالب مجموعة من البهائيين، ومن بينهم رؤوف هندي، تدوين ديانتهم في البطاقة، وانتهى الأمر بحكم من المحكمة يتيح لهم ترك الخانة فارغة، أو بالأحرى يوضع شَرطة في خانة الديانة، ورغم أنّ الشَرطة علامة تميزية في حدّ ذاتها، إلّا أنّ كثيراً من البهائيين عدّوا القرار خطوة إيجابية، وقد علمت مؤخراً من أحد البهائيين (علاء)، أنّه حين قام بتجديد البطاقة مؤخراً، استطاع أن يحافظ على الشَرطة في خانة الديانة، إلّا أنّ مصلحة الأحوال الشخصية دونت حالته الاجتماعية “أعزب”، وليس متزوجاً؛ لأنّها لا تعترف بزيجات البهائيين!

رغم ذلك، تحكي لي (غادة)، وهي امرأة بهائية تعيش في القاهرة، والتقيتها في تشرين الثاني (نوفمبر) 2016، عن ذكرياتها أثناء حضور جلسات المحكمة، وتروي لي كيف قامت فتاة ذات مرة بوضع يدها على وجهها لتتأكد أنّها بشر، وليست كائناً أو مخلوقاً غريباً، قرّر أن يعتنق ديانة خارج الديانات الإبراهيمية، وتقول غادة: “الناس عدوة ما تجهل”.

لم يكن هذا اللقاء الوحيد الذي جمعني بـ (غادة)؛ بل توالت اللقاءات، وعرفت أكثر عن دور (غادة)، وهي مواطنة مصرية تسعى لإرساء قيم التعايش والمواطنة، على الأقل في محيط عملها وأصدقائها، وترفض اللجوء السياسي، وهو متاح أمامها بسهولة حسب قولها، رافضة أن تترك وطنها مصر في المقام الأول.

غادة أوفر حظاً من كثير من البهائيين في مصر؛ حيث تلعب المنطقة الجغرافية دوراً كبيراً في الأمان، إلّا أنّ الاعتداءات على البهائيين اتخذت شكلاً مريعاً عام 2009، حين قام بعض الأهالي بمهاجمة بيوت البهائيين في قرية الشورانية في سوهاج، إثر دعوة أحد الصحفيين بأنهم خارجون عن الملة في برنامج فضائي شهير، وقد كتبت عن هذه الأحداث مؤخراً، وفوجئت باتصال من الصحفي المذكور في نيسان (أبريل) عام 2017، ليخبرني بأنّه لم يكفرهم؛ بل استشهد بحديث “من بدل دينه فاقتلوه”، وبكلّ تأكيد، أشرنا عنايته إلى أنّه لا يمكن تطبيق أو تطويع  نصوص دينية تعصف بحقوق الحرية العقائدية في دولة مواطنة مدنية، وقد قال لي نصّاً إنّه لن يتحدّث في موضوع البهائية مرة أخرى، ولربما كان هذا، في حدّ ذاته، مؤشراً طيباً، فالأصوات والأقلام التي بدأت تكتب عن الحريات العقائدية، وضعت الكثير من النقاط على الحروف، وعرف كثير من المحرضين أنّ أفعالهم لن يتم السكوت عنها، وانتهى هذا الاتصال بشكل ودّي.

تقع قضية البهائية في لبّ قضية التعايش السلمي والتعددية الدينية، وقبول الاختلاف والتنوع

لكنّ الدعوات ضدّ البهائية لا تنتهي، وفي مسجد النور بالعباسية في شباط (فبراير) 2015، حضرت لقاءً نظمته وزارة الأوقاف لتدريب بعض أئمة المساجد على محاربة البهائية، وقد نشر الخبر في الصحف، وعليه توجّهتللمسجد ملتحفة حجاباً، وطلبت الاستماع تحت ذريعة رغبتي في مواجهة تلك الأفكار التي قيل إنّها كفر بواح، وخرجت من المسجد، وخلعت الحجاب عن رأسي، وتساءلت كيف نخلع هذه الأفكار من عقول العامة، إن كانت المؤسسات الدينية الحكومية تقوم بدور محرّض ضدّ قيم المواطنة، فالمواطنة مفهوم أكبر من مفهوم دار الإسلام؟

لماذا نهتم بالبهائية؟ لماذا تعدّ قضية مهمة، رغم أنّ أصحاب هذه العقيدة هم أقلية الأقلية؟

حاولت أن أجيب عن هذا السؤال ليلة عيد الميلاد الماضي، بينما كنت مدعوّة لحضور قداس في الكنيسة، وهناك احتفلت برفقة الأصدقاء المسيحيين والبهائيين.

حقّ الاعتقاد ليس مرتبطاً بالغلبة العددية، أو بكتلة حرجة، وحرية الاعتقاد ليست مرتبطة بما نسميه فقط الأديان السماوية

طلبت من صديقتيَّ، المسيحية والبهائية، أن نأخذ صورة معاً، ونشرتها على صفحات التواصل الاجتماعي، وكتبت تحتها “مسلمة ومسيحية وبهائية، هل يمكن أن تفرّقونا من بعض أو عن بعض؟!” وقد انتشرت الصورة كالنار في الهشيم.

تقع قضية البهائية في لبّ قضية التعايش السلمي والتعددية الدينية، وقبول الاختلاف والتنوع، فحين نتحدث عن التعايش، تنحصر الدعوات في عناق القساوسة والشيوخ، كلّما عصفت بالبلاد أحداث إرهابية طائفية، والتعايش مفهوم أكبر من دعوات التعايش بين عقيدتين أو ثلاثة، إنّما دعوات للتعايش السلمي بين مواطنين، بغضّ النظر عن توجهاتهم العقائدية، والتعايش لا بدّ من أن يكون قائماً على الحقّ في الإفصاح، أو التعبير، أو ممارسة الشعائر الدينية لأصحاب كافة العقائد على قدم مساواة، وهنا تصبح قضية البهائية بمثابة الترمومتر الذي يقيس حقيقة التسامح الديني تجاه الآخر، فليس لزاماً أن نؤمن بالبهائية، فالإيمان يختلف من شخص لآخر، إنّما هناك ضرورة للإيمان بحقّ الاعتقاد واللا اعتقاد، على أساس أنّه مكفول للجميع، كحقّ إنساني قبل أن يكون حقاً دستورياً؛ فحقّ الاعتقاد ليس مرتبطاً بالغلبة العددية، أو بكتلة حرجة، وحرية الاعتقاد ليست مرتبطة بما نسميه فقط الأديان السماوية، بل تشمل جميع الديانات الأخرى.

http://www.hafryat.com/moalif/2915

الصفحة التالية