13 يناير 2010

اين تراثنا الحضاري في التسامح واحترام التعدد؟؟

Posted in قضايا السلام, مقام الانسان, مصر لكل المصريين, الكوكب الارضى, المبادىء, المجتمع الأنسانى, المحن tagged , , , , , , , , , , , في 3:12 م بواسطة bahlmbyom

فى مقــــــــالة معبرة وتحليل رائع ..للكاتب سعد هجرس قام بألقاء الضوء على هذه المرحلة من حاضرنا والتى نتمنى من الله ان تنتهى ونعاود تراثنا من التسامح واحترام التعددية..

جريدة المصري اليوم – 12 يناير 2010

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=239930&IssueID=1648

سـعد هجـرس يكتب: نجع حمادي.. «حقل الأرز» الذي أصبح«مزرعة ذئاب»

كانت «نجع حمادي» مشهورة لدى المصريين بقناطرها الحارسة للنيل ومياهه المقدسة، كما كانت مشهورة بمجمع الألمونيوم، الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط، وأحد صروح الصناعة التي كنا نعول عليها في الأيام الخوالي.

وقبل هذا وذاك كانت نجع حمادي مشهورة بالمكتبة التي تحمل اسمها، والمعروفة أيضاً باسم «المكتبة الغنوصية» التي تحتوى على الأناجيل والكتابات الغنوصية.. وهى ثروة تاريخية وثقافية كبيرة لهذه المدينة التي كان اسمها في العصر البطلمي «خنوبوسكيون»، ويعنى باليونانية «مزرعة الأرز».

الآن.. ومع دوران عقارب الزمن إلى الوراء تحولت «مزرعة الأرز» إلى «مزرعة للذئاب» وأصبحت نجع حمادي مشهورة بكونها مسرحاً للفتنة الطائفية وإراقة الدماء والقتل على الهوية وترويع الآمنين، في ذات اللحظة التي كانوا يتأهبون فيها للفرح احتفالاً بعيد الميلاد المجيد.

لكن ما هو أبشع من هذه الجريمة الغادرة هو أن نجتر نفس الكلام الفارغ الذي تعودنا ترديده عقب كل حادث طائفي، دون العمل الحقيقي على تجفيف منابع هذه الكراهية الطائفية البغيضة، التي لم تعد كامنة تحت السطح وإنما باتت ظاهرة، بل ومتبجحة، بطول البلاد وعرضها.

ورغم تحذيرات العقلاء من أن الفتنة نائمة وتنتظر من يوقظها في أي لحظة، تجاهل من بيدهم الحل والعقد كل صفارات الإنذار. وكانت نتيجة هذا التعامل البيروقراطي البليد مع ذلك الملف بالغ السخونة هي استمرار الاحتقان الطائفي وتكرار الحوادث الطائفية بمعدل حادثين شهريا خلال العام الماضي وحده، لأننا لم نواجه المشكلة من جذورها واكتفينا بالمسكنات المؤقتة والشعارات الجوفاء.

وها هي النتيجة المرة التي جنيناها نتيجة النظر إلى هذه القضية الخطيرة باعتبارها مجرد «ملف أمنى» رغم تعدد وتعقد جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وإذا كانت جريمة نجع حمادي تقول شيئاً، فإن هذا الشيء هو إنه قد آن الأوان للكف عن هذه السياسة البيروقراطية السطحية الخائبة، وانتهاج سياسة جادة وعلمية تواجه المرض الدفين ولا تكتفي بتسكين الأعراض الظاهرية.

وهذه السياسة البديلة ليست «كيمياء» مستعصية على الفهم، بل هي معروفة وموصوفة، ولخص ملامحها الرئيسية «بيان المثقفين إلى الأمة» في هذه المناسبة الحزينة، حيث أكد أن الإدانة السياسية والأخلاقية والقانونية والأمنية يجب أن تكون هذه المرة حاسمة ولا تمر مثل غيرها من الوقائع الطائفية التي سرعان ما تم تناسيها. وانطلاقاً من ذلك طالب البيان بأن تقوم الأجهزة السياسية والأمنية والقانونية والقضائية بإجراء تحقيق عاجل وشامل في هذا الحادث البشع،

وكشف خفاياه وإلقاء القبض على جميع المتورطين فيه، وتقديمهم إلى محاكمة علنية عادلة وعاجلة، وإعمال القانون بحزم، والكف عن أنصاف الحلول والمساومات المستندة إلى تسويات عرفية عفي عليها الزمن ولم تعد تتناسب مع مبادئ دولة القانون والحق وروح الدولة المدنية الحديثة.

كما طالب البيان بمحاسبة جميع الأجهزة الرسمية التي يثبت تقاعسها، أو إهمالها، في التعامل مع هذا الملف الملتهب، مما أتاح لحفنة من المتعصبين اقتراف هذه المجزرة.

ورغم أن البيان حمَّل المسؤولية الأولى لبعض المؤسسات الرسمية عن استمرار هذه الأحداث المؤسفة، وطالب الدولة ومؤسساتها بإعداد حزمة من السياسات واستراتيجيات العمل اللازمة في المجالات السياسية والإعلامية والتعليمية والدينية والثقافية للتصدي لجذور المسألة الطائفية في مصر، فإنه أهاب بالمجتمع المدني القيام بمسؤولياته لنزع فتيل هذا الحريق الطائفي الذي يهدد الوطن والأمة والدولة الحديثة، فهذا الاحتقان الطائفي هو «نتيجة» لـ«مقدمات» كثيرة سكتنا عنها أو أغمضنا عيوننا أمام استفحالها.

وقد آن الأوان للكف عن سياسة «الإنكار» والادعاء بأن كل شيء تمام، وأن هذه الانفجاريات الطائفية ليست أكثر من أخطاء «فردية».

آن الأوان للاعتراف بأن هناك مشكلة، بل ومشكلة خطيرة، ليس في مصر فقط وإنما في العالم العربي كله، ويكفى أن نلقى نظرة على الخط البياني لأعداد المسيحيين العرب لنكتشف الحقيقة المرة، ألا وهى أن المناخ السائد في هذه البلدان أصبح طارداً لهؤلاء المواطنين المسيحيين، الذين أصبحوا يفضلون الهجرة إلى المجهول بدلاً من البقاء في هذه البيئة غير الصديقة.

انظروا إلى المسيحيين في العراق.. الذين كان تعدادهم قبل الحرب الأمريكية على بلاد الرافدين يزيد على مليون نسمة. الآن هاجر معظمهم ولم يبق إلا طارق عزيز في السجن وبضعة آلاف من العراقيين المسيحيين الذين يعدون حقائب السفر استعداداً لمغادرة «جحيم الوطن» الذي لم يسمح لهم حتى بالاحتفال بعيد الميلاد لتزامنه مع احتفالات الشيعة بـ«عاشوراء»!!

حتى فلسطين التي كان المسيحيون يمثلون ما يقرب من ربع إجمالي عدد سكانها، أصبحت طاردة للمسيحيين من بلد المسيح ومهد المسيحية، ولم يعد هؤلاء يمثلون أكثر من ٥% من إجمالي عدد السكان… و«الفضل» في ذلك يعود إلى إسرائيل اليهودية من جهة و«حماس» الإسلامية من جهة ثانية.. ويا لها من مفارقة!!

ورغم عدم وجود إحصاءات رسمية في مصر، فإن هناك شواهد كثيرة على تزايد معدلات هجرة أقباط مصر في السنوات الأخيرة.

ولا يحتاج الأمر إلى ذكاء خاص للربط بين هجرة المسيحيين العرب، والمصريين، وبين استشراء التيارات الأصولية الإسلامية من المحيط إلى الخليج وترهل الحكومات العربية كلها، بل ومنافسة بعضها لجماعات الإسلام السياسي في ارتداء عمامة الإسلام لترميم شرعيتها المشروخة.

وهذا المؤشر بالغ الخطورة لأنه يعنى باختصار زيف كل الشعارات الأصولية التي تتغنى بالتسامح، ويعنى أن التعصب قد نجح في احتلال مساحات شاسعة من المجتمع فقدت التراث المصري الحضاري في التعايش والتسامح وقبول الآخر الديني، الذي هو في الوقت نفسه مكون رئيسي من مكونات الجماعة الوطنية.

ولعلنا لم ننس بعد تصريحات الشيخ يوسف القرضاوي، وهو مرجع ديني له تأثير واسع النطاق، والتصريحات التي نقصدها هي الخاصة بعيد الميلاد المجيد، والتي قال فيها إن الاحتفال به «حرام وعيب ولا يليق». وطالب التجار الذين يبيعون شجرة عيد الميلاد بالامتناع عن عرضها والإعلان عنها بصورة «تؤذى مشاعر المسلمين».

فإذا كان هذا رأى مرجع ديني يصنفه الكثيرون ضمن فئة «أئمة الاعتدال»، فماذا عساه أن يكون مضمون الخطاب الثقافي الذي يروجه «أئمة التطرف»!!

علماً بأن هؤلاء الذين يرفضون مظاهر احتفال المسيحيين بعيد الميلاد في البلاد العربية هم أنفسهم الذين ملئوا الدنيا صراخاً واحتجاجاً على نتائج استفتاء سويسري بحظر بناء مآذن للمساجد الجديدة في هذا البلد غير الإسلامي.

وها هي مذبحة نجع حمادي تأتى لتبرهن لنا على ضرورة نبذ هذا الخطاب المنافق والمزدوج، وضرورة الاعتراف بالمشكلة وحجمها، من أجل تحليلها وتشخيصها ووضعها على طريق الحل.

وطريق الحل يبدأ بأن يأخذ المجرم جزاءه، فليس منطقيا أو مقبولاً أن تمر كل حوادث الفتنة الطائفية السابقة دون أن يصدر فيها عقاب رادع لشخص واحد!!

وطريق الحل يبدأ بإصدار تشريعين عاجلين كفيلين بتخفيف حدة حالة الاحتقان الطائفي الراهنة:

القانون الأول هو قانون دور العبادة الموحد الذي يكفل هذا الحق لكل المصريين على قدم المساواة.

والقانون الثاني هو قانون مناهضة التمييز بسبب الدين أو اللون أو الجنس أو الوضع الاجتماعي، وعزل الموظف العمومي الذي يتورط في مثل هذه الممارسات التمييزية.

هذان القانونان يمكن أن يخلقا مناخاً مواتياً لمواجهة حالة الاستقطاب الديني الحالية والتقدم نحو تحقيق الاندماج الوطني على قاعدة المواطنة وقاعدة التنوع.. فما أتعسها من أمة تفقد – بإرادتها – أحد مكوناتها الأصلية، وتقضى بنفسها على تراثها الحضاري في التسامح واحترام التعدد، فكأنها شخص يبحث عن القوة من خلال قطع يده اليوم وبتر ساقه غداً.

باختصار.. لقد أصبحنا أمة في خطر، وعندما تكون الأمم في مفترق الطرق لا مجال للعب على الحبال أو إمساك العصا من المنتصف.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: