1 سبتمبر 2014

تفهُّم مغزى أحداثِ التّاريخ…

Posted in قضايا السلام, مقام الانسان, مراحل التقدم, المبادىء, المجتمع الأنسانى, المسقبل, المشورة, النضج, النظام العالمى في 8:28 م بواسطة bahlmbyom

تفهُّم مغزى أحداثِ التّاريخ: نداءٌ إلى قادةِ العالم

تنظرُ الجامعة البهائيّة العالميّة إلى الاضطرابات الرَّاهنة والظُّروف المُفجعة التي تمرُّ بها الشؤون الإنسانيّة على أنَّها مرحلةٌ طبيعيةٌ من مراحل التّطوُّر العضويّ الذي يقودُ حتماً في النِّهاية إلى وحدة الجنس البشريّ ضمن نظامٍ اجتماعيٍّ واحدٍ، حدوده هذا الكوكب الأرضيّ.

لقد مرَّ الجنسُ البشريّ، كوحدةٍ عضويّةٍ متميِّزةٍ، بمراحل من التّطوُّر تُشبهُ المراحل التي تصاحب عادةً عهد الطُّفولة والحداثة في حياة الأفراد. وها هو الآن يمرُّ في الحقبة الختاميَّة للمرحلة العاصفة من سنوات المُراهقة، ويقترب من سنِّ الرُّشد الذي طال الانتظار لبلوغه. إنَّ عمليّة الاندماج والتّكامل العالميّ في مجال المال والأعمال والاتِّصالات – وهي الآن حقيقة واقعة – قد أخذت طريقها إلى عالم السِّياسة أيضاً.

imagesلقد تسارعت هذه العمليّة عبر التّاريخ بسبب أحداث مأساويّة مُفجعة ومفاجئة. فالدَّمار الذي أحدثته الحرب العالميّة الأولى ثم الثَّانية أنجبَ عصبةَ الأمم ثم الأمم المُتّحدة على التَّوالي. فهل ستتحقَّق لنا الإنجازات المستقبليّة بوسيلة تجارب لا يمكن تخيُّل ما فيها من رعب وهلع، أم بفضل الإرادة على التَّشاور والحوار؟ إنّه خيارٌ يواجه سكَّان الأرض قاطبةً. وعليه سيكون الإخفاق في اتّخاذ موقفٍ حازمٍ مخالفاً لما يُمليه الضَّمير، وتقصيراً في تحمُّل المسؤوليّات وحيث أن السّيادة في الوقت الحاضر للدّولة، فإنّ الواجب في وضع هيكلِ النِّظام العالميّ الجديد بكلِّ دقَّة ووضوح يقعُ على كاهل قادة الدُّول ورؤساء الحكومات. لذا نناشد القادة في مختلف المستويات أن يقوموا بدورٍ هادفٍ بنّاءٍ في دعمِ اجتماعٍ لقادة العالم وتنظيمه قبل انتهاء القرن الحاليّ، وذلك للبحث قي كيفيَّة تحديد النِّظام العالميّ وإعادة بناءِ هيكله على نحوٍ يستطيع به أن يواجه التَّحديات التي تؤرِّق العالم. ويمكن تسمية هذا الاجتماع، كما اقترح البعض، “القمة الدّوليّة للسّياسة العالميّة.

هذا المؤتمرُ المُقترح يمكن أن يقومَ على حصاد تجارب من سلسلةِ المؤتمرات النّاجحة التي عقدتها الأمم المتّحدة في أوائل التّسعينيّات؛ ومنها: القمّة العالميّة للطّفولة عام 1990، وقمّة الأرض عام 1992، والمؤتمر العالميّ لحقوق الإنسان عام 1993، والمؤتمر الدّوليّ للسّكان والتّنمية عام 1994، والقمّة العالميّة للتّنمية الاجتماعيّة عام 1995 ، والمؤتمر العالميّ الرّابع للمرأة عام 1995. وقد وضعت هذه المؤتمرات جميعها أسلوباً جديداً للمداولات والحوار الدّوليّ في القضايا الهامّة والحسّاسة وكان من أهمّ أسباب النَّجاح في هذه المُداولات تلك المشاركة الفاعلة للهيئات المدنيّة. فالمناقشات المستفيضة المُضنية بين الوفودالرَّسميّة، حول إعادة هيكلة البُنَى السِّياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة العالميّة، قد تحدّدت وتشكّلت بالانخراط المباشر والمؤثّر لهذه المؤسّسات في المناقشات، بما يعكس احتياجات الأفراد واهتماماتهم على مستوى القاعدة. ومن الجدير بالذِّكر أنّ اجتماع قادة العالم في كلِّ مناسبة، بحضور الهيئات المدنيَّة والأهليَّة ووسائل الإعلام العالميَّة، كان يُضفي على فعاليّات المؤتمر طابعاً قانونيّاً وإجماعاً عالميّا ينتابُ البعضَ خوفٌ من وصول المؤسّسات السّياسيّة الدّوليّة إلى المركزيّة المُفرطة في اتّخاذ القرارات؛ مما يخلق حاجزاً من البيروقراطيّة لا مبرِّر له. ولا بدَّ من التّأكيـد هنا، بكلِّ قوّة ووضوح، على أنّ أيَّ هيكلٍ للسِّياسة الدّوليّة عليه – من حيثُ المبدأ ومن الناحية العمليّة – أن يضمنَ بقاء مسؤوليّة اتّخاذ القرار في المستويات المُلائمة.

إنَّ تحقيقَ التَّوازن المطلوب ليس سهل المنال دائماً. فالتّنمية الجادّة والتّقدم الحقيقيّ لا يمكن إحرازهما إلا بجهود النَّاس، فُرادى وجماعات، في مواجهة الاهتمامات والمُتطلَّبات، طبقاً لمكانهم وزمانهم. ويمكن أن يُقال هنا أن اللاّمركزية في اتِّخاذ القرار أمرٌ لا بدَّ منه لعمليَّة التّطوُّر. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنَّه من الواضح أنَّ النِّظام العالميّ يحتاج إلى درجةٍ من التَّوجُّه العالميّ والتّنسيق الدّوليّ.

لذلك، وطبقاً لمبادئ اللاّمركزية المذكورة أعلاه، فإنّ المؤسّسات يجب أن تُمنح صلاحيَّة العمل فقط في تلك الشّؤون العالميَّة التي تعجز فيها الدُّول المُستقلَّة عن التَّصـرُّف بشأنها، أو التّدخّل للمُحافظة على حقوق الشّعوب والدّول الأعضاء. أما الشّؤون الأخرى، فيجب تفويضها للمؤسّسات الوطنيّة والمحليّة في الدّولة بالإضافة إلى ذلك، على قادة العالم أن يُمعنُوا النَّظر في مجموعةٍ من أساليب الحُكم ووسائله بهدف التَّوصل إلى صيغةٍ محدّدةٍ للنِّظام العالميّ في المستقبل. فبدل أن يؤسَّس طبقاً لأنظمة حكمٍ قائمةٍ، يمكن للنّظام المقترح أن يستوعب في إطاره تلك العناصر والمفاهيم والأساليـب الإيجابيّة في كلٍّ منها.

وعلى سبيلِ المثال، فإنَّ النِّظام الاتِّحادي يعتبر أحد الأنظمة الحاليّة التي جرى اختبارها عبر السّنين، ويمكنه أن يحتضن التَّنوع والتَّعدد ضمن إطار الوحدة والاتّحاد. وقد أثبت كفاءته في تحقيق اللاّمركزية في السُّلطة، وفي صنع القرار بين دول معقَّدة التَّركيب غير متجانسة، محافظاً في الوقت نفسه على مستوى من الوحدة والاستقرار. ونموذج آخر يستحقُّ الدِّراسة هو نظام رابطة الشُّعوب (الكومنولث)، إذا ما طُبِّق عالمياً فإنه يُؤْثِرُ مصالح المجموع على المصلحة القوميَّة.

images (1)إنّ بذل عناية فائقة في تصميم هيكل النِّظام العالميّ هو ما يجب أن يحوز على اهتماماتنا حتى لا يتحوَّل مع السِّنين إلى شكلٍ من أشكال الاستبداد، أو حكم الأقليّة، أو الغوغائيّة التي تفسد أجهزة المؤسّسات السّياسيّة ذات العلاقة وأنشطتها.

في عام 1955، وفي تقييم العقد الأوّل لميثاق الأمم المتّحدة، قدّمت الجامعة البهائيّة العالميّة بياناً إلى الأمم المتّحدة مستنداً إلى أفكار صاغها حضرة بهاء الله قبل قرنٍ تقريباً. إنّ المفهوم البهائيّ للنّظام العالميّ محدّدٌ بالإطار التّالي: ” إنَّ شكلاً من أشكالِ الحكومة العالميّة يجب أن يتطوَّر، فتتنازل من أجله جميع أمم العالم طوعاً عن جميع ادِّعاءاتها في شنِّ الحُروب، ويكون له حقّ فرض الضّرائب والحدّ من التّسلّح واقتصاره على حفظ الأمن الدّاخليّ ضمن حدود سيادته. ومثل هذه الحكومة يجب أن تضمَّ، ضمن إطارها، هيئةً تنفيذيّةً عالميّة تستطيع أن تفرض سلطتها العُليا، التي لا ينازعها فيها أحد، على كلِّ عضوٍ معاندٍ من أعضاء الجامعة الدَّوليّة. وأنّ برلماناً عالمياً يُنتخب أعضاؤه من بين شعوب الأقطار، وتصادق على انتخابهم حكومات الأقطار ذاتها، يجب أن ينشأ، علاوة على محكمة عُليا تكون أحكامها ملزمةً للفرقاء المعنيّين حتّى في الحالات التي يمتنع فيها أولئك الفرقاء عن عرض قضيّتهم عليها طوعاً.

وبينما نحن نؤمن بأنّ شكلَ هذه الحكومة العالميّة هو الضَّمان الوحيد للإنسانيَّة والمصير الحتميّ لها، فإنّنا نُدرك بأنَّها تمثِّل صورة المجتمع الدَّوليّ في المدى البعيد. وعلى ضوء الضّغوط التي تمثّلها طبيعة المصالح بين الدّول في الوقت الحاضر، فإنّ العالم في حاجةٍ إلى خطط استراتيجيّة جريئة وعمليّة تتجاوز مجرَّد رسم صورةٍ للمستقبل. ومع ذلك، لو ركَّزنا على هذا المفهوم وأخضعناه لاهتماماتنا سينبثق عنه توجُّه واضحٌ متناسقٌ نحو تغييرٍ جوهريٍّ من بين العديد من الأفكار والنّظريّات المُتضاربة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: