18 يوليو 2010

العلاقة بين الخير والشر فى الإنسان…

Posted in قضايا السلام, مقام الانسان, القرون, الكوكب الارضى, الميثاق, النظام العالمى, الأفئدة, الأخلاق, حقيقة الوجود tagged , , , , في 1:42 م بواسطة bahlmbyom

وهذا يجعلنا نتطرق للحديث عن المفهوم البهائي للعلاقة بين الخير والشر في الإنسان ويصفها لنا حضرة عبد البهاء بقوله:

“… ليس في الفطرة شر بل كلها خير حتى الصفات والأخلاق المذمومة الملازمة لذاتية البعض من النوع الإنساني فإنَّها في الحقيقة ليست مذمومة. مثلاً يلاحظ في بداية حياة الطفل الذي يرضع من الثدي إنَّ آثار الحرص بادية منه كما يشاهد منه أيضًا آثار الغضب والقهر، وإذا يقال إنَّ الحسن والقبح كلاهما فطري في الحقيقة الإنسانية وهذا مناف للخير المطلق الذي هو في الخلقة والفطرة. فالجواب إنَّ الحرص الذي هو طلب الزيادة صفة ممدوحة لو استعملت في موضعها، فمثلاً لو يحرص الإنسان على تحصيل العلوم والمعارف وعلى أن يكون رحيمًا ذا مروءة وعدالة فإنَّ ذلك ممدوح جدًا. ولكن هذه الصفات لو استعملت في غير موضعها لكانت مذمومة، إذًا صار من المعلوم أنَّه لا يوجد في الفطرة شر أبدًا(41)”.

ولهذا لا يقبل الدين البهائي مفهوم “الخطيئة الأصلية” أو أية عقيدة أخرى تعتبر الناس في الأصل مذنبين أو فيهم الشر أو أنَّ عنصر الشر ضمن عناصر الإنسان الطبيعية. فجميع القوى والملكات الكامنة فينا هي مواهب وبركات إﻟﻬﻴﺔ وذات نفع بشكل عام لنمّونا وتطوّرنا الروحي. وبالمثل فإنَّ التعاليم البهائية ترفض وجود ما يسمّى بالشيطان أو الإبليس أو أية قوى شيطانية. ولكن يمكن تفسير الشر على أنَّه غياب الخير وأنَّ الظلام هو حجب النور وأنَّ البرودة تعنى غياب الحرارة(2).

ومثلما الشمس مصدر الحياة في النظام الشمسي فإنَّ هناك قوة عظمى وقدرة في الكون واحدة، هي تلك التي ننعتها “بالله” جلَّ وعلا.

وعلى أي حال إذا بعدنا عن الله سبحانه وتعالى بمحض إرادتنا أو لم نبذل الجهد الكافي لتطوير قدراتنا الروحية تكون النتيجة النقص والبعد عن الكمال. قد تكون أحيانًا في حياتنا أو في حياة المجتمع نقائص يمكن أن نطلق عليها “نقاطًا سوداء”. هذه النقاط هي النقائص والبعد عن الكمال. وقد وضح حضرة عبد البهاء بأنَّ “الشر هو النقص”.

إذا قام النمر بقتل والتهام حيوان آخر لا يسمّى هذا عملاً شريرًا لأنَّ ذلك تعبير عن غريزة النمر من أجل بقائه. أما إذا قام إنسان بقتل وأكل لحم أخيه الإنسان فإنَّ هذا العمل يعتبر شريرًا وإجراميًا وهو عمل لا يعبر عن طبيعتنا الحقيقية لأنَّنا نستطيع عمل خلاف ذلك.

وبما أنَّنا مخلوقات لم نصل لدرجة الكمال بعد فإنَّ أمامنا احتياجات جوهرية علينا تلبيتها. هذه الاحتياجات جزء منها مادي وملموس وجزء آخر روحي وغير ملموس. إنَّها إرادة الحق التي جعلتنا هكذا ووضعتنا في هذه الرتبة. ولأنَّ محبة الله لخلقه عظيمة وواسعة فإنَّه سخر لنا كل شيء لتلبية احتياجاتنا. أما إذا قمنا بتلبية بعض احتياجاتنا بطرق غير مشروعة أو غير صحيحة متعمدين أو عن جهالة، نكون عندها قد تصرفنا بخلاف طبيعتنا الحقيقية وأوجدنا داخل أنفسنا شهوات جديدة تتعارض واحتياجاتنا الحقيقية. وفي هذا الخصوص يقول حضرة عبد البهاء:

“.. الاستعداد على قسمين: استعداد فطري واستعداد اكتسابي.

فالاستعداد الفطري الذي خلقه الله كله خير محض إذ ليس من شرّ في الفطرة أما الاستعداد الاكتسابي فهو سبب حصول الشر، مثلاً خلق الله جميع البشر ووهبهم قابلية واستعدادًا ليستفيدوا من الشهد والسكر ويتضرروا ويهلكوا من السم، فهذه القابلية والاستعداد كلاهما فطري أعطاهما الله لجميع النوع الإنساني على حد سواء ولكن الإنسان يشرع في استعمال السم قليلاً قليلاً ويتناول منه كل يوم مقدارًا ويزيد عليه شيئًا فشيئًا حتى يصل الأمر إلى أنَّه لو لم يتناول كل يوم درهمًا من الأفيون لهلك وانقلب استعداده الفطري انقلابًا كليًا فانظروا كيف يتغير الاستعداد والقابلية الفطرية تغيرًا جذريًا حتى يتحول إلى العكس بسبب تفاوت العادة والتربية فليس الاعتراض على الأشقياء من جهة الاستعداد والقابلية الفطرية بل من جهة الاستعداد والقابلية الاكتسابية(1)”.

بيّن لنا حضرة بهاء الله بأنَّ الكبر والغرور والأنانية هي من عظائم المعّوقات للنمو الروحي للإنسان. الكبر يعني المبالغة في رفع شأن وأهمية الإنسان لنفسه وهذا يؤدي إلى الإحساس بتفوق الإنسان على الآخرين. إنَّ الشخص المتكبر والمغرور يشعر بأنَّه يسيطر تمامًا على حياته وعلى الظروف المحيطة به كما أنَّه يتطلع إلى القوة والسيطرة على الآخرين لأنَّ هذه القوة والسيطرة تحفظ له الإحساس بالتفوق والتعالي الموهوم الذي يشعر به. وعلى ذلك يعتبر الكبر والغرور عائقًا أمام النمو الروحي لأنَّه يدفع بالإنسان المغرور إلى تصور طموحات عديدة ويحاول تحقيقها ولكنها مبنية على أوهام وخيالات باطلة في ذهنه.

بعبارة أخرى، إنَّ المفتاح لدراسة وفهم الأخلاقيات والسلوكيات البهائية يبدأ بدراسة الفكر البهائي لحقيقة التطور الروحي. فما يفضي إلى الرقي الروحي هو الخير، وما يؤدي إلى إعاقته هو الشر بذاته. وبناء عليه، فمن وجهة النظر البهائية فإنَّ معرفة الخير من الشر أو الصواب من الخطأ يعني الوصول إلى مرحلة معينة من العلم والمعرفة الذاتية التي تتيح لنا درك ومعرفة الشيء المساعد لتطورنا الروحي والشيء المعيق له(1). ولا يمكن الحصول على هذا النوع من العلم والمعرفة إلاَّ من خلال تعاليم الأنبياء والمرسلين.

أكدَّ حضرة بهاء الله كرارًا ومرارًا بأنَّ الدين السماوي هو وحده القادر على إنقاذنا من وهدة الخطيئة والنقيصة. والسبب في ذلك أنَّ الله جلت قدرته أرسل الأنبياء والمرسلين ومظاهر أمره ليضيئوا لنا الطريق للرقي الروحي وأن ينعشوا قلوبنا بمحبة الله لكي ندرك طاقاتنا الحقيقية ونبذل الجهد حتى نبقي على وصال مع الله. هذا هو طوق النجاة الذي يأتي به الدين. إلا أنَّ كل ذلك لا يجنّبنا الوقوع بشيء من “الخطيئة الأصلية” ولا يحمينا من بعض القوى الشيطانية وإنَّما يحررنا من طبيعتنا الدانية ويفك قيودنا التي تجلب لنا اليأس لنا وتهدد حياتنا الاجتماعية بالدمار وتنّور طريقنا نحو سعادة حقيقية ومرضية.

حقًا إنَّ السبب الحقيقي وراء كل ما يعانيه العالم من محن وأزمات وتعاسة تعصف به على مدى واسع هو أنَّ البشرية ابتعدت عن الدين الحقيقي والمبادئ الروحانية. إنَّ العلاج الوحيد وطريق النجاة في أي

عصر كما يعتقد البهائيون هو الرجوع إلى الله مرة أخرى والإيمان برسوله لذلك العصر وأتباع تعاليمه وأحكامه. أشار حضرة بهاء الله بأنَّه لو نظرنا إلى أحوالنا في وضعنا الحالي سندرك في نهاية الأمر ونقر بأنَّنا لا نملك لأنفسنا شيئًا. فكل ما نحن عليه أو نملكه من جسم مادي وروح ما هو إلاّ من خالقنا عز وجل. ولأنَّ الله قد وهبنا كل هذه العطايا، فإنَّنا في المقابل نشعر بالالتزام تجاه سبحانه وتعالى. قال حضرة بهاء الله بأنَّ للعباد وظيفتين تجاه الخالق عز وجل:

“إنَّ أول ما كتب الله على العباد عرفان مشرق وحيه ومطلع أمره الذي كان مقام نفسه في عالم الأمر والخلق… إذا فزتم بهذا المقام الأسنى والأفق الأعلى ينبغي لكل نفس أن يتّبع ما أمر به من لدى المقصود لأنَّهما معًا لا يقبل أحدهما دون الآخر(1)”.

وفي مقام آخر ذكّر حضرة بهاء الله أتباعه بأنَّ تلك الوظيفة التي منحنا الله إياها ما هي إلاَّ لمنفعتنا ومصلحتنا. إنَّ الله ليس بحاجة إلى أدعيتنا وطاعتنا لأنَّه غني عن العالمين. وعلى ذلك يجب أنْ نكون مطمئنين بأنَّ كل ما يفعله الحق تبارك وتعالى هو لخير البشر ونابع من محبته اللامتناهية لمخلوقاته ولا مصلحة له في ذلك. يقول حضرة بهاء الله:

“وكلّما أمرتَ به عبادك من بدايع ذكرك وجواهر ثنائك هذا من فضلك عليهم ليصعدن بذلك إلى مقر الذي خلق في كينوناتهم من عرفان أنفسهم وإنَّك لم تزل كنت مقدسًا عن وصف ما دونك وذكر ما سواك(2)”.

باختصار إنَّ السبب الروحي لحياتنا على هذه الأرض هو الإعداد نفسيًا وروحيًا لأنَّ حياتنا هي مرحلة تطور يجب من خلالها أنْ نركز على تطوير وتنمية حياتنا الروحية الفطرية وقدراتنا الفكرية والذهنية. ونظرًا لأنَّ هذه القوى والقدرات هي الاستعداد الفطري لروحنا الخالد، لذا فإنَّها أبديَّة وعلينا أنْ نجاهد في تطويرها. وطالما أنَّ الروح هو الجانب الوحيد الذي يبقى لنا إلى الأبد، فإنَّه يستحق منّا مثل تلك المجهودات. فكل شيء يدعم تطورنا الروحي هو خير محض وما يعيقه هو شر مقيت.

أرسل الله تعالى الأنبياء والمرسلين ليوضحوا لنا المبادئ الحقيقية التي تحكم طبيعتنا الروحية. من أجل أنْ نتنعم بحياة ناجحة سعيدة يجب أنْ نتوجه إلى الرسالة السماوية ونقبل بتعاليم الأنبياء والمرسلين ومظاهر أمر الله. وبعملية النمو هذه يستطيع الفرد أن يعكس بصورة أكمل تلك الصفات الإﻟﻬﻴﺔ ويتقرب إليها. وفي نفس الوقت إنَّ المبادئ الاجتماعية التي أتى بها الأنبياء والمرسلون إنْ تمَّ تطبيقها بشكل جيد وصحيح فإنَّها تساعد على خلق جو اجتماعي مناسب لعملية النمو الروحي. إنَّ خلق جو اجتماعي كهذا يعتبر من وجهة النظر الروحية ذلك الهدف الأساسي للمجتمع الإنساني.

دراســــــــــــــــــــــــات بهائيـــــــــــــــــــــــة

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: