12 ديسمبر 2008

الثور الأبيض…

Posted in مقام الانسان, مصر لكل المصريين, المجتمع الأنسانى, المحن, المسقبل, النهج المستقبلى, النضج tagged , , , , , في 6:29 ص بواسطة bahlmbyom

فى سرد هادئ رائع كما عودنا الدكتور محمد منير مجاهد بشخصيته الراقية الحكيمة كانت له هذه المقالة فى جريدة البديل له كل الأحترام والثناء على افكاره النبيلة المهذبة فدائما” دكتورنا العزيز الإناء يفوح منه مابداخله من روائح ذكية عبقة مؤثرة ايجابيا” على من حولها …
،،، إنطلاقـــا” من قناعاتى الفكرية المحبة والمؤيدة لفكرة الوحدة فى التنوع وجدت انه من الرائع ان نتشارك فى هذه المقالة الرائعة للدكتور محمد منير مجاهد فله منى كل التقدير والأحترام …

الثور الأبيض
د. محمد منير مجاهد
من القصص التي درسناها في صبانا قصة الثيران الثلاثة المأخوذة عن حكايات كليلة ودمنة، وهي حكايات أبطالها من الحيوانات ولكنها تعالج مشاكل البشر، وتحدثنا القصة عن ثلاثة ثيران ألوانها بالمصادفة هي نفس ألوان علم مصر: الأحمر والأبيض والأسود، وكانوا يعيشون في غابة مع أسد كان يريد أن يأكلها ولكنه لا يستطيع أن يهاجمها معا فتودد إليها وانفرد بالثورين الأحمر والأسود وأقنعهما بالتخلص من الثور الأبيض، ثم انفرد بالثور الأسود وأقنعه بالتخلص من الثور الأحمر، وحانت لحظة انقضاضه علي الثور الأسود فسأله وهو بين أنيابه أتأكلني الآن؟ فقال له الأسد لقد أكلت يوم أكل الثور الأبيض.
تذكرت هذه القصة وأنا أقرأ خبرا منشوراً علي موقع جريدة «البديل» الإلكتروني بتاريخ 22 نوفمبر2008 بعنوان “مصلحة الأحوال المدنية تمتنع عن استخراج شهادة ميلاد لطفل بهائي”، وقرأت التعليقات الطائفية المتعصبة المكتوبة من بعض القراء الذين يبدو أنهم من ضحايا التيارات المتأسلمة التي تدعو لإقامة دولة دينية، فمثلا يقول أحد هؤلاء البؤساء “إن الدين عند الله الإسلام هذا هو القرآن، وليس الدين عند الله البهائية اتقوا الله وتوبوا إليه، وأشكر الموظف علي ما فعله لان وضع (-) مكان الديانة معناه انه لا وجود له ومن الأفضل عدم استخراج شهادة له”، ويقول آخر “البلد مش ناقصة ديانة تالتة كفاية بقي، مش كفاية إن فيه مسيحيين داخل البلد، عايزين إيه كمان بهائية؟ قال تعالي (إن الدين عند الله الإسلام)”، وغيرها من تعليقات شبيهة مما لا تسمح المساحة برصده.
كمسلم فإنني أشارك هؤلاء المتعصبين البؤساء الاعتقاد بأن الدين عند الله الإسلام ومن ابتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، ولكن هذا ما قال به القرآن الكريم وهو ملزم فقط لمن يؤمن بأن القرآن هو كتاب الله، ولكن لا يمكننا إلزام من لا يؤمن بالقرآن بهذا الاعتقاد، وكل صاحب دين يعتقد أن دينه هو الطريق الوحيد إلي الجنة، فالبوذي يعتقد أن الدين عند الله البوذية ومن ابتغي غير البوذية دينا فلن يقبل منه، وكذلك البهائي والمسيحي والهندوسي وغيرهم من الأديان، وسيحكم رب العزة وحده بين المسلمين وغيرهم فيما هم فيه مختلفون، وأي ادعاء لبشر بغير هذا هو تجاوز لا يغتفر، وذلك مصداقا لقوله: «وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ. اللّهُ يحْكُمُ بَينَكُمْ يوْمَ الْقِيامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ» (الحج 68، 69). وكمسلم أعتقد أن القرآن يؤكد حرية البشر في أن يؤمنوا أو أن يكفروا، وفي المقابل فإن مسئوليتهم تجاه هذه الحرية تتجلي يوم الحساب حيث سيحاسبهم رب العزة علي اختيارهم، ويقول تعالي: «وَقُلِ الْحَقّ مِن رّبّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيكْفُرْ إِنّا أَعْتَدْنَا لِلظّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يسْتَغِيثُواْ يغَاثُواْ بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يشْوِي الْوجُوهَ بِئْسَ الشّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً» (الكهف 29)، وأن القاعدة التشريعية الكلية في القرآن الكريم تقول: «لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ قَد تبَينَ الرّشْدُ مِنَ الْغَي» (البقرة 256).
أصارح القارئ بأنني لا أعرف الكثير عن العقيدة الدينية للبهائيين أو المسيحيين أو اليهود أو غيرها من أديان، كما أعترف بأنه ليس لدي الفضول لأن أعرف، وذلك لأنني مطمئن لإسلامي ولا أفكر في أن أبدله، وكل ما أهتم بمعرفته فيما يخص البهائيين وغيرهم من الأديان القديمة والحديثة التي تتعايش معنا في مصر والعالم هو أمران، أولهما: تبين إن كان ما يعتنقون من آراء تحض علي مكارم الأخلاق (ولا تتناقض مع النظام العام بلغة أهل القانون)، أي لا تحض علي السرقة أو القتل أو شهادة الزور أو غيرها من الأفعال التي اتفق البشر في كل مكان وزمان علي أنها شرور، والأمر الثاني هو موقفهم ممن لا يتبعون دينهم، هل يستبيحون عرضهم أو مالهم أو حياتهم أو يظلمونهم بأي وسيلة من الوسائل؟ أم لا؟.
ورغم أن عدد من قابلتهم من المصريين البهائيين يعد علي أصابع اليد الواحدة، ولكنني أشهد أن هؤلاء كانوا علي مستوي أخلاقي رفيع ويتميزون بالدماثة والوداعة ويعملون دون أي مشاكل مع زملائهم في جميع المواقع كالجامعات والمدارس والمصالح الحكومية، وقد عاش البهائيون في مصر منذ ظهور البهائية في القرن التاسع عشر، دون أي مشاكل مع شركائهم في الوطن، فإذا كان البهائيون يعبدون الله- وإن كان بطريقة تختلف عن طريقتنا- ويحضون علي مكارم الأخلاق، وهذا واضح في مقولاتهم، فليس مهما من أين أتوا بهذه الأقوال، من السماء أم تعرفوا عليها بطريقة بشرية، فهذا أمر لا يعنينا نحن المتمسكين بدياناتنا الإسلامية والمسيحية واليهودية. إذا كان الأمر كذلك، فمن هو المسئول عن محنة البهائيين اليوم؟ والجواب بلا تردد هو الحكومة، فلم يكن الحكم بالموت المدني مطلبا شعبيا، ورغم تأييد البعض ممن أشرت إليهم أعلاه إلا إن الإجراءات المتعسفة المخالفة للقانون لم تكن مطلبا لهم، لقد هللوا لها لظنهم أن هذا هو طريقهم للجنة بعد أن فقدوا كل أمل في حياة كريمة في الدنيا، قرأت علي الإنترنت الكتاب الدوري رقم (43) لسنة 2008 المؤرخ 17/7/2008 والصادر عن اللواء مصطفي راجي، مساعد الوزير لقطاع مصلحة الأحوال المدنية بشأن “إعادة التذكرة بقواعد إثبات الديانة في شهادات الميلاد والبطاقات”. يوجه الكتاب الدوري مديري إدارات شرطة الأحوال المدنية وغيرهم من الإدارات المعنية بما يلي:
1- الالتزام بإثبات الديانة الجائزة قانونا ويحددها بأنها إحدي الديانات السماوية التي يفصلها بأنها “اليهودية- المسيحية- الإسلام” (ولم يحدد لنا سيادته القانون الذي يستند إليه في تحديد “الديانة الجائز اعتناقها قانونا”).
2- ولا يجوز ذكر كلمة “ديانة أخري” أو ترك خانة الديانة خالية أو وضع أي علامات أخري، (وهو تحدٍ صارخ لأحكام قضائية واجبة التنفيذ).
3- التزام أمناء السجلات بعدم قبول التبليغات (عن مواليد) الوارد بها ديانة تختلف عن الديانات السماوية المذكورة، وكذا “ديانة أخري” أو أي علامات، وتعاد هذه التبليغات لمكاتب الصحة للتصرف حيالها، (وليس من الواضح لي علي الأقل ما الذي يمكن أن تفعله مكاتب الصحة؟ هل تعيد المولود إلي بطن أمه؟ أم تحاول دعوة الوالدين للدخول في الإسلام أو علي الأقل المسيحية؟).
لماذا تفعل الحكومة هذا الفعل القبيح الذي يلغي أوضاعاً قانونية استقرت منذ القرن التاسع عشر، رغم أن الدستور لا يلزمها بإدخال المواطنين الجنة وحدد مجال مهامها في الحياة الدنيا، أظن أن السبب هو التآكل المستمر في مظاهر الدولة المدنية التي تساوي بين جميع أبنائها لصالح دولة دينية تتشكل، والمهم هنا هو السابقة القانونية فالبهائيون طائفة صغيرة جدا من حيث العدد، ومن ثم فهم مرشحون لأن يكونوا “الثور الأبيض”.
وإذا تجاوزنا اليوم عن الانتهاكات التي يتعرض لها البهائيون، فسوف يأتي اليوم الذي يحدد فيه منشور جديد للواء مساعد الوزير، الديانة “الجائزة قانونا” بأنها الإسلام، باعتبار أن الدين عند الله الإسلام، ثم سيأتي اليوم الذي تكون فيه الديانة “الجائزة قانونا” بأنها الإسلام علي مذهب الوهابيين باعتبارهم الفرقة الناجية من النار.
لقد كانت مصر دائما بلدا يحترم التنوع بين أبنائه وملجأ لكل مضطهد ومظلوم في المنطقة التي نعيش فيها، وندعو الله أن يحفظها من كل سوء، وألا يأتي علينا يوم نقول فيه «لقد أُكلنا يوم أُكل الثور الأبيض»
جريدة البديل – 5 ديسمبر 2008

http://www.elbadeel .net/index. php?option= com_content&task=view&id=39089&Itemid=41

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: