3 مايو 2009

خطـــــــــوتان الى الخلف…

Posted in قضايا السلام, مقام الانسان, مصر لكل المصريين, نقابة الصحفيين, القرون, الكوكب الارضى, المبادىء tagged , , , , , , , , , , , , , , في 1:34 م بواسطة bahlmbyom

جريدة الأهرام – 30 إبريل 2009

خطــوتان إلي الخلف

بقلم: عبد اللطيف المناوي

لست داعيا للفوضى‏,‏ ولا محرضا علي الفساد عندما أتوقف واطلب من الآخرين أن يتوقفوا معي للحظة‏.‏ لينظروا إلى ماضينا الفكري والاجتماعي في النصف الأول من القرن الماضي‏, ‏ ومقارنته بما نحن فيه الآن بعد حوالي القرن أو اقل قليلا‏.‏

دعونا في البداية نتخيل ما الذي يمكن أن يحدث اليوم لو أن شخصا خرج علينا بمقال أو دراسة تحمل عنوانا واضحا يقول لماذا أنا ملحد ؟ السؤال صادم‏..‏ أليس كذلك‏;‏؟ أظن أن رد الفعل سوف يدور حول الاحتمالات التالية‏:‏ سوف يرفض مسئول الصفحة أن يجيز المقال‏,‏ ولو أجازه فسوف يرفض عمال الجمع أن يكتبوا المقال‏,‏ ولو وافقوا فلن يوافق رئيس التحرير علي إجازة المقال‏,‏ ولو أجازه فسوف يرفض عمال المطبعة أن تدور المطابع إلا لو سحب المقال‏,‏ ولو وافقوا أو لم‏,‏ يلحظوا‏,‏ فسوف ترفض شركة التوزيع وموزعوها أن يوزعوا المطبوعة‏,‏ ولو وافقوا وتم التوزيع ففي هذه اللحظة سوف تقوم الدنيا ولن تقعد‏.‏

فهاهم مدعو الحسبة‏,‏ ومن وضعوا أنفسهم أوصياء علي المجتمع بمؤسساته ومواطنيه يصطفون من اجل الدعوة إلى عقاب‏,‏ بل وحل دماء كل من تجرأ ومر عليه مثل هذا المقال‏,‏ أو قرأه‏,‏و لم يتحرك داعيا لحرق الكاتب والصحيفة‏.‏

قبل أن أناقش ما فات أود الإشارة هنا إلى أن مثل هذا المقال كان ينشر في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي‏,‏ وكان الأسلوب الأصيل في التعامل مع مثل هذه الآراء المختلفة ـ حتى وإن وصلت في اختلافها إلى حد قد يعتبره البعض غير مقبول ـ فإن الأسلوب كان يرتكز أساسا علي مقارعة الحجة بالحجة‏,‏ والفكرة بنقيضها‏,‏ ومثال ذلك ما شهدته الحالة الثقافية المصرية من جدل كبير عندما نشر د‏.‏, ‏سماعيل أدهم مقالا شهيرا تحت نفس العنوان الذي طرحته بالأعلى لماذا أنا ملحد؟‏,‏ وكان ذلك عام‏1937,‏

وثارت الأجواء الثقافية في مصر بحالة من الحوار الساخن الناقد لم تصل إلى حد المطالبة بقتل الرجل‏, ‏ بل خرج احمد زكي أبو شادي بمقال تحت عنوان لماذا أنا مؤمن؟ بين فيه أن إلحاد إسماعيل ادهم وسخطه علي الأديان عامة‏,‏ والدين الإسلامي خاصة يتعارض مع الحرية والعقل والتقدم والنظرة العلمية للكون‏,‏ وبادر محمد فريد وجدي بمقال تحت عنوان لماذا هو ملحد؟ نقد فيه اتجاه إسماعيل ادهم بقوة‏.‏ واتهمه بالعسف في أحكامه‏,‏ وان مبرراته الحادة ما هي إلا ترديد لأراء الهراطقة من القدماء والمحدثين‏,‏

أما الشيخ مصطفي صبري في كتابه موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين أن ادهم مدع للعلم والتفلسف ووصفه بأنه قزم عملقته الصحف‏,‏ حتى اعلي درجات التصعيد ضد الكاتب تبناها الشيخ يوسف الدجوي في مقالات تحت عنوان حدث لا يمكن الصبر عليه‏,‏ اتهم فيها ادهم بالطعن في دين الدولة ومليكها حامي الدين والعلم

لم يصل احد في خلاف إلى حد نفي الآخر‏, ‏ أو الدعوة إلى استخدام العنف ضد صاحب الرأي المختلف‏, ‏ ولم يصل إلى مستوي التحريض الساخر‏, ‏ أو الدعوة إلى المواجهة العنيفة‏, ‏ ضد صاحب الرأي المختلف‏.‏

أنا هنا لا أدافع عن الفكر أو الرأي الذي يتخذ موقفا متطرفا من المجتمع وثقافته‏,‏ ولكن أتحدث عن رد فعل المجتمع مع تلك الآراء أو المواقف التي تبدو وكأنها ضد تلك العقائد والثقافات‏,‏ وعندما يكون المجتمع أكثر صحة وقوة كلما كان قادرا علي استيعاب الآخر من الأفكار والاتجاهات‏,‏ وكلما كان أكثر قدرة علي احتوائها والتعامل معها دون عصبية أو تعصب قدرة المجتمع علي قبول الآخر‏,‏ والتعايش مع المختلف هي الطريق الصحيح لإغلاق الثغرات أمام أية محاولة لهز أسس المجتمع‏.‏

أعرض لهذه الحالة وهذا الموقف في الوقت الذي نتابع فيه معا عنتريات من يفاخرون بمطاردة أصحاب الكتب والكتابات التي يرونها مخالفة ويقررون أن يلعبوا دور الوصي بمفهوم الرقابة إلي مستويات أكثر عنفا وقسوة‏,‏ لنجد كتبا وكتابا أمام المحاكم وذلك في استخدام سيء لحق التقاضي‏,‏ ونجد كتابا مهددين بالاعتداء عليهم لأن البعض‏,‏ ممن وضعوا أنفسهم موضع الوصاية علي المجتمع قد نزعوا عن هؤلاء الكتاب صفة الإيمان وخلعوا عليهم صفة الكفر والإلحاد‏,‏ ومع شديد الأسف تتجاوب مع تلك الاتجاهات أجزاء من مؤسسات كانت دوما عنصرا قويا في نهضة هذا المجتمع‏.‏

ولا يقف الأمر عند حد المصادرة والمطاردة والاتهامات بالكفر عند حد الطبقة الأعلى ثقافيا وفكريا‏,‏ بل أن الخطير أن هذه الحالة باتت تنسحب بدرجات متفاوتة إلى مستويات أخرى في المجتمع‏,‏ فبات السلوك العام في مستويات وأجزاء من المجتمع هو سلوك عصبي رافض للآخر المختلف في الفكر أو العقيدة أو حتى المزاج العام‏,‏ وما يحدث في بعض المناطق من رفض التعامل مع المختلفين في العقيدة أو الاتجاه هو دليل خطورة ينبغي التنبه لها‏,‏ والتنبيه لها هذا يكون علي مستوي المثقفين وقادة الرأي الذين يحرضون علي وحدة هذا الوطن‏.‏

لقد عاشت مصر دائما حاضنة مستوعبة لكل الأفكار والاتجاهات‏,‏ لم تلفظ مصر أحدا من أبنائها‏,‏ ولم ينف جزء من الوطن جزءا آخر‏,‏ ولم يعاد المصريون مصريين آخرين حتى لو اختلفوا معهم كل الاختلاف‏,‏ وكان الاختيار الصحيح دائما هو قبول الآخر‏,‏ وإدارة الاختلاف بالحوار الصحي الذي يؤدي بالضرورة إلى نتائج اقل ايجابياتها هو التدليل علي صحة وقوة المجتمع وقدرته علي مقاومة أية محاولة لخلخلته أو هزه‏.‏

وليسمح لي أستاذنا احمد رجب أن استعير ما كتبه الأسبوع الماضي في‏2/1‏ كلمة عندما قال عشت عمري في الأخبار مع الفنان العظيم بيكار الذي كان بهائيا‏,‏ و لم يكن ذلك يعني أحدا لأننا كنا زمان متحضرين نعرف أن الدين لله‏,‏ وكان بيكار نموذجا للخلق الرفيع والشفافية وعفة اللسان والتواضع‏,‏ وكان يكتفي بالضحك عندما أروي نوادره‏,‏ كذلك الضابط الانجليزي الذي استفزه في مناقشة وطنية فقال له بيكار أول وآخر شتيمة في حياته‏:‏ اذهب إلى الجحيم‏,‏

ثم ظل بيكار يبحث طويلا عن الضابط ليرجوه إلا يذهب للجحيم وعندما قال عن نفس القضية تم حرق بيوت البهائيين في سوهاج‏,‏ كل يوم فتخلف خطوتين.

Advertisements

2 تعليقان »

  1. Rose said,

    ليه مفيش شيخ يقول الكلام ده؟؟؟؟

  2. bahlmbyom said,

    قاله العديد من الشيوخ أمثال العظيم الراحل الشيخ محمد عبده…


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: