21 مايو 2009

العلاقة بين حرية التعبير وحرية العقيدة‏(1)‏

Posted in النهج المستقبلى tagged , , , , , , , , , في 5:41 ص بواسطة bahlmbyom

قضايا و اراء

44725 ‏السنة 133-العدد 2009 مايو 20 ‏25 من جمادى الاولى 1430 هـ الأربعاء
http://www.ahram.org.eg/archive/Index.asp?CurFN=opin1.htm&DID=9953

العلاقة بين حرية التعبير وحرية العقيدة‏(1)‏
بقلم‏:‏ د‏.‏ أحمد فتحي سرور
رئيس مجلس الشعب

تكفل الدساتير المختلفة حرية التعبير وحرية العقيدة‏.‏ وقد درجت معظمها علي النص علي كل منهما في مادة مستقلة عن الأخري‏.‏ مثال ذلك الدستور المصري الذي نص علي حرية التعبير في المادة‏47‏ ونص علي حرية العقيدة في المادة‏.46‏ والدستور الألماني الذي نص علي حرية التعبير في المادة الخامسة‏,‏ ونص علي حرية العقيدة في المادة الرابعة‏,‏ والدستور اليوناني الذي نص علي حرية التعبير في المادة‏14‏ منه وعلي حرية العقيدة في المادة‏13‏ منه‏,‏ والدستور النرويجي الذي نص علي حرية التعبير في المادة العاشرة منه‏,‏ ونص علي حرية العقيدة في المادة الثانية من الدستور‏,‏ والدستور البولندي الذي نص علي حرية التعبير في المادة‏54‏ منه ونص علي حرية العقيدة في المادة‏25‏ منه‏,‏ بينما عني الدستور الفيدرالي السويسري علي النص علي حرية العقيدة في المادة‏15‏ منه‏,‏ ونص منذ تعديله المعمول به في أول يناير سنة‏2000‏ علي حرية التعبير في عدد من النصوص وفقا لأشكال التعبير المختلفة‏(‏ المواد من‏16‏ إلي‏21).‏

وتتيح حرية التعبير لصاحب العقيدة الدينية أن يعبر عن عقيدته‏(‏ التي يؤمن بها‏).‏ وتعتبر حرية التعبير عن الرأي بمثابة الحرية الأصل التي يتفرع عنها الكثير من الحريات‏,‏ بل تعد المدخل الحقيقي لممارسة الحقوق العامة الفكرية والثقافية وغيرها من الحقوق ممارسة جدية‏,‏ كحق النقد وحرية الصحافة والطباعة والنشر وحرية البحث العلمي والإبداع الأدبي والفني والثقافي‏,‏ وحق الاجتماع للتشاور وتبادل الآراء‏,‏ وحق مخاطبة السلطات العامة‏.‏

وتعتبر حرية التعبير في ذاتها قيمة عليا‏.‏ ولا غرو فهي القاعدة في كل تنظيم ديمقراطي‏,‏ لا يقوم إلا بها إلا أن هذه الحرية كغيرها من الحريات العامة ليست مطلقة لا حدود لها‏,‏ فممارستها لا يجوز أن تكون من خلال التضحية بغيرها من الحريات العامة‏,‏ وذلك باعتبار أن تنظيم ممارسة حرية التعبير أو غيرها من الحريات العامة لا تكون في إطارها المشروع إلا إذا لم تضر بالغير أو بالمجتمع فالدستور لا يعرف أي تدرج بين الحريات العامة التي يحميها‏,‏ ولا يتصور وجود تنازع بين هذه الحريات في نصوص الدستور‏,‏ فأي تنازع ظاهري في هذا الشأن يجد حله من خلال التفسير القائم علي وحدة النظام الدستوري ووحدة الجماعة‏.‏ وفي هذا الصدد أوضحت المحكمة الدستورية العليا أن ما نص عليه الدستور في المادة‏7‏ من قيام المجتمع علي أساس من التضامن الاجتماعي‏,‏ يعني وحدة الجماعة في بنيانها‏,‏ وتداخل مصالحها لا تصادمها‏,‏ وإمكان التوفيق بينها ومزاوجتها ببعض عند تزاحمها‏,‏ وأنه لا يجوز لفريق من المجتمع أن ينال من الحقوق قدرا منها يكون بها عدوانا‏_‏ أكثر علوا‏,‏ بل يتعين أن تتضافر جهود أفراد الجماعة لتكون لهم الفرص ذاتها‏,‏ التي تقيم لمجتمعاتهم بنيان الحق‏,‏ ولا تخل‏,‏ في الوقت ذاته‏_‏ بتلك الحقوق التي كفلها الدستور فجميع الحريات العامة يجب ممارستها بكل مسئولية‏.‏

ويبدو الاعتماد المتبادل بين حرية التعبير وحرية العقيدة‏,‏ في أن جوهر حرية العقيدة يكمن في اختيار العقيدة وممارستها بغير إكراه‏.‏ وبدون حرية الإعلان عن الانتماء إلي عقيدة ما‏,‏ فإن القدرة علي اتباع تعاليم العقيدة المختارة ونقلها من جيل إلي جيل تبدو ناقصة‏.‏ وهو ما يوضح أن حرية التعبير وحرية العقيدة ليستا متناقضتين أو متضادتين‏.‏ بل إن حرية التعبير هي التي تكفل الدفاع ضد أعداء التنوع في الثقافات‏.‏ وهذا التنوع ينبع من الاختلاف في التفكير الديني‏,‏ وكلاهما من خلال حرية التعبير يفتح المجال أمام إعلاء التجانس في التفاعل الاجتماعي والثقافي‏.‏

حرية التعبير في مواجهة حرية العقيدة الدينية‏:‏
تتيح حرية التعبير لكل فرد التعبير بحرية عن آرائه‏.‏ ولهذه الحرية بعدان‏:‏ بعد شخصي وآخر اجتماعي‏.‏ ويتمثل البعد الشخصي في أنه يتيح للفرد استكمال شخصيته من خلال التعبير عن نفسه‏.‏ هذا بخلاف البعد الاجتماعي في أنه يتيح للفرد المشاركة في المسئولية داخل المجتمع‏,‏ ولهذا اعتبرت هذه الحرية إحدي الدعائم الأساسية للنظام الديمقراطي‏.‏ وقد عبرت عن ذلك المحكمة الدستورية العليا في قولها بأن حرية التعبير أبلغ ما تكون أثرا في مجال اتصالها بالشئون العامة‏,‏ وعرض أوضاعها‏,‏ وأن الدستور أراد لضمان حرية التعبير أن تهيمن مفاهيمها علي مظاهر الحياة في أعماق منابتها‏.‏

وتفرض حرية العقيدة الدينية أن تلقي الاحترام من الآخرين الذين لا ينتمون إلي ذات العقيدة‏.‏ ومن هذا المنطلق تتمتع حرية العقيدة بذات البعدين‏:‏ البعد الشخصي والبعد الاجتماعي‏.‏ ويشكل البعد الشخصي عنصر الاختيار فيمن يعتنق العقيدة حتي يستكمل شخصيته الإنسانية‏.‏ أما البعد الاجتماعي فإنه يبدو في ذلك القدر من التسامح الذي يجب أن تحظي به ممارسة هذه الحرية داخل المجتمع‏.‏ ومن ذلك حرية المؤسسات الدينية‏(‏ كالمسجد والكنيسة‏)‏ داخل المجتمع في ممارستها‏,‏ وحرية الفرد في إظهار دينه أو معتقده والتعبد وإقامة الشعائر والممارسة مع جماعة‏,‏ وأمام الملأ‏(‏ المادة‏1/18‏ من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية‏).‏ إلا أن البعد الاجتماعي في كل من حرية التعبير وحرية العقيدة الدينية يثير مشكلة تتعلق بنطاق ممارسة حرية التعبير فيما يتعلق بمدي إمكان أن تتوغل هذه الممارسة في الحرية الدينية فتحدث مساسا بها‏.‏ فقد نشأت علاقة بالغة الحساسية بين الحريتين عندما ظهرت آراء معادية أو ناقدة للدين في بعض صور التعبير أبداها البعض تحت ستار حرية التعبير‏.‏ وقد تجلي ذلك في السنوات الأخيرة من خلال بعض الكتابات أو الرسوم الكاريكاتيرية أو الأقلام التي تسئ إلي الدين‏.‏ وقد ألقت هذه المواجهة بين الحريتين بالمسئولية علي القانون لإيجاد الحلول لها‏.‏

وقد أثار ذلك ثلاث إشكاليات علي النحو التالي‏:‏
‏(‏أولا‏):‏ إشكالية حل التنازع الظاهري بين حرية التعبير وحرية العقيدة الدينية‏:‏

تبدو هذه الإشكالية فيما إذا كان التنازع أو الصراع بين الحريتين يتم بتغليب إحداهما علي الأخري‏.‏ ولاشك أنه لا يوجد تدرج بين الحريتين‏,‏ بل يوجد اعتماد متبادل بينهما‏,‏ فلا سيادة لحرية منهما علي الأخري‏,‏ وإنما يتعين التوفيق بينهما دون إخلال بجوهر كل منهما‏.‏ فهذا التوفيق هو ركن أساسي للحكم الرشيد للتنوع الثقافي المبني علي اختلاف العقائد الدينية‏,‏ وأداة بالغة الأهمية لمنع الصراع بين الحريتين وبناء السلام بينهما‏.‏ وقد زاد هذا التوتر عند ممارسة حرية التعبير الفني بمناسبة نشر الروايات الأدبية أو عرض الأفلام أو نشر بعض المطبوعات أو عرض رسوم كاريكاتيرية‏.‏ وهنا يلاحظ أنه علي الرغم من أن بعض الدساتير أقرت حرية الإبداع الأدبي والفني والثقافي‏(‏ مثال ذلك الدستور المصري في المادة‏49,‏ والدستور الألماني في المادة‏3/5),‏ فإن هذه الحرية لا توفر حماية أكثر من حرية التعبير بصفة عامة‏.‏ وعلي ذلك‏,‏ فإن حرية الإبداع الفني لا يجوز أن تتناقض مع حرية العقيدة الدينية‏,‏ مما لايجوز معه للفنان أن يتمتع بحرية في المناورة تحت ستار الإبداع الأدبي والفني والثقافي لكي يعتدي علي حرية الاعتقاد الديني‏.‏

هذا وقد عني التعديل الدستوري الصادر في‏29‏ مارس سنة‏2007‏ بأن يضع حدا للخلط بين المشاركة السياسية والحرية الدينية‏.‏ ولما كانت الأحزاب السياسية والأنشطة السياسية ليست إلا تعبيرا عن الآراء السياسية‏,‏ فقد عني الدستور المصري بالنص في المادة‏3/5‏ منه بعد تعديلها في‏29‏ مارس سنة‏2007‏ علي أنه لا تجوز مباشرة أي نشاط سياسي أو قيام أحزاب سياسية علي أية مرجعية دينية أو أساس ديني‏,‏ أو بناء علي التفرقة بسبب الجنس أو الأصل‏.‏ وقد أكد هذا التعديل الدستوري علي الحرية الدينية من حيث عدم جواز تأثير ممارستها علي من يريد المشاركة السياسية‏,‏ ولا أن تكون أساسا للاختيار السياسي‏,‏ نظرا للفرق بين الحرية الدينية وحرية المشاركة السياسية‏.‏ فالأولي عقائدية بحتة تمثل إيمانا فرديا بالذات الإلهية وترتبط بشخص الإنسان‏,‏ والثانية إحدي وظائف الحكم التي يشارك فيها الأفراد وفقا للنظام الديمقراطي‏.‏ وقد تكون هذه المشاركة من خلال الأحزاب السياسية أو من خلال الجمعيات في حدود أنشطتها أو من خلال ممارسة حق الاجتماع في حدود القانون‏.‏ هذا بجانب أن الحرية الدينية لا يجوز أن تصبح أساسا للسيطرة السياسية لدين معين‏.‏

ولابد أن نشير ابتداء إلي الدور الأساسي الذي تؤديه حرية التعبير في النظام الدولي لحقوق الإنسان‏,‏ إيمانا بأن المآسي الإنسانية‏-‏ بما في ذلك الإبادة الجماعية‏-‏ تتطلب سيطرة عليها من خلال حرية التعبير لكشفها وإدانتها‏.‏ وإن الالتزام بجميع حقوق الإنسان والتأكيد علي اعتماد كل منها علي الآخر حقيقة واقعة وليس مجرد خيار سياسي‏.‏ وحرية التعبير هي أفضل دفاع ضد أعداء التنوع‏.‏ فهذه الحرية يمكن تربية الآخرين وفقا لتقاليدهم الثقافية‏,‏ وتعليمهم مختلف الثقافات حتي يمكن التغلب علي أفكار عدم التسامح وعدم التمييز‏.‏

ومع ذلك‏,‏ فإنه يتعين استيعاب ما نصت عليه المادة‏19‏ في فقرتها الثالثة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية من أن هذه الحرية تلقي بواجبات ومسئوليات خاصة‏,‏ مما يجوز معه إخضاعها لبعض القيود بشرط أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية‏:(‏ أ‏)‏ لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم‏.(‏ ب‏)‏ لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة‏.‏ كما أكدت المادة‏2/20‏ من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ضرورة الحيلولة دون التنازع بين حرية التعبير وحرية العقيدة الدينية‏,‏ فيما نصت عليه من أن تحظر بالقانون أية دعوة إلي الكراهية الدينية تشكل حضا علي التمييز أو العداوة أو العنف‏.‏

وقد تباينت تطبيقات هذه المبادئ في مختلف الدول‏:‏
ففي ألمانيا تأكد التعاون بين الدولة والمجتمعات الدينية‏,‏ ورفض إعطاء أية صفة عامة لمجتمع ديني معين تأسيسا علي مبدأ المساواة‏.‏ ولم تمنح المحكمة الدستورية الألمانية الفيدرالية أية أولوية لجماعة معينة تحتل مركز الأغلبية في المجتمع الألماني أو تسهم في ثقافته‏,‏ واستخلصت من الحرية الدينية مبدأ حياد الدولة تجاه الأديان الأخري‏.‏

وفي فرنسا قضي المجلس الدستوري الفرنسي في‏2004/1/19‏ بشأن اتفاقية دستور الاتحاد الأوروبي بأن المادة الأولي من الدستور الفرنسي تنص علي أن فرنسا جمهورية علمانية‏,‏ مما يحول دون قيام قواعد مشتركة تحكم العلاقات بين المجتمعات العامة والأفراد بشأن المعتقدات الدينية‏.‏

وفي أسبانيا أكدت المحكمة الدستورية سنة‏1981(‏ القرار رقم‏6)‏ الوضع الاستراتيجي الذي تحتله حرية التعبير في النظام الدستوري‏,‏ وأن الحرية الدينية تعتبر قيدا علي حرية التعبير‏.‏

وفي ايطاليا رغم أن الدستور الايطالي أكد مبدأ علمانية الدولة‏(‏ المواد‏:2‏ و‏3‏ و‏7‏ و‏8‏ و‏19‏ و‏20),‏ إلا أن هذا المبدأ لا ينطوي علي عدم ضمان الدولة للحرية الدينية‏.‏ فقد جري تطبيق العلمانية في ايطاليا بطريقة مختلفة عما جري في فرنسا‏.‏ ولهذا لم يعرف النظام القانوني الايطالي قانونا مثل قانون الحجاب الصادر في فرنسا‏.‏

وفي اليونان ثارت مشكلة التنازع بين الحريتين بالنسبة إلي البيانات الواجب إدراجها في بطاقة تحقيق الشخصية‏.‏ فقد كان القانون اليوناني الصادر سنة‏1945‏ وحتي‏2000‏ يلزم بإثبات ديانة الشخص في هذه البطاقة‏,‏ وظل الإلزام بإثبات هذا البيان ما يزيد علي نصف قرن بدون جدل حوله فيما يتعلق بمدي مطابقته للدستور الذي كفل حرية التعبير وحرية العقيدة‏,‏ ثم تقرر رفع هذا البيان بمقتضي قرار مشترك من وزيري المالية والنظام العام في‏17‏ يولية سنة‏2000‏

وفي بولندا استقرت المحكمة الدستورية علي أنه في حالة التنازع بين حرية التعبير والحرية الدينية‏,‏ فإنه من المستحيل مقدما إعطاء أي الحريتين أولوية علي الأخري‏.‏ وتلتزم السلطات القضائية بتحليل كل حالة علي حدة‏.‏ فالحرية الدينية ليست إلا أحد أشكال حرية التعبير ويجب تحليلها بالرجوع إلي المبادئ العامة التي تحكم حرية التعبير بالمعني الواسع‏.‏ ويحل التنازع بين الحرية الدينية وحرية التعبير بمراعاة مبدأ التناسب‏.‏ وتتوقف حماية الحرية الدينية علي المبادئ العامة بوصفها إحدي القيم الأساسية للدولة‏.‏

وفي الولايات المتحدة الأمريكية يبدو الوضع مختلفا‏,‏ فقد ساد التحيز لحرية التعبير‏.‏ حيث قضت المحكمة العليا الأمريكية بأنه ليس للدولة مصلحة مشروعة في حماية عقيدة دينية معينة أو حماية كل الأديان‏,‏ وأنه ليس من وظيفة الحكومات معاقبة من يهاجم عقيدة دينية معينة بالنشر كتابة أو من خلال فيلم معين‏.‏

(‏الجزء الثاني غدا‏)‏

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: