13 أبريل 2009

دفاعــــاً عن الدولــــــــة وليس البهائيين

Posted in قضايا السلام, مصر لكل المصريين, نقابة الصحفيين tagged , , , , , في 8:32 ص بواسطة bahlmbyom

logo23

جريدة الشروق – 11 إبريل 2009

http://www.shorouknews.com/Column.aspx?id=24918

دفاعاً عن الدولة وليس البهائيين

سامح فوزي

هناك فارق جوهري بين أن تعترف الدولة بالبهائية، وتقرر حق البهائيين في تدوين معتقدهم الديني في بطاقات الهوية، وبناء محافل لهم، وبين أن يهب الأفراد للاعتداء على البهائيين في قرية الشورانية بمركز المراغة في سوهاج.

في الحالة الأولى هناك ما يعرف بالنظام العام في الدولة، يعبر عن نفسه في ثقافة سائدة، وقانون، ومؤسسات عامة. أما في الحالة الثانية فهي اختيارات عنيفة من جانب أفراد. والسؤال هو كيف تلبّس المواطنون العاديون هذه الحالة من العداء، التي دفعتهم إلى ذلك الهجوم الكاسح على منازل مواطنين مصريين؟

(1)

يعرف المجتمع المصري مشهدا اجتماعيا شديد التناقض. فمن ناحية يستمر قطاع عريض من المصريين انتهاك القانون كل لحظة في صورة التهرب الضريبي، وكسر قواعد المرور، والفساد بجميع أشكاله. عندما نسمع وزير التنمية الإدارية ــ ولا أقول المعارضين ــ يتحدث عن الفساد في الجهاز الإداري يخيل لنا أننا نعوم في بحر من الفساد، ترتفع أمواجه، وتعلو إلى حدود غير مسبوقة.

ورغم هذه الحالة، فإن السنوات الأخيرة شهدت ــ من ناحية أخرى ــ حالات لجأ فيها المصريون إلى العنف المجتمعي تحت لافتة «احترام القانون»، صراحة أو ضمنا. في بعض الأحداث الطائفية، كما حدث في العديسات في الأقصر شهدت عنفا جماعيا في مواجهة الأقباط بدعوى أنهم يفتتحون كنيسة بدون ترخيص.

بالطبع لا يجب أن يبنى الأقباط كنائس دون ترخيص، ولكن إذا أخطأوا السبيل، أو لجأوا إلى التحايل في مواجهة إجراءات إدارية معقدة، فإن تصحيح الوضع يكون مسئولية الدولة، ومؤسساتها، وليس مسئولية الأفراد العاديين أيا كانوا.

فما الذي يجعل الأفراد يهبون لتصحيح وضع انتصارا للقانون، في حين أنهم ينتهكون القانون كل لحظة في مناح متعددة من الحياة؟ الإجابة هي «التعصب» الذي وصل إلى قاع المجتمع، بحيث صار مكونا رئيسيا من مكونات الثقافة الشعبية، يظهر في مظاهر متنوعة من الضيق من كل ما هو مختلف، إلى الحد الذي يصل إلى استخدام العنف العشوائي. وفى كل مرة كان أنصار الدولة المدنية يطالبون فيها بالتطبيق الصارم للقانون، ولكن تسوية النزاعات كانت تحدث من خلال مجالس عرفية، أي على حساب دولة القانون ذاتها.

(2)

الأفراد الذين يعيشون في قرية واحدة في أعماق سوهاج، عبروا عن ضيقهم بوجود بهائيين وسطهم، فقرروا الهجوم عليهم. حسب المنشور من معلومات فإن خمسة منازل لبهائيين استهدفت، واشتبك الأهالي مع قوات الأمن حين ذهبت لتنفيذ قرارات النيابة العامة باستدعاء بعض الأفراد للتحقيق معهم في الحادث، وهتف الطلبة والطالبات في بعض المدارس «لا إله إلا الله… البهائيين أعداء الله».

ونسب لمواطن عادى تصريح نشر بـ«الشروق» يوم 5 أبريل الماضي يصف وجود البهائيين بأنه «تخريب متعمد للأديان، وإجبار المصريين على قبول الشذوذ الديني الغريب». أي أن الأفراد الذين هبوا للاعتداء على البهائيين، لا يستهدفون البهائيين صونا للقانون الذي لا يعترف بهم فقط، ولكن يستهدفون أبعد من ذلك، أي حماية الاعتقاد في الأديان السماوية من تساهل الدولة إزاء «المؤامرات التي تدبر في الخارج بدعاوى كذب وافتراءات غير حقيقية» على حد تعبير أحد سكان قرية الشورانية. في هذه الحالة نحن إزاء تحول نوعى في التعامل مع الأحداث، من حالة يلجأ فيها الأفراد إلى عنف جماعي لحماية «القانون» من وجهة نظرهم، إلى حالة أخرى يستخدم فيها الأفراد العنف حماية لمعتقداتهم تجاه افتراءات الداخل، ومؤامرات الخارج، وتساهل الدولة.

(3)

ما يقلق فيما جرى هو لجوء قطاعات من المواطنين إلى عنف جماعي ضد شركاء لهم في المواطنة، وإن اختلفوا في المعتقد الديني. إن قضية «البهائيين» هي شأن يخص العلاقة بين البهائيين والدولة، تخضع لما يعرف بقواعد النظام العام، فالاعتراف بالمعتقدات الدينية غير المتعارف عليها في المجتمع يحتاج إلى وقت، وجهد، ومثابرة، ونقاش طويل حتى تدخل الجسد السياسي والقانوني للدولة.

وهو أمر شائع في دول أخرى. فمسألة الاعتراف بالمسلمين في الدول الأوروبية على مدار الخمسين عاما الماضية شهدت طفرات تدريجية، حتى استوعب العقل التشريعي والسياسي الأوروبي أن هناك مواطنا أوروبيا مختلفا في الدين، ولا يزال المشوار طويلا. ولكن هذا هو شأن الدولة، وليس شأن الأفراد، مهما بلغت سلطاتهم ومواقعهم. هذه هي الدولة، التي لا نريد أن تتأثر هيبتها، ومكانتها، وسلطتها على مواطنيها من جراء إقدام الأفراد على استهداف أصحاب المعتقدات المغايرة، على خلفية أن هذه المعتقدات لم تحظ إلى الآن باعتراف قانوني.

هذه عشوائية خطرة على الدولة ذاتها، ربما أكثر من خطورتها على البهائيين أنفسهم. فلا يجب ترك العوام يحددون مساحة التعددية الدينية في المجتمع بمعزل عن دولة القانون، والمؤسسات الدستورية. من هنا فإن تطبيق القانون بحزم وصرامة هو الحل ليس دفاعا عن البهائيين، أكرر ولكن دفاعا عن كيان الدولة ذاته.

(4)

شيء مؤسف أن تصل حالة التسامح الديني في المجتمع إلى هذا الانخفاض. في مجتمع أصدر فيه يوما شخص كتابا بعنوان «لماذا أنا ملحد؟»، واحتضن «مقابر الملحدين» كما هو الحال بالإسكندرية، يأتي بعض الأفراد في الألفية الثالثة يستهدفون مواطنين بسبب هويتهم الثقافية. إذا سمح المجتمع بذلك فقد نصل إلى مرحلة من مراحل «تكفير الذات»، أي نتخلص من المختلف دينيا أولا، ثم المختلف مذهبيا ثانيا، ثم الذات المتجانسة ثالثا.

ولا يمكن فصل ما فعله بعض من أهالي الشورانية ضد مواطنيهم من البهائيين عن سياق عام جرى فيه خلق صور ذهنية خاطئة عن البهائيين. وتحت يدي تصريحات لمسئولين حكوميين، مدنيين ودينيين، رموا البهائيين بأشنع الأوصاف، وأقسى النعوت، من الكفر والزندقة إلى العمالة لإسرائيل، فضلا عن قيام بعض الأقلام بالقدح في البهائيين، معتقدا وأشخاصا، إلى حد المطالبة بإعدامهم في ميدان عام، أو تطبيق قانون العقوبات عليهم بتهمة ازدراء الأديان.

ما الحل؟ هذه هي مسئولية الدولة ــ في المقام الأول ــ في انتهاج سياسات تعزز التسامح، والتنوع الديني، واحترام الاختلاف، وفى حماية أرواح وممتلكات المواطنين المختلفين في الدين أو المعتقد وإلا فما الداعي لوضع «المواطنة» في صدارة الدستور؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: