1 أغسطس 2009

القيم الدينية و مقاييس الفقر و الرخاء…

Posted in قضايا السلام, مقام الانسان, الكوكب الارضى, المبادىء, المجتمع الأنسانى, المحن, المسقبل, النهج المستقبلى, الافلاس الروحى, الانتهاء, الخيرين من البشر, الدين البهائى tagged , , , , , , في 6:01 ص بواسطة bahlmbyom

وثيقة الجامعة البهائية العالمية

القيم الدينية و مقاييس الفقر و الرخاء

وثيقة أعدت الجامعة البهائية العالمية عن ” القيم، المقاييس و الفقر: مناقشة التقرير الخاص بالتطوير العالمي لعام  2000″ . رعى هذه الورشة البنك الدولي، حوار الأديان والتنمية العالمية، جامعة كورنيل، مؤسسة ماك آرثر ، المؤسسة السويدية للتطوير العالمي  و مؤسسة التطوير السويسرية. جوهانسبرغ، جنوب إفريقيا 12-14 كانون الثاني/ يناير 1999

إن عمليات التغيير التي توجّه شؤون البشر الآن تنبئ بانتقال حتمي نحو مجتمع عالمي. والتحدي الكبير الذي يلازم هذا الانتقال هو إيجاد أوضاع تتسم بالعدالة الاجتماعية و الاقتصادية بين الأمم التي تشكّل مجتمعنا العالمي وداخلها. إن رفع أعباء الفقر من العالم يتطلب التزاماً قوياً بالمبادئ الخلقية و إعادة ترتيب الأولويات بشكل جذري. و قد يفوق ذلك أهمية ترك ذلك المقياس المادي الذي يقود مفهوم التطوير إلى  إطار جديد من المفاهيم يعترف صراحة بالقوى الروحانية والثقافية و الاجتماعية التي تحدد هوية الفرد و المجتمع. وبهذا الخصوص يمثل مؤتمر “حوار الأديان والتنمية العالمية” الذي عقد في لامبث بالاس في شباط/ فبراير 1998 و مبادرات مماثلة تبحث دور الدين و الروحانية في تقدم رفاهة البشرية، تمثل مساهمات هامة في معالجة موضوع التطوير الاجتماعي و الاقتصادي[i].

عبر العدة عقود الماضية، أصبح العاملون في مجال التطوير، على إطلاع بتعقيدات هذه العملية بشكل تدريجي، ومن الممكن رؤية هذا التطور في فكرة التطوير من خلال الإنتقال من برامج تعمل على زيادة رأس المال وتهدف إلى ترويج الصناعة إلى برامج تؤكد على توفير الرعاية الصحية، الطرق الحديثة للزراعة، العلوم التطبيقية التقليدية و الحفاظ على البيئة، إلى مبادرات تروّج المشاركة و تنظيم المجتمع. إلا أنه بالرغم من وجود هذا الوعي المتنامي لدى العوامل العديدة ذات العلاقات المتبادلة التي تشكل أساس التطوير ، فإن جدول أعمال التطوير العالمي لا يزال خاضعاً لمجموعة محدودة من الفرضيات و الاقتراحات التي فشلت في أن تأخذ بعين الاعتبار الكثير مما تم تعلمه.

من الواضح أن هناك بعدا آخر من هذه العمليّة المعقّدة يجب دمجه الآن في معادلة التطوير. فيجب تركيز الاهتمام على صلب الهدف من وجود الإنسان والحافز له ألا وهو: الروح الإنسانية . فمن وجهة النظر البهائية، لا شيء سوى إيقاظ روح الإنسان يمكنه خلق الرغبة في إحداث تغيير اجتماعي حقيقي، و غرس الثقة في قلوب الناس بأن تحقيق مثل هذا التغيير هو أمر ممكن حقاً. وفي الوقت الذي تلعب في بوضوح السبل العملية لحل المشاكل دوراً أساسيا في المبادرات الخاصة بالتطوير، فان التربيت على الجذور الروحانية للحوافز البشرية لإيقاظها يزوده بالقوة الدافعة الأساسية التي تضمن تحقيق التقدم الاجتماعي الحقيقي، وعندما تدمج المبادىء الروحانية بشكل كامل مع النشاطات التنموية للمجتمع فمن المرجّح أن تكون الأفكار والقيم، و المقاييس العملية التي تنبثق عنها هي التي تشجع الاعتماد على النفس و تحفظ كرامة الإنسان ، و هكذا يتم تجنب أساليب الاتكال ومحو حالات عدم المساواة الفادحة تدريجياً. إن توسعة عملية التطوير لتأخذ في الحسبان القدرات الروحانية للناس  و طموحاتهم تمثل خطوة أساسية نحو إيجاد الأوضاع والظروف اللازمة لاستقرار العالم و ازدهاره.

تعلمت قطاعات كبيرة من البشرية، عن طريق تعاليم الدين وهدايته الخلقية، أن تضبط نزعاتها وأهوائها الدنيا وتطور صفات تؤدي إلى النظام الاجتماعي و التقدم الثقافي. فصفات مثل الشفقة، الصبر و التحمل، الأمانة، الكرم، التواضع، الشجاعة و الرغبة في التضحية في سبيل المصلحة العامة تشكل الأسس غير المرئية و لكن الضرورية لحياة اجتماعية متقدّمة. إن معرفة الطبيعة الروحانية للإنسان وتهذيبها قد سمت بحياة الناس وأغنتها في كل مكان، و ولّدت تلاحماً و وحدة في الهدف داخل المجتمعات وفيما بينها[ii]. فالحضارة الحقة لا ترتفع على أسس التقدم المادي فقط بل على القيم السامية التي تحدد هويتها وتعمل على ترابط المجتمع. فالدين من الناحية الواقعية الملموسة يؤمن الطوب والملاط لبناء المجتمع أي العقائد المشتركة و القيم الأخلاقية التي توحّد الناس في جامعات، و تعطي توجيهاً و معنىً حقيقياً لحياة الفرد والجماعة. أكد حضرة بهاءالله  أن  ” الدين هو النور المبين و الحصن المتين لحفظ أهل العالم وراحتهم… فلو احتجب سراج الدين لتطرق الهرج والمرج وامتنع نيّر العدل والإنصاف عن الإشراق وشمس الأمن والاطمئنان عن الأنوار.”[iii] (لوح الإشراقات، الإشراق الأول، كتاب مجموعة من ألواح حضرة بهاءالله ص23-24)

أن تقدم الفرد و تطوير المجتمع يتطلبان توفّر الوعي الروحاني و الموارد المادية. لذلك فالترقي المادي  يجب أن يفهم بالأسلوب الأفضل وهو أن لا يعتبر هدفاً بحد ذاته بل أداة للتقدم الاجتماعي و الروحاني و الأخلاقي. فالتغيير الاجتماعي الهادف لا ينشأ نتيجة اكتساب المهارات التقنية بقدر ما يعتمد على تطوير صفات ومواقف سلوكية تعزز الأنماط التعاونية والمبتكرة للتفاعلات الإنسانية. وباختصار، فإن الجانبين المادي و الروحاني للحياة اليومية متلازمان و يجب أن يُعنى بكليهما.

يبشر هذا الفهم الجديد للتطوير بظهور مجتمعات يعزز فيها تطبيق القيم الروحانية كالعدالة و الأمانة و الشفقة الرفاه المادي. وفي الوقت نفسه فإن التقدم المادّي والموارد المادية سيجعلان من الممكن إيجاد سبل جديدة للجهود الروحانية التي ستدعم تطوير القدرات الفردية و المصلحة العامة.

الدين و العلم و بناء القدرات…

إذا كيف  يمكن غرس المبادئ الروحانية في أذهاننا ، وفي ممارسة عملية التطوير وتقييمها ؟ إن هذا التحدي ليس جديداً، فكثيراً ما واجه المفكرون في مجال التطوير ، خلال العقود السابقة ، قضايا مرتبطة بالقيم و المعتقدات إلا أنهم في معظم الأحيان تجنبوا الخوض في إجراء دراسة شاملة لهذا الموضوع.

فإذا كان على موضوع التطوير أن يتناول بشكل لائق وصحيح قضيّة القيم، فسيتطلب ذلك حواراً دقيقاً جداً بين العمل والمجهود العلمي و البصيرة الروحانية للدين[iv]، وحواراً كهذا ضروري للغاية لمشروع بناء القدرات البشرية، الذي يتنامى الاعتراف به كهدف أساسي للتطوير، ولدى اعتبار التطوير عاملاً لبناء القدرات فإنه سيهتم بشكل أساسي بتوليد المعرفة وتطبيقها ونشرها. فإذا تم قبول الحقيقة القائلة بأن العلم له جانبان روحاني و مادي فسيمكن فهم أن الدين و العلم نظامان متفاعلان للمعرفة يؤفران المبادئ الأساسية التي تنظم عمل الأفراد و الجامعات و المؤسسات وتطورها[v] ووضع توليد المعرفة ونشرها في صلب عملية التخطيط للتطوير وتطبيقه يمكننا من دراسة التطبيق العملي للقيم الدينية، بما فيه دور هذه القيم في تخفيف مشكلة الفقر.

أصبح من المقبول عموما، أن على الفقراء المشاركة بشكل مباشر في الجهود المبذولة لتحسين أحوالهم الشخصية. و لكن طبيعة تلك المشاركة لا تزال بحاجة إلى دراسة مستفيضة. فمن وجهة النظر البهائية، يجب أن تكون هذه المشاركة أساسية وخلاقة ؛ وعليها أن تسمح للأفراد الحصول على المعرفة بأنفسهم و أن تشجعهم على تطبيقها عمليا. و على وجه التحديد، لن يكفي أن تنهمك شعوب العالم في مشاريع لمجرد الاستفادة من نتاج المعرفة، حتى لو كان لهم رأي في اتخاذ بعض القرارات، بل عليهم الإنشغال بتطبيق المعرفة لتحقيق الرفاهة والخير العام، و بالتالي يولدون معرفة جديدة ويسهمون بطريقة أساسية وهادفة في تقدم الإنسانية[vi].

تعتمد قدرة أية مجموعة على المشاركة الكاملة في عملية تطويرها على مجموعة واسعة النطاق من القدرات ذات العلاقة المتبادلة فيما بينها على مستوى الفرد و المجموعة، ومن أهمها القدرات اللازمة للمشاركة الفاعلة في تخطيط و تنفيذ نشاطات التطوير، من قِبَل استعمال أساليب اتخاذ القرار التي تتصف بالشمولية واللاعدوانية؛ التفكير بطريقة منهجية منظمة بخصوص المشاكل والبحث عن حلول لها؛ التعامل مع المعلومات بدقة و كفاءة بدلا من الإستجابة بدون دراية  للدعايات التجارية و السياسية؛ المبادرة بأي عمل بطريقة مبدعة و منضبطة؛ اتخاذ الخيارات المناسبة في الأمور التكنولوجية بعد الإلمام الكافي بالموضوع؛ التنظيم و الانشغال في العمليات ذات النتاج السليم بيئياً؛ المساهمة في الإدارة الفعلية للبرامج و المشاريع العامة، ترويج التكافل و وحدة الهدف و الرأي و العمل؛ استبدال العلاقات المبنية على أساس السيطرة و المنافسة بأخرى مبنية على أساس التبادل و التعاون و خدمة الآخرين؛ التفاعل مع الثقافات الأخرى بأسلوب يؤدي إلى رقي الثقافة و ليس إندثارها؛ تشجيع الاعتراف بأصالة نبل الإنسان وسموّه؛ وضع العمليات التعليمية التربوية والمشاركة فيها، التي تساعد على نمو الفرد و تغيير المجتمع ، المحافظة على مستويات عالية من الصحة البدنية و العاطفية و العقلية؛ إشباع التفاعلات الاجتماعية بإحساس قوي بالعدالة، و إظهار الاستقامة الأخلاقية في الإدارة الخاصة و العامة.

رغم عدم اكتمال هذه القائمة، إلا أنها تقترح مجموعة من القدرات (capacities) اللازمة لبناء النسيج الاجتماعي و الاقتصادي و الأخلاقي للحياة الجماعية، وتركز على الدور الحيوي للموارد الفكرية و الدينية لتعزيز التطوير، كما توجهنا لأنواع المؤشرات التي قد تزودنا ببصيرة ورؤية مفيدة لما فيه خير وصلاح ورفاهتها بشكل عام.

قياس الفقر و الرخاء:

إذا كان التطوير أساساً عملية يصبح فيها الأفراد و الجامعات العامل الرئيس في تعزيز وترقي ما فيه خيرها ورفاهتها من  الناحية المادية و الروحية و الإجتماعية، فكيف يمكن قياس ذلك؟ وهل من المعقول توقع إمكانية قياس عملية جارية ومستمرة من العمل و التقييم و التعديل : عملية تطور فيها الجامعات تدريجياً قدرتها على تحديد احتياجاتها وتحليلها ومن ثم تلبيتها ؟ من وجهة النظر البهائية، الجواب هو نعم، وفي الوقت الذي يجب أن يوجّه فيه العمل المحدّد  في أي مشروع نحو إجراء تحسين وتقدّم ملحوظ، وبالتالي يمكن قياسه في بعض جوانب الحياة، فإن قدرة الجامعة للتصدي لقضايا التطوير،  على مستويات متنامية في الارتفاع من حيث التعقيد والتأثير، يمكن قياسها أيضاً بالرغم من أن ذلك قد لا يتم بالوسائل التقليدية.

إحدى المقاييس الحيوية لرقي الجامعة وتقدمها هو مدى استخدام أساليب المشاركة والتعاون في اتخاذ  القرار لتوجيه عملية التطوير . وكمثال لتوضيح ذلك، فإن نشاطات التنمية البهائية، منذ بدايتها، قد أكدت على اتخاذ القرار الجماعي والعمل الجماعي على مستوى القاعدة. فتحسين قدرة جميع أفراد الجامعة على المشورة هو مقياس رئيسي للنجاح في كلّ مشروع بهائي للتطوير، ولأن كلاً من عملية التطوير ونتائجها أمران ملحوظان، لذا يمكن قياسهما على نحو ما. إن استخدام أساليب المشورة في صنع القرار يمكن ان يؤدي إلى ابتكار حلول جديدة لمشاكل الجامعة ؛ وتوزيع مواردها بشكل أنسب وأكثر عدالة؛ وإشراك أولئك الذين تم إقصاؤهم تاريخياً من عملية صنع القرار، كالنساء والأقليات والنهوض بهم. لقد أثبتت  التجربة أن المشورة تمكّن الجامعات من دعم المبادرات الخاصة بالتطوير وتعديلها، وبذلك تسهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي و نوعية أرفع مستوى من الحياة. إن قدرة الناس على الاجتماع معاً في ظلّ هذه الأنماط الجديدة والبنّاءة من المشاركة والتفاعل لهي، من بعض النواحي، النتيجة الأكثر أهمية – ولذلك، الأكثر أهمية للقياس – من الأهداف الممكن قياسها التي ترافق عادة على نحو تقليدي مشاريع التطوير. ويمكن تقييم مبادرات التطوير بناءًا على التطبيق الواقعي المحسوس  لعدد من المبادئ الروحانية على حياة الفرد والجامعة منها: الوحدة والاتحاد في التنوع والتعدد؛ العدل والانصاف؛ المساواة بين الجنسين؛ الأمانة والقيادة الأخلاقية ؛ والاستقلال في تحري الحقيقة. ورغم أن هذه المبادئ الخمسة ليست الوحيدة التي يجب اخذها بعين الاعتبار، فهي تشمل مفاهيم كافية ومتنوعة تسمح بإجراء تقييم شامل لترقي الجامعة وتقدمها . ولدى التطبيق الكامل لهذه المفاهيم الروحانية فإنها ستجذب العديد من العوامل غير الملموسة التي تفضي إلى تحقيق التقدم الاجتماعي والاقتصادي.

على سبيل المثال، لدى تطبيق ” مبدأ الوحدة والاتحاد في التنوع والتعدد ”  في ميدان التعليم يمكن ان يؤدي ذلك إلى وضع مناهج دراسية تتبنى وتعزز مفاهيم التسامح، والتفاهم، والتراحم و المواطنة العالمية. ومبدأ مساواة النساء والرجال يمكن أن يؤدي إلى سياسات تطلق قدرات النساء والرجال التي كبتت حتى الآن. وإذا ما طُبّق مبدأ الاستقلال في تحري الحقيقة في مشاريع التنمية فيمكن أن يضمن تعريف وتحديد المشاكل بشكل صحيح، و أن تعكس الحلول الاحتياجات الحقيقية للأشخاص المعنيين. وقد وردت مناقشة مفصلة حول كيفية تشكيل هذه المبادئ الأساس لمؤشرات ملموسة للتطوير في وثيقة بعنوان، ” تثمين الروحانية في التطوير: دراسات مبدئية فيما يتعلق بخلق الروحانية كأساس لمؤشرات التطوير.” وهي وثيقة قدّمتها الجامعة البهائية العالمية ل ” حوار الأديان والتنمية العالمية ” في لامبيث بالاس عام 1998.

إن إيجاد مقاييس نوعية واسعة المدى لتقدم عملية التطوير ستتضمن الإشارة مباشرة إلى أنواع المشاريع التي سيتم تمويلها. وقد أثبتت التجربة أن المشاريع المبتكرة محرومة في الغالب من الدعم المالي المطلوب عندما تؤكد معادلات التقييم بعض المقاييس الاقتصادية أو المادية المحددة. فعلى سبيل المثال، قد يكون من الأولى والأهم المشاركة أولاً في وضع الهدف و المشورة حول احتياجات الجامعة وما فيه خيرها ورفاهتها قبل متابعة النشاطات التي ترمي إلى تحصيل الدخل المادي. إن تبني وتطبيق مقياس تقييم صارم لا يمكن أن يعتبر أسلوباً علمياً لاسيما إذا افترض نتائج أفضل قبل الأوان. ربما توجد، حقاً، في جامعة أو مجموعة ثقافية معينة طرق متنوعة يمكن أن تحقق نفس النتيجة المادية بينما تدعم أهدافاً أخرى مثل التلاحم الاجتماعي أو تحسين الأخلاق.

من الواضح ، أن عملية تخطيط مشاريع التطوير وتقييمها، يجب أن تأخذ بعين الاعتبار مجموعة  واسعة من الحدود تتجاوز فئات بسيطة من العمل الاقتصادي؛ فالمؤشرات التقليدية لعوامل مثل النمو الاقتصادي ، الصحة، أو التربية والتعليم ، قادرة فقط على نقل صورة ضيقة جدا لخير الجامعة ورفاهتها. قد يكون من أهم مؤشرات نجاح نشاط تنموي إذا تمت الاستفادة من آراء ومواهب جميع أفراد الجامعة ، واستخدام عمليات المشورة لصياغة المشاريع وتنفيذها، أو بثّ جوٍّ من النبل و التفاؤل والالتزام يسم حياة أولئك المعنيين بهذا النشاط. رغم أن عوامل نوعية كهذه قد يكون من الصعب قياسها في البداية، إلا أن المشاركين في جهود التطوير سيتمكنون دون شك من مساعدة أخصائيي التطوير في إيجاد مؤشرات هادفة للقياس تدخل في حسابها هذه المتغيرات النوعية.

في التحليل النهائي نقول، إن أفضل طريقة لتحديد مقياس الفقر والرخاء هو عن طريق أولئك الأكثر تأثرا بشكل مباشر. ومن المؤكد أن المقاييس التقليدية قد تقدم بصيرة قيمة ويمكن استخدامها لتساعد في تحديد الأماكن التي يجب أن تنتشر فيها الموارد، ولكن هذه المقاييس لوحدها غير كافية . إن مؤشرات التطوير الموجودة حالياً قاصرة عن إبراز الأبعاد الروحانية و الاجتماعية الجوهرية للحياة ، والأساسية للغاية لخير وصلاح ورفاهة البشر. وبدون وجود طريقة لتحديد وتتبع هذه العناصر الضرورية للرخاء، فان جهودنا في مجال التطوير ستبقى تحت سيطرة التفكير والاعتبارات المادية وسيكون التقدم الحقيقي مجرد وهم. بناءً على ذلك، فليس الوقت مناسباً فحسب لمنظمات المجتمع المدني والجامعات الدينية للانهماك مع وكالات التطوير في وضع


ملاحظات:

1-  يقوم مركز أبحاث التطوير العالمي (IDRC) بدراسة ريادية للعلاقة بين الدين والعلم، وتأثيرها على التطوير. وقد جمع المركز مؤخراً الدكتور فرزام أرباب وهو بهائي، وفيزيائي في المجال النظري، والدكتور عزيزان بهار الدين وهو مسلم وعالم أحياء وفيلسوف في العلوم، والدكتور جريجوري بوم وهو كاثوليكي وفيلسوف متخصص في علم الأخلاق الاجتماعية، والدكتور بروميلا من كاپور وهي هندوسية وعالمة اجتماع، والأب بيل ريان وهو قسيس يسوعي يعمل في مجال الاقتصاد والعلاقات العمالية، جمع المركز هؤلاء للبدء في عملية تشاورية لدراسة تأثير أنماط العمل الحالية، وإمكانية أن يكون الدين عاملاً أساسياً مفقوداً في عملية التطوير. والأفكار التي قدمت ضمن هذه الوثيقة تتواءم مع جوهر هذه المشاورات.

2-   من الممكن أن يثار الجدل حول أن القضايا الروحانية والأخلاقية تقع خارج إطار اهتمامات الجامعة العالمية بالتطوير، لأن هذه القضايا قد قُيّدَت عبر التاريخ برباط لا ينفصم بالعقائد اللاهوتية المتنافسة غير القابلة للبرهان الموضوعي المحسوس، وأيّ دور بارز للتوفيق بينها يجب أن يفتح المجال أمام تلك التأثيرات العقائدية بوجه خاص التي غذّت النزاعات الاجتماعية ووقفت حجر عثرة في سبيل تقدم البشرية، ولا شك أن هذا الجدل لا يخلو من الصحة. وختاماً فإن القول بأن الجواب يكمن في عدم تشجيع التحري عن الحقيقة الروحانية، وتجاهل الجذور العميقة للحوافز الإنسانية هو أمر يتعذر الدفاع عنه.

3-    لوح الإشراقات، الإشراق الأول، كتاب مجموعة من ألواح حضرة بهاءالله (مترجماً عن الفارسية) (ص23-24).

4-   القول بأن كلاً من العلم والدين له دور يلعبه في عملية التطوير لم يعد بالأمر القابل للنقاش، فالضرورة تقتضي أن ترجع المواضيع الاجتماعية والتنظيمية المتعلقة بالتطوير الاجتماعي والاقتصادي إلى وجهات النظر والقيم الروحانية، إلا أن الطريقة التي تندمج فيها وجهات النظر الروحانية في نشاطات التطوير، يجب أن تتضمن الأساليب المنطقية الدقيقة نفسها التي اتبعها  العلم، مما سيضمن أن ترتكز جهود التطوير على نتائج واقعية وموضوعية. وفي الحقيقة إذا كان للدين أن يصبح شريكاً للعلم في مجال التطوير فيجب التدقيق في مساهماته بعناية. ومن سوء الحظ أن الوضع القائم يتمثل في أن الدين الرسمي ينوء تحت عبء العقائد والممارسات التي تعمل ضد الجهود المبذولة لتحسين الأوضاع المادية، فالتعاليم الطائفية المتعصبة التي تشجع السلبية، وقبول الفقر، والاستثناء الاجتماعي، أو عدم المساواة بين الجنسين، يجب أن يقيَّم على أساس مفاهيم روحانية عالمية أكثر، تؤكد على أهمية العدل وخدمة الآخرين، ولذلك فتناول موضوع التطوير من جانب جديد يجب أن يسعى لتحديد تقاليد “الطريقة الأبوية” وغيرها من أنماط السلوك التي تعمل على تقويض مبادرات التطوير.

5-    قد يتخذ التعاون بين الدين والعلم في ميدان التطوير أشكالاً عدة، وأحد الأمثلة الواضحة يقع في مجال التربية الأخلاقية. إن السلوك الأخلاقي تعبير واقعي ملموس لطبيعة الإنسان الروحانية، لذا فإن وضع نظريات وأساليب تربوية تعزز وتروّج بأسلوب منهجي منظم التطوير الأخلاقي، له أهمية خاصة. وتعلّم تطبيق المفاهيم الأخلاقية والروحانية لتحقيق التقدّم المادّي قد يعتَبَر حقاً متطلباً أساسياً لجميع المبادرات الاجتماعية والاقتصادية.

6-    خطوة أولى مهمة في هذه الاتجاه تتمثل في تعزيز الوعي بقاعدة المعرفة القائمة لجامعة أو ثقافة واحترامها، مما يساعد الجامعة لبناء الثقة في قدراتها على وضع وتطبيق حلول مبتكرة للمشاكل الصعبة. ولدى وجود هذه الثقة يمكن استخدام العلم والتكنولوجيا بسهولة أكبر كأدوات للمحافظة على الهوية الثقافية وتوسيعها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: