23 يونيو 2009

تطور الوجود الإنســــــــــانى…

Posted in النهج المستقبلى tagged , , , , , , , , في 7:20 ص بواسطة bahlmbyom

7

تطــــــــــــور الوجود الإنســـــــــانى…

يبيّن لنا الدين البهائي بصورة واضحة بأنَّ الوجود الجسدي للإنسان قد تطور وارتقى تدريجيًا من مراحل دانية إلى مراحل أعلى حتى وصل إلى ما هو عليه في وقتنا الحاضر من زينة وكمال، فالكرة الأرضية مكان نشأة الإنسان وتطوره مثلما رحم الأم هو منشأ الجنين. وفي هذا الخصوص يقول حضرة عبد البهاء:

“ولا شك أنَّ النطفة البشرية ما أخذت هذه الصورة دفعة واحدة وما كانت مظهر قوله تعالى (فتبارك الله أحسن الخالقين) لهذا أخذت حالات متنوعة بالتدريج وظهرت في هيئات مختلفة حتى تجلت وهذا الجمال والكمال والحسن واللطافة، إذًا صار من الواضح المبرهن أنَّ نشوء الإنسان ونموّه على الكرة الأرضية حتى بلوغه هذا الكمال كان مطابقًا لنشوء الإنسان ونموه في رحم الأم بالتدريج وانتقاله من حال إلى حال ومن هيئة وصورة إلى هيئة وصورة أخرى(1)“.

،، ومع ذلك أكدَّ حضرة عبد البهاء بأنَّ الجنس البشري خلال مراحل تطوره وتكامله الطويلة كان ومازال مميّزًا عن الحيوان حيث قال حضرته:

“تمر نطفة الإنسان مجالات مختلفة ودرجات متعددة حتى ينطبق عليها قوله تعالى (فتبارك الله أحسن الخالقين) وتظهر فيها آثار الرشد والبلوغ. وعلى هذا المنوال كان وجود الإنسان على هذه الكرة الأرضية من البدء حتى وصل إلى هذه الحال من الهيئة وجمال الأخلاق بعد أن مضت عليه مدة طويلة واجتاز درجات مختلفة، ولكنه من بدء وجوده كان نوعًا ممتازًا. كذلك نطفة الإنسان في رحم الأم كانت في

أوَّل أمرها بهيئة عجيبة فانتقل هذا الهيكل من تركيب إلى تركيب ومن هيئة إلى هيئة ومن صورة إلى صورة حتى تجلت النطفة في نهاية الجمال والكمال، ولكنها عندما كانت في رحم الأم وفي تلك الهيئة العجيبة – التي تغاير تمامًا ما هي عليه الآن من الشكل والشمائل- كانت نطفة نوع ممتاز لا نطفة حيوان وما تغيرت نوعيتها وماهيتها أبدا(1)“.

وعلى هذا فإنَّ العنصر الإنساني ومنذ مراحله الأولية على الرغم من تشابهه لبعض الحيوانات بشكل سطحي وبسيط فإنّه يعتبر مميّزًا وأعلى مرتبة من غيره من الكائنات، كما يعتبر وجود الروح للإنسان أو النفس الناطقة ميزة خاصة به كما شُرح سابقًا.

وعلى أي حال، فإنَّ جسم الإنسان مكون من عناصر مختلفة وتؤدي وظائف متعددة مثلما الحال في الحيوانات، ويتعرض هذا الإنسان خلال حياته إلى معاناة وبحاجة إلى رغبات جسمية مثل الحيوانات منها: الجوع، الرغبة الجنسية، الخوف، الألم، الغضب، المرض العضوي والفكري.. إلخ. هذا الوضع يؤدي إلى خلق توتر وجهد داخل أنفسنا حيث إنَّ احتياجاتنا الجسمية ورغباتنا تدفعنا إلى التصرف مثل الحيوانات، بينما تدفعنا طبيعتنا الروحية نحو أهداف ومرام أخرى. شرح حضرة بهاء الله بأنَّ العمل والمثابرة لكبح جماح رغباتنا الجسمية وتوجيهها للاتجاه الصحيح هو أمر ضروري لعملية نمونا وتطورنا. ومن أجل الوصول إلى درجة الكمال والاعتدال في الحياة يجب التوفيق والتلاؤم بين احتياجاتنا الجسمية والروحية.

يجب علينا أن نجهد في أن تسيطر طبيعتنا الروحانية على الرغبات الجسمانية، وإلا ستسيطر رغباتنا الجسمية على حياتنا، ونصبح بالتالي كالعبيد لهذه الرغبات ونفقد الكثير من قدراتنا وطاقاتنا الروحية. فالشخص المدمن على المخدرات والمشروبات الكحولية على سبيل المثال لا يستطيع أن يطّور قدراته الروحية إلا إذا تحرر من تلك الآفة. وأيضًا إذا انصّب اهتمامنا على الأمور المادية وركزنا كل فكرنا في ذلك فإنَّ هذا سيسلب الكثير من وقتنا وطاقاتنا اللازم لتنمية وتطوير طبيعتنا الروحية.

وعلى عكس ما تذهب إليه بعض المذاهب الدينية والفلسفية، فإنَّ الدين البهائي لا يقر بأنَّ الرغبات الجسمانية للإنسان شريرة أو سيئة، ذلك لأنَّ مخلوقات الله سبحانه وتعالى خير محض في جوهرها. وفي الواقع إنَّ الهدف الرئيسي لجسم الإنسان وقدراته هو أن يكون أداة جيدة لتطوير وتنمية روحه. ومع استمرار تحكم الروح بطاقات وقوى جسم الإنسان يصبح الجسم وسيلة للتعبير عن الإمكانات الروحية له. وما الأهواء النفسية والشهوات الإنسانية إلا العائق الوحيد لرقي الروح وتقدمها.

فمثلاً تعتبر الرغبة الجنسية عطية إﻟﻬﻴﺔ للإنسان، وإنَّ المكان الصحيح والوحيد للتعبير عنها ينحصر في الزواج الشرعي الصحيح وهو تعبير قوي عن السجية الروحية للمحبة. ومع ذلك فإنَّ نفس هذه الرغبة الجنسية لو أسيء استخدامها يمكن أن تؤدي إلى الانحراف والفساد وحتى إلى أفعال مدمرة وهدامة.

ونظرًا لأنَّ الجسم هو المكان لتجلّي الروح الإنساني فمن الأهمية الاهتمام والعناية به. فحضرة بهاء الله لا يشجع على الزهد والتقشف وإنَّما ركز على المحافظة على صحة الجسم، ولهذا نلاحظ بأنَّ الآثار البهائية احتوت على عدد من الأحكام العملية الخاصة بالعناية بالجسم مثل: التغذية السليمة، الاستحمام المنتظم.. إلخ. هذه الأحكام وغيرها من أحكام وتعاليم ومبادئ الدين البهائي يأخذ مبدأ الاعتدال فيها حيّزًا كبيرًا من حيث الأهمية، لأنَّ الأمور تكون ذات فائدة ومنفعة عندما نعتدل في إجرائها ومضرة عندما نتطرف في تنفيذها.

تقر الآثار المباركة على نحو بيّن بأنَّ هناك بعض العناصر العضوية الخارجة عن تحكم الإنسان مثل النقص الوراثي أو نقص التغذية أثناء الطفولة، وتؤثر بشكل كبير على نمو الفرد خلال حياته. ولكن هذه المؤثرات المادية ليست دائمة ولا تستطيع إيذاء الروح، وفي أسوأ الحالات يمكن لها أن تعوّق مؤقتًا عملية النمو الروحي وحتى هذا التأثير يمكن له أن يتوازن نتيجة أية تطورات سريعة. في الواقع تشرح الآثار المباركة البهائية بأنَّه غالبًا ما تكون عزيمة الإنسان وشجاعته وكفاحه ضد نقائصه النفسية والجسمية والذهنية هي التي تنمي طاقاته الروحية وتنعشها وهذه النقائص تعد نعمة في ثوب نقمة وتساعد الإنسان على نموه الروحي. وبناء عليه فإنَّ الاعتقاد بإنَّ الحالة الجسمية للإنسان يمكن أن تؤثر على عملية النمو الروحي له ولو بصورة مؤقتة إلاَّ إنَّها شديدة يغاير الاعتقاد بإنَّ الإنسان عبارة عن مزيج من الجينات وعناصر بيئية طبيعية طبقًا لاعتقاد العديد من الفلاسفة الماديين. يقول حضرة عبد البهاء:

“كل موجود لابد له من أن يكون إمّا في حالة ارتقاء أو في حالة تدني، فليس هناك في الكائنات توقف، ذلك لأنَّ جميع الكائنات لها حركة جوهرية.. وكذلك الحال في عالم الأرواح فإذا لم يتحقق للروح

الرقي فهو توقف، ولكن التوقف ممتنع لأنَّ الحركة من لوازم الوجود الذاتية التي لا انفكاك لها.. من الواضح أنَّ الروح لا توقف لها ولا تدنٍّ، ولما لم يكن للروح تدني فلا بد لها من الترقي، وبالرغم من أنَّ المراتب محدودة إلا إنَّ الفيوضات الربانية غير محدودة والكمالات الإﻟﻬﻴﺔ غير متناهية، ولهذا فالروح في رقي دائم لأنَّ اكتسابها للفيض مستمر(1)“.


(1) من كتاب “خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا” ص161-162 (من منشورات دار النشر البهائية في البرازيل      1998).


(1) المصدر السابق أعلاه – ص129


(1) من كتاب “من مفاوضات عبد البهاء” ص128 (من منشورات دار النشر البهائية في بلجيكا 1980)

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: