6 يوليو 2010

فائض التدين والتراجع الأخلاقي…

Posted in قضايا السلام, مقام الانسان, الكوكب الارضى, المكاسب المادية, المبادىء, المجتمع الأنسانى, الأخلاق, التدين, الدنيا tagged , , , , , في 1:26 م بواسطة bahlmbyom

مقــــــــــــالة رائعة لكاتب متميز يقرأ الأحداث ويحللها بمنطق وسلاسة …تحياتى للكاتب الدكتور حنا جرجس..

فائض التدين والتراجع الأخلاقي…

بقلم‏:‏ د‏.‏ حنا جريس

حديثي هذا ليس حديثا في التدين من حيث كونه فعلا دينيا وإنما هو حديث عن التدين من حيث كونه مظهرا اجتماعيا‏..‏ فهناك اتفاق عام بأن فعل التدين إن كان خالصا لوجه الله فهو بالضرورة فعل حسن ينعكس إيجابيا علي أخلاق الفرد والمجتمع

غير أن ما نعانيه الآن في مجتمعاتنا العربية وعلي الأخص في المجتمع المصري هو هذا التناقض الصارخ بين فعل التدين من جهة ومردوده الأخلاقي علي المجتمع من جهة أخري‏.‏ فبينما يرتفع معدل التدين ليصل في المجتمع المصري إلي مائة بالمائة طبقا لما جاء في أحد استطلاعات الرأي‏,‏ يلاحظ الجميع أن الأخلاق الفردية والعامة تتراجع علي نحو مخيف‏,‏ ويكفي أن تطالع بعض صفحات الحوادث في الصحف اليومية حتي تدرك أن معدل تدهور الأخلاق العامة وازدياد معدلات الفساد قد وصل إلي مستويات خطيرة‏.‏
هذا التناقض أثار من جديد السؤال القديم‏,‏ كيف أمكن أن يتدهور المجتمع المتدين علي كل المستويات االمادية والمعنوية‏,‏ وأصبح يعاني من الهزائم في الوقت الذي يتقدم فيه المجتمع غير المتدين وينتقل من انتصار إلي انتصار ويمارس السطوة والهيمنة وإدارة أحوال العالم‏.‏؟
وهو سؤال قديم قدم تاريخنا الحديث‏,‏ وقد تصدي له وحاول الإجابة عليه ثلاثة من شيوخنا الأفاضل من رواد النهضة المصرية الحديثة وعندي أن اول من طرح السؤال كان الشيخ عبد الرحمن الجبرتي‏,‏ الذي بالرغم من مقته الشديد للمحتل الفرنسي‏,‏ تتناثر في حولياته المقارنات بين ما يقدمه المحتل الذي لا دين له من تصرفات أخلاقية حميدة في مواجهة ما كان يصدر من حكامه السابقين الذين يدعون الدين ويغالون في التدين‏,‏ ولعل ابرز الأمثلة التي ساقها كانت في تعلتقاته الكثيرة علي محاكمة سليمان الحلبي والتي رأي فيها مع أخرين من عصره أن قيمة العدل مصونة لدي هؤلاء أكثر بكثير مما رأوه في مجتمعاتهم‏.‏
ثم جاءت مقاربة الشيخ رفاعة الطهطاوي لنفس السؤال‏,‏ التي حاول فيها قراءة الآخر عن قرب ومقارنته بما نحن عليه‏,‏ وهوفي هذا السياق ينكر أن للدين علاقة بالرفعة أو الانحطاط فمسيحيو الغرب استطاعو ا التقدم في المعايير الأخلاقية وهو ما لم يحدث للأقباط في مصر‏.‏
ثم يأتي الإمام محمد عبده الذي يعلن أنه وجد في أوروبا مسلمين بغير إسلام بينما وجد في الشرق مسلمين بغير إسلام‏,‏ وآية ما يطرحه الإمام أن الغرب غير المتدين تقدم فيه النسق الأخلاقي ليقارب لب الدعوة الإيمانية بينما الشرق يملك الدعوة الدينية ولا يستطيع أن يتمثلها نسقا أخلاقيا‏.‏
ويبدو أن القضية كانت مثار اهتمام المثقفين المصرين علي مدي أعوام القرن العشرين‏,‏ ففي أوله قدم لنا فتحي زغلول ترجمة لكتابي جوستاف لوبون‏’‏ سر تطور الأمم‏’,‏ و‏’‏ سر تقدم الأنجليز الساكسونين‏’‏ ليتبعهم كتاب‏’‏ حاضر المصريين أو سر تأخرهم‏’‏ لمؤلفه محمد عمر‏.‏ والمطالع لكل هذه الكتابات يلاحظ أنها امتداد لنفس التساؤل الذي طرحه الجبرتي‏,‏ كيف يكون لدينا هذا الرصيد الروحي الضخم في الوقت الذي نفتقد فيه المعايير الأخلاقية السليمة التي تدفعنا نحو التقدم‏.‏
وليس من شك انه كانت هناك محاولات جادة للخروج من هذا المأزق المركب‏,‏ الذي فيه ينبغي الاعتراف بتردي واقعنا الأخلاقي دون الدخول في عقدة النقص والضآلة وفي الوقت ذاته نتمكن من استلهام المعين الروحي والحضاري للتقدم للأمام وتحسين نسقنا الأخلاقي‏.‏
وعندي أن أهم هذه المحاولات كانت محاولة الإمام محمد عبده الذي حاول الإصلاح الديني كما حاول إصلاح مفهوم التدين‏,‏ غير أن مشروع الامام تحول علي يد الشيخ حسن البنا إلي الدعوة إلي إصلاح المجتمع بالمزيد من التدين‏,‏ ثم تحول علي يد الجماعات الراديكالية إلي إجبار المجتمع علي شكل ومظهر محدد من التدين‏,‏ ثم انتهي عهد السلفية إلي إغراق الفرد والمجتمع في تفاصيل التفاصيل القادمة من دهاليز التاريخ والتراث ليدخل الجميع في مسابقة لا تنتهي من التظاهر الديني علي حساب الالتزام الأخلاقي‏.‏
والمفارقة أن مسار الأقباط لم يختلف قيد أنملة عن المسار العام‏,‏ ففي نفس فترة الإمام محمد عبده أو قبلها بقليل كانت هناك الدعوة الإصلاحية والتي كان يقودها الحداثيون من الأقباط‏,‏ تلك الدعوة التي تحولت علي يد حركة مدارس الأحد في ثلاثينيات القرن العشرين إلي دعوة للتدين التقليدي وتكثيفه‏,‏ ثم انتهت في نهايات القرن العشرين إلي الاستغراق في التدين الظاهري المغلف بتفاصيل تاريخية وتراثية لا تنتهي‏,‏ وأيضا علي حساب الالتزام الأخلاقي‏.‏
وهكذا تحول الدين إلي تدين وتحول التدين إلي فائض من التدين يتم استثماره في الحصول علي المكاسب المادية وتثبيت المكانة الاجتماعية‏.‏ وهو في تقديري استخدام لا أخلاقي للدين بغرض الحصول علي الدنيا‏.‏

http://massai.ahram.org.eg/199/2010/06/26/26/12453.aspx الأهرام المسائي

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: