2 يونيو 2014

اضواء على الرسالة المدنية- الجزء الثالث-

Posted in قضايا السلام, مقام الانسان, مراحل التقدم, المجتمع الأنسانى, المسقبل, المشورة, الأنجازات, الأنسان, الافلاس الروحى, التسامح, التعاون, الجامعة البهائية, الخيرين من البشر, الضمير, دعائم الاتفاق في 12:13 م بواسطة bahlmbyom

التّمدّن الحقيقيّ…

نعم إنّ التّمدّن الحقيقيّ لينشر أعلامه في قطب العالم عندما يتقدّم ذوو الهمّة العالية من أعاظم الملوك الّذين هم مشرقون كالشّمس في عالم الغيرة والحميّة، ويعملون بالعزم الأكيد والرّأي السّديد على خير البشر وسعادته، فيطرحون مسألة السّلام العام في مجال المشورة، ويتشبّثون بجميع الوسائل والوسائط ويعقدون مؤتمرًا عالميًا، ويبرمون معاهدة قويّة، ويؤسّسون ميثاقًا بشروط محكمة ثابتة فيعلنونها، ثمّ يؤكّدونها بالاتّفاق مع الهيئة البشريّة بأسرها، فيعتبر كلّ سكّان الأرض هذا الأمر الأتمّ الأقوم الّذي هو في الحقيقة سبب اطمئنان الخليقة أمرًا مقدّسًا، ويهتمّ جميع قوى العالم لثبات هذا العهد الأعظم وبقائه، ثم تعيّن حدود كلّ دولة وتحدّد ثغورها في هذه المعاهدة العامّة، ويعلن بوضوح عن مسلك كلّ حكومة ونهجها، وتتقرّر جميع المعاهدات والاتّفاقات الدّوليّة وتتحدّد الرّوابط والضّوابط بين هيئة الحكومة البشريّة. وكذلك يجب أن تكون الطّاقة الحربيّة لكلّ حكومة معلومة ومحدّدة، ذلك لأنّه إذا ازدادت الاستعدادات الحربيّة والقوى العسكريّة لدى إحدى الدّول، كان ذلك سببًا لتخوّف الدّول الأخرى.

وقصارى القول يجب أن يبنى هذا العهد القويم على أساس إنّه إذا أخلّت دولة ما بشرط من الشّروط من بعد إبرامه قامت كلّ دول العالم على اضمحلالها، بل هبّت الهيئة البشريّة جميعًا لتدميرها بكلّ قوّتها.

images2فإن فاز جسم العالَم المريض بهذا الدّواء الأعظم لاكتسب بلا ريب الاعتدال الكامل ونال شفاءً دائمًا. فلاحظوا أنّه لو تيسّرت هذه النّعمة للعالم لما احتاجت أيّة حكومة إلى تهيئة المهمّات الحربيّة، ولما اضطرّت إلى اصطناع الآلات الحربيّة الجديدة لقهر الجنس البشري، بل لاحتاجت فقط إلى عسكر قليل يكون سبب أمن المملكة وتأديب أهل الفساد والشّغب وقمع الفتن الدّاخليّة. وبهذا يستريح الأهلون من عباد الله من تحمّل أعباء نفقات الدّول الحربيّة الباهظة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إنّ الكثير من النّاس لا يقضون أوقاتهم دائمًا في اصطناع الآلات المضرّة الّتي تدلّ على الوحشيّة والتّعطّش للدماء، وتنافي موهبة العالم الإنسانيّ الكلّيّة، بل يسعون في تحصيل ما فيه راحة العالمين وحياتهم، ويكونون بذلك سبب فلاح البشريّة ونجاحها، وتستقرّ جميع دول العالم على سرير الملك بكمال العزّة، وتخلد القبائل عامّة والأمم كافّة إلى الرّاحة في مهاد الطّمأنينة.

ويعتبر بعض من لا علم لهم بعلوّ همّة الإنسان أنّ هذا الأمر في غاية التّعقيد والإشكال بل من ضروب المحال، وليس الأمر كذلك، فما من أمر في الوجود مستحيل تحقيقه بفضل الله وعناية مقرّبي عتبته وهمّة الأنفس الكاملة الماهرة الفريدة وأفكارهم الفذّة وآرائهم السّديدة، فالهمّة الهمّة! والغيرة الغيرة! فكم من أمر كان في الأزمنة السّابقة يعتبر من قبيل الممتنعات حيث أن العقول لم تكن تتصوّر وقوعه قطّ، أمّا اليوم فقد أصبح كما نرى سهلا متيسّرا، وكيف إذًا يمكننا أن نفترض استحالة هذا الأمر الأعظم الأقوم الّذي هو في الحقيقة شمس عالم المدنيّة النّوراء، وسبب الفوز والفلاح والرّاحة والنّجاح؟ فلا بدّ من أن يتجلّى شاهد هذه السّعادة في مجمع العالم آخر الأمر، ذلك لان الآلات والأدوات الحربيّة ستبلغ مبلغًا يجعل الحرب فوق طاقة الهيئة البشريّة.

لقد ثبت من هذه التّفاصيل المشروحة الآنفة الذّكر أنّ شرف الإنسان ونبله ليسا في سفك الدّماء والافتراس وتدمير المدن والممالك الأجنبيّة، وتتبير وإبادة الجيوش والأهالي، بل إنّ سبب سعد الإنسان ويمن طالعه هو الاشتهار بمراعاة العدل، وتفقّد حال جميع الرّعايا من أعلاهم إلى أدناهم، وتعمير الممالك والمدن والقرى ومضافاتها وترفيه عباد الله وترويحهم، ووضع أساس قواعد رقيّ الجمهور وازدهار أحوالهم، وازدياد الثّروة العامّة وغناها.

إذًا فسطوة جنود العدل القاهرة في عالم الوجود لا تعادلها أعظم قوى العالم، ولا تقاومها أبنية الحصون الحصينة المرصوصة، ذلك لان كلّ البرايا تستسلم لفتوحات هذا السّيف القاطع طوعًا ورضاءً، وتنال خرائب العالم بهجوم هذا الجند العمران والحضارة في أعلى درجاتهما. وهناك رايتان عظيمتان إذا ورفت ظلالهما على تاج كلّ ملك كانتا لحكومته بمثابة النّيّر الأعظم ونفذت أنوار حكومته السّاطعة في أركان العالم بسهولة تامّة، أمّا الرّاية الأولى فهي العقل، وأمّا الثّانية فهي العدل. فلا يمكن لأيّة قوّة أن تقاوم هاتين القوّتين العظيمتين حتّى لو كانت جبلاً من الحديد أو سدّ الإسكندر. ومن الواضح البديهيّ أنّ حياة هذا العالم الفاني عابرة لا ثبات لها كنسائم الصّبح، فإذا كان الأمر كذلك فطوبى لعظيم خلَّد كره بصيت ممدوح وذكر طيّب في سبيل رضاء الباري.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: