15 مايو 2014

اضواء على الرسالة المدنية – الجزء الثانى-

Posted in قضايا السلام, مقام الانسان, المبادىء, المجتمع الأنسانى, النضج, الإرادة, التسامح, التعاون, الجنس البشرى, الحياة في 6:00 م بواسطة bahlmbyom

ماهى الصفات الكمالية التى لابد للإنسان التحلى بها  للوصول الى المدنية الإنسانية؟

ولو نظرتم نظرًا دقيقًا لتجلّى لكم أنّ العلّة العظمى للجور والفتور وعدم العدل والإنصاف أو انتظام الأمور إنّما هي من قلّة التّديّن الحقيقيّ وفقر ثقافة الجمهور؛ ذلك بأنّ الأهلين إذا كانوا متديّنين، ماهرين في الكتابة بارعين في القراءة، ثم حصلت لهم مشكلة يرفعون شكواهم إلى حكومتهم المحلّيّة أوّلاً، فإذا رأوا أمرًا مخالفًا للعدل والإنصاف، وشاهدوا من مسلك الحكومة ما ينافي رضاء الباري ويخالف عدل الملك يرفعون قضيّتهم إلى المجالس العليا ويبيّنون فيها انحراف الحكومة المحليّة عن مسلك الشّرع المبين المستقيم، فتطلب المجالس العدليّة صورة للتّحقيق من الجهة المعنيّة. ولا شكّ في أنّ العدل والإنصاف سيشملان ذلك الشّخص. وأمّا اليوم فإنّ أكثر الأهلين فاقدو اللّسان الّذي يظهرون به مقاصدهم وذلك لقلّة ثقافتهم، وكذلك الأشخاص الّذين هم من وجهاء القوم وأكابرهم في أنحاء البلاد، ولمّا كانوا لم يرتقوا إلى درجات المعارف العالية -وهم في باكورة هذه المؤسّسات الجديدة والتّشكيلات الحديثة- لم يتذوّقوا بعد لذّة إحقاق الحقّ وبسط العدل، ولم يرتشفوا من معين الطّويّة الصّادقة والنّيّة الخالصة، ولم يدركوا حقّ الإدراك أنّ عزّة النّفس وعلوّ الهمّة والمقاصد الكريمة والعصمة الفطريّة والعفّة الخلقيّة هي أعظم شرف للإنسان، وأكبر سعادة كلّيّة للعالم، بل يحسبون أنّ النّيل من الحظّ الأوفر والوصول إلى العظمة لا يمكن إلاّ عن طريق جمع الزّخارف الدّنيويّة بأيّ نحو كان.

والآن لا بدّ للإنسان من قليل من الإنصاف حتّى يتفكّر ويرى أنّ ربّ الورى خلقه بفضله وموهبته الكبرى، وشرّفه بخلعة «لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم» فجعله يتنوّر بالتّجلّيات الإلهيّة من صبح الأحديّة وأصبح منبع الآيات الإلهيّة، ومهبط الأسرار الملكوتيّة، واستنار في فجر الخليقة بأنوار الصّفات الكاملة والفيوض القدسيّة، فكيف يلوّث الآن هذا الرّداء المطهّر بدنس الأغراض النّفسيّة ؟ ويستبدل الذّلّ الشّديد بهذه العزّة الأبديّة؟ أتزعمُ أنّكَ جُرْمٌ صغيرٌ وفيكَ انطوى العالمُ الأكبرُ.

إنّ كلّ من لم يحرز هذه الشّؤون الرّحمانيّة، ولم يكن مُظهرًا لمدلول هذه الرّواية الصّحيحة تنقطع عنه نسبة العلم، ولا يعود لائقًا لأن يطيعه الموحّدون.

إنّ أوّل شرط من هذه الشّروط المقدّسة هو أن يكون «صائنًا لنفسه»، من الواضح أنّ المراد لم يكن حفظ النّفس من البلايا والمحن الجسمانيّة، ذلك لأنّ كلّ الأنبياء وجميع الأولياء تعرّضوا لأعظم شدائد العالم، واستهدفوا لسهام بلايا الملل وأذى الأمم، فضحّوا بأنفسهم لخير النّاس، وأسرعوا إلى مشهد الفداء بالرّوح والفؤاد، وزيّنوا هيكل العالم برداء جديد من الفضائل الذّاتيّة والشّيم المرضيّة الاكتسابيّة وذلك بكمالاتهم المعنويّة والصّوريّة. ولكنّ المقصد الأصليّ الحقيقيّ هو الصّيانة من النّقائص الباطنيّة والظّاهريّة، والاتّصاف بأوصاف الكمال المعنويّ والصّوريّ.

imagesوأمّا الصّفة الثّانيّة من صفات الكمال فهي العدل وإحقاق الحقّ، وهو عدم الالتفات إلى المنافع الذّاتيّة والفوائد الشّخصيّة والالتزام بها، وإجراء أحكام الحقّ بين الخلق دون التّحيّز إلى جهة من الجهات، واعتبار الإنسان نفسه كالآخرين عبدًا من عباد الغنيّ المطلق، وعدم انفراده بامتياز ما في أمر من الأمور عن الجمهور إلاّ في الامتياز المعنويّ واعتبار ما هو خير النّاس جميعًا خير نفسه، وبالاختصار اعتبار الهيئة العامّة بمنزلة الشّخص الواحد، واعتبار النّفس ذاتها عضوًا من أعضاء هذه الهيئة الممثّلة، واليقين المبين بأنّ ألم أيّ جزء وتأثّره إنّما هو سبب تألّم كلّ أجزاء الهيئة.

وأمّا الصّفة الثّالثة من صفات الكمال فهي الاهتمام في تربية الجمهور بصدق الطّويّة وخلوص النّيّة، وبذل الجهد البليغ والسّعي الحثيث في تعليم المعارف العامّة، وتدريس العلوم النّافعة، والحضّ على مواكبة التّرقّيات العصريّة، والتّحريض على توسيع نطاق الصّنائع والتّجارة، والتّرغيب في اتخاذ الوسائل الّتي بها تزداد ثروة أهل المملكة، وذلك لأنّ النّاس عامّة لا علم لهم بهذه الأمور الهامّة الّتي فيها البرء المباشر لعلّة الهيئة الاجتماعيّة

المزمنة، فيجب على العلماء العقلاء والعرفاء الألبّاء أن ينهضوا خالصين مخلصين لوجه الله، ويعظوا النّاس وينصحوهم حتّى تتنوّر أبصار الأمّة وتبصر بكحل المعارف، ذلك لأنّ النّاس اليوم صوّرت لهم ظنونهم وأوهامهم أنّ الّذي أيقن بالله وآمن بآياته ورسله وكتبه والشّرائع الإلهيّة، وأصبح مظهرًا لخشية الله يجب أن يظلّ مهملاً متخلّفًا يقضي أيّامه بالكسل والبطالة حتّى يعدّ من المقربين لدى الله الّذين أعرضوا عن الدّنيا وما فيها، وأقبلوا بقلوبهم إلى العالم الأخرويّ ونأوا عن الخلق والتمسوا القرب من الحقّ. ونظرًا إلى أنّه سيُفصّل بيان هذا الأمر في موضع آخر من مواضع هذا الكتاب، رأيت من الأولى تركه الآن.

أمّا بقيّة الصّفات الكماليّة فهي خشية الله ومحبّة الله في محبّة عباده، والحلم والسّكون والصّدق وحسن السّلوك والرّحمة والمروءة والجَلَد والشّجاعة والثّبات والإقدام والجهد والسّعي والكرم والبذل والوفاء والصّفاء والغيرة والحميّة والهمّة والنّخوة ومراعاة الحقوق وأمثال ذلك، وفاقد هذه الأخلاق الحسنة الإنسانيّة يعتبر ناقصًا، ولو أنّنا أتينا على بيان حقائق كلّ واحدة من هذه الصّفات «لأصبح المثنوي [أي هذه الرّسالة] سبعين مَنًّا من الورق

Advertisements

تعليق واحد »

  1. شكرا لمقالك البديع والعميق – ولقد أدركت ان تحقق ذلك يكون ضمنا بالتربيه الروحيه والتعليم الاكاديمى كاساس لتنميه المواهب التى اوجدها الله بفضله فى نفوس عباده والتى اوضحتها سطور المقال – و بالفضل الالهى ومكارم الآخلاق والجهود الصادقه الانسانيه يتحلى الانسان بالكمالات الانسانيه المشروحه و بتطبيقها عمليا تتحقق له المدنيه الانسانيه – وارجو ان اكون قد اصبت الفهم


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: