18 سبتمبر 2009

المرض الطائفي وعلاجه الخاطئ ومناعته‏!‏

Posted in قضايا السلام, مقام الانسان, مصر لكل المصريين, الكوكب الارضى, المبادىء, المجتمع الأنسانى, المحن, المسقبل tagged , , , , , , , , , , , , , , , في 12:10 ص بواسطة bahlmbyom

جريدة الأهرام – 10 سبتمبر 2009

المرض الطائفي وعلاجه الخاطئ ومناعته‏!‏

بقلم: نبيل عبد الفتاح

بصراحة وبلا مدارة لن نستطيع مواجهة نذر الوباء الطائفي الجاثم في الأفق المصري المنظور‏,‏ إلا من خلال التشخيص الموضوعي والصارم والشجاع للمرض وأسبابه وجذوره وتحولاته وتشابكاته وتكيفاته مع الحلول والآليات التي استخدمت ولا تزال في محاولة علاج الأعراض السطحية للفيروس الطائفي القاتل والذي يأكل في نسيج الأمة‏/‏ الدولة ببطء وفعالية حتى تهتكت بعض من جذورها وخلاياها أمامنا‏,‏ ونحن لا نزال نردد بقايا ونثارات الخطاب القديم حول التسامح الديني والحرية الدينية والمواطنة والمساواة بينما الواقع المعاش لا يكشف سوي عن نقائض الشعارات المهترئة التي أدمنها غالب عوام رجال الدولة والسلطة والإعلام والدين‏,‏ الذين يتصورون أن الشعار السياسي والديني يمتلك في ذاته علاج الأمراض الطائفية المتوطنة والتي تنتشر بسرعة‏,‏ وتهاجم بضراوة الجسد المصري العليل‏!‏

بلا لف أو دوران كعادتنا ستفشل معالجاتنا البيروقراطية والأمنية والدينية للطائفية وتحولاتها التي تتبلور كمرض عضال‏,‏ لأن ثمة تكيفا مع فيروسها القاتل ولم تعد الأفكار القديمة والحلول والآليات التقليدية قادرة علي وقف تمدد المرض الطائفي‏.‏

بعض رجال الدين ـ والقلة الإصلاحية داخلهم جميعا استثناء ـ يميلون إلى جحد شرعية وأسس الحداثة السياسية والقانونية والثقافية وما بعدها‏,‏ لتصادمها مع بعض أبنية الأفكار والتفسيرات والتأويلات الدينية التاريخية والمحافظة‏,‏ ولا يميلون ـ منذ عقود عدة ـ إلى ممارسة الاجتهاد‏,‏ واستكمال المشروعات التجديدية والإصلاحية المصرية التاريخية في أصول الفقه في تاريخ الأزهر ومدرسة القضاء الشرعي ودار العلوم واللاهوت المسيحي الأرثوذكسي‏.‏ من هنا تبدو محدودية وعجز الآلية الدينية ـ العرفية التقليدية في توظيف بعض أجهزة الدولة الأمنية لها‏,‏ ولبعض رجال الدين في حل المشكلات الطائفية‏,‏ حيث يبرز دورهم في تديين الحلول السطحية للنزاعات والعنف الطائفي‏,‏ وميلهم إلى الأساليب العرفية التي ثبت أنها تسهم في إعادة إنتاج المرض الطائفي‏,‏ بل كرست ودعمت مناعة فيروساته إزاء هكذا نمط من الحلول الوقتية الفاشلة‏!‏

الآلية الأمنية ثبت أيضا حدود فاعليتها في التعامل مع المرض وفيروساته الوبائية‏,‏ وذلك علي الرغم من أنها تعد من أكثر الأدوات الوقتية التي تلجأ إليها الدولة‏,‏ والنظام في التعامل مع أعراضه لا جذوره‏,‏ تميل الأجهزة الأمنية المختصة إلى تغليب اعتبارات المواءمة الدينية والسياسية في التصدي لمواقف العنف والاحتقانات الدينية ـ الإسلامية ـ المسيحية‏,‏ وذلك حتى لا تمتد إلى نطاقات أوسع ويصعب تطويقها‏.‏ ترتيبا علي هذا الإدراك الأمني الجزئي للمرض وتعقيداته‏,‏ يميل القرار البوليسي غالبا إلى اللجوء إلى المجالس العرفية‏,‏ ورجال الدين‏,‏ والاستثناء القبض ـ والاعتقال في ظل نظام الطوارئ ـ لبعض المتهمين والنشطاء الطائفيين‏!,‏ في حال جرائم القتل‏,.‏ والجرح والحرق وتخريب المزروعات‏, ‏ وغالبا ما يتم الإفراج عن بعضهم في ضوء الاتفاقات العرفية لرجال الدين وبعض أعضاء البرلمان من الحزب الحاكم ورجال الأمن وكبار العائلات في الريف‏!‏ يترتب علي ذلك إضعاف قانون الدولة وسيادته‏, ‏ وعدم تطبيقه علي منتهكي قواعده وأحكامه‏.‏

هذا النمط من المعالجات الأمنية لم يعد كافيا ولا ناجعا لمواجهة الوباء الطائفي‏!‏ لابد من إعادة توصيف دور الآلية الأمنية في إطار سياسة الأمن‏,‏ ودورها في سياسة إدارة الصراعات الدينية والمذهبية‏.‏

الآلية التشريعية السائدة هي احد أكثر الأدوات إثارة للمشكلات بدلا عن أن تكون نقطة الانطلاق لحزمة من الآليات الفاعلة في مواجهة الطائفية وتجلياتها ووجهها القبيحة المتعددة‏.‏ السياسة التشريعية المسيطرة‏,‏ تنطوي علي تناقضات عديدة ومستويات عدة منها‏:‏ الإفراط في إنتاج التشريعات التي تنظم المصالح والمراكز القانونية المتصارعة بين أطرافها‏,‏ وبين النظام والمعارضة وحقوق المواطنين لصالح السلطة وأجهزتها‏,‏ وفرض القيود الثقيلة والباهظة علي الحريات العامة والشخصية لأسباب سياسية ودينية ومذهبية وأمنية‏,‏ في ظل عالم معولم يموج بالحريات الديمقراطية‏!‏

البنية الدستورية تنطوي علي بعض التناقضات الراجعة لغموض في بعض الصياغات لمواد رئيسية‏,‏ تؤدي ـ عن عمد لدي بعضهم ـ لمحاولة تحييد‏,‏ أو إعاقة تطبيق النصوص الخاصة بالمواطنة والمساواة بين المواطنين جميعا بلا تمييز أيا كان‏,‏ وحرية التدين والاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية‏.‏ نصوص عامة وشاملة وواجبة التطبيق سواء من الدولة وسلطاتها وأجهزتها‏, ‏ إزاء مواطنيها أيا كانت ديانتهم ومذاهبهم‏..‏ الخ‏,‏ أو من المواطنين إزاء بعضهم بعضا‏.‏

الآلية الدستورية والتشريعية بدت ولا تزال ضعيفة علي أهميتها القصوى‏,‏ وذلك لعديد من الأسباب‏,‏ منها تمثيلا لا حصرا ما يلي‏:‏

‏1- الفجوة بين عمومية النصوص الدستورية‏,‏ وبين القيود التي يضعها المشرع العادي علي عملية تنظيم حقوق المواطنة والمساواة‏,‏ بما يؤدي إلى العصف بها من الناحية الواقعية‏,‏ وكذلك النص علي بعض الإعاقات التي تمس حرية التدين والاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية من مثيل الخط الهمايوني‏,‏ وشروط العزبي باشا ـ وكيل وزارة الداخلية الأسبق ـ العشرة علي بناء الكنائس وترميمها‏.‏

‏2‏ ـ ميل أعضاء البرلمان من الحكومة وغالبية أعضاء الحزب الحاكم في البرلمان إلى عدم المبادرة برفع القيود التشريعية واللائحية والإدارية عن حقوق المواطنة ـ المرأة الأقباط‏..‏ الخ ـ وحرية التدين والاعتقاد‏, ‏ وذلك كجزء من لعبة التواطؤ والمزايدة الدينية مع جماعة الإخوان المسلمين‏, ‏ وبعض الجماعات الدينية والأهلية‏.‏

‏3‏ ـ غياب تصور فلسفي واجتماعي وسياسي لإصلاح النظام الدستوري والقانوني المصري الكلي ـ وأنساقه الفرعية علي اختلافها ـ لدي الصفوة الحاكمة‏,‏ والمعارضة بل لدي غالب رجال القانون والفقه المصري علي نحو يشكل تراجعا عن دور الجماعة القانونية والقضائية التاريخي في بناء الدولة الحديثة في مصر‏.‏

الآلية القضائية علي أهميتها القصوى في حسم النزاعات بين المواطنين حول الحقوق والمراكز القانونية المتنازعة‏,‏ لاسيما في ظل تقاليد القضاء المصري رفيعة المقام‏,‏ إلا أن بعضهم يطرح أسئلة عديدة حول ميل بعض القضاة إلى تغليب المعيار الديني في ترجيح وحسم بعض المنازعات بناء علي تأويلات قانونية لبعض النصوص التي تؤدي إلى نتائج تمييزية في التطبيق القضائي‏,‏ أو ما سبق أن أطلق عليه بعضهم فقه المواءمات القضائي بين أعمال النصوص الدستورية للمواطنة والمساواة والحرية الدينية‏,‏ وبين البيئة الاجتماعية المحافظة‏,‏ ومثالها وضع ديانة البهائيين في الأوراق الثبوتية ـ شهادة الميلاد‏,‏ والبطاقة الشخصية وجواز السفر‏..‏ الخ ـ أو إثبات وقائع التحول الديني من المسيحية إلى الإسلام ثم العودة مجددا إلى الديانة الأولى وهكذا‏..‏ الخ‏!‏

ثمة انطباع شاع حول التحيز الإيديولوجي والديني الذي يبدو واضحا في تأثيره علي بعض الأحكام القضائية الخاصة بقضايا الحسبة التي يرفعها بعض من غير ذوي الصفة والمصلحة‏,‏ من رجال الدين‏,‏ أو المحامين أو المواطنين العاديين لمصادرة بعض الكتب والروايات أو وقف بث بعض المسلسلات التلفازية‏,‏ أو عرض شرائط فيلمية‏,‏ وهو ما أثار تخوفات عديدة لدي بعضهم‏,‏ علي حريات التعبير والإبداع والبحث الأكاديمي‏,‏ والتدين والاعتقاد‏.‏

ذهبت بعض التقارير الحقوقية ـ حول الأحكام الصادرة في دعاوي الحسبة ـ إلى أننا إزاء تديين وتسييس لبعض الأحكام القضائية‏,‏ هذا الاتجاه يعد جزءا من تحولات قيمية وثقافية واجتماعية محافظة أثرت علي كافة قطاعات الدولة وسلطاتها‏,‏ وشرائح اجتماعية عديدة‏,‏ وهو انعكاس للتداخل بين القانوني والسياسي والديني‏,‏ ونجد أثاره بارزة في تاريخ تطور المبادئ القضائية في مصر ـ الإدارية العليا ومحكمة النقض‏,‏ والدستورية العليا ـ من مرحلة سياسية واجتماعية لأخرى في تطور الدولة والمجتمع علي نحو ما أكدته بعض الدراسات الفقهية الرصينة‏.‏

فشل الآليات السابقة ـ جزئيا وفي حالات عديدة ـ يحتاج إلى رؤية فلسفية دستورية وقانونية وسياسية إصلاحية تكرس المواطنة والحريات الشخصية والعامة وفق منظومات حقوق الإنسان لتحرير القواعد الدستورية والقانونية والسياسية من تحيزاتها‏,‏ وكذلك المواطن المصري من أطر الطغيان أيا كانت مصادره وعلاماته‏.‏

والسؤال الدائم ما العمل في مواجهة الطائفية؟‏!‏

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: