7 نوفمبر 2014

أضواء على كتاب قرن الأنوار – الجزء الأول-

Posted in قضايا السلام, مقام الانسان, مراحل التقدم, القرون, الكوكب الارضى, المفاهيم, المبادىء, المجتمع الأنسانى, المسقبل, الأنجازات في 11:57 م بواسطة bahlmbyom

إن الكشف عيوب حضارة عظيمة لا يعني بالضرورة إنكار ما جاءت به من الإنجازات والمآثر. ففي بواكير القرن العشرين كان يحق للشعوب الغربية أن تشعر باعتزاز يمكن تبريره،

وذلك ن1ظرا لما حقّقته مجتمعاتها من تقدّم ونمو في المجالات التقنية والعلمية والفلسفية. فإثر عقود متتالية من الاختبارات العلمية وجد الغرب رهن يديه الوسائل والأدوات المادية التي كان يستحيل لسائر البشر آنذاك تقديرها حق قدرها. وقامت الصناعات الكبرى لتكرّس نشاطاتها في استخراج المعادن، وفي صناعة المنتجات الكيماوية من كل نوع، وفي إنتاج المنسوجات، وفي تطوير أعمال البناء، واختراع الآلات والمعدات التي حسّنت وسهّلت كلّ وجه من أوجه الحياة. واستمرّت دورة حافلة من الاكتشافات وتصميم النماذج والتحسينات العامة لتضع في متناول اليد قوّة هائلة لا يمكن تخيّلها. ولكن للأسف صاحبت ذلك نتائج وخيمة لم تخطر على بال أحد حاقت بالبيئة بسبب استخدام الطاقة رخيصة التكاليف من الوقود والكهرباء. وشهد ”عصر السّكك الحديد“ تقدّما عظيما آنذاك، وانطلقت البواخر تبحر عبر خطوط الملاحة العالمية. وبانتشار الاتصالات الهاتفية والبرقية ترقّبت المجتمعات الغربية تلك اللحظة التي تتمكّن فيها من هدم حواجز العزلة التي فرضها بُعد المسافات الجغرافية على البشرية منذ فجر التاريخ.

أمّا التّحولات التي جرت في أعمق مستويات الفكر العلمي فقد كانت أبعد من ذلك أثرا. فعند نهاية القرن التاسع عشر اتّخذ الفكر العلمي ما يلزم من الخطوات لتحدّي آراء إسحاق نيوتن (1633-1727) القائلة إن العالم يخضع لنظام آلي هائل يشبه آليّة ساعة كبيرة، وهي الآراء التي استحوذت على الأفكار آنذاك. وبرزت إلى الوجود آراء جديدة أدّت إلى قيام نظريّة ميكانيكا الكم أو الميكانيكا التقديرية. وبعد فترة وجيزة تمّ اكتشاف النظرية النسبية فكانت لها آثار أحدثت انقلابا غيّر المفاهيم وشكّك في ”المذهب الظاهري“ القائل بأن معرفة العالم تعتمد على اعتبار الظواهر وحدها بأنها الحقائق. وكان ”المذهب الظاهري“ هو السائد حينذاك وقد أقرّه الاعتقاد بأنه مذهب نابع من منطق وحسن تقدير.

وقد شجّع مثل هذه الفتوحات العلمية الجديدة وعزّز آثارها التغيير الذي طرأ على ميدان الأبحاث العلمية، وتحوّل البحث العلمي من نشاط متفرّد لعدد من العلماء ليصبح نشاطا منتظما شغل اهتمام المجتمع العلمي العالمي الواسع ذي الأثر والنفوذ، وتمتّع بالimages1منافع التي توفّرها له الجامعات والمختبرات والندوات لتبادل المعلومات عن اكتشافات التجارب العلمية. ولكن قوّة المجتمعات الغربية لم تقتصر على التقدم العلمي والتقني. فمع بزوغ القرن العشرين بدأت الحضارة الغربية تجني ثمار ثقافة فلسفية عجّلت بإطلاق الطاقات البشرية، وكان لها صدى مؤثّر سرعان ما أحدث ثورة فكرية في جميع أنحاء العالم. وعزّزت تلك الثقافة فكرة قيام الحكم الدّستوري، وحبّذت مبدأ سيادة القانون واحترام حقوق كل فرد من أفراد المجتمع، ووضعت نصب أعين المتأثرين بها رؤية مستقبلية لعصر تسود فيه العدالة الاجتماعية. ولئن كانت أساليب الخطب التي تسهم في تضخيم الشعور بالوطنية في البلدان الغربية تبالغ في المفاخرة بالحرّية والمساواة، فشتّان ما كان بينها وبين واقع الحال. إلا أنه حقّ لأهل الغرب أن يعتزّوا ويفخروا بما أحرزوه من تقدّم نحو تلك المثُل التي تم تحقيقها في القرن التاسع عشر.

أمّا من وجهة النّظر الروحية فقد استحوذت على ذلك العصر ازدواجيّةٌ ظاهرة التناقض غريبة الشكل، وكان الأفق الفكري في اتجاهاته كلها تقريبا ملبّدا بغيوم الخرافات نتيجة السعي إلى محاكاة العصور السابقة وتقليدها تقليدا أعمى. وأمّا بالنسبة إلى معظم سكان العالم فإن نتائج ذلك المسعى تركتهم يتأرجحون ما بين عمق الجهل بالنسبة لما يعرفونه سواء عن الإمكانات المتاحة للبشر والعالم المادي من جهة، وتمسّك ساذج بالعلوم اللاهوتية التي كادت تكون معدومة الصلة بالتجارب الحياتية من جهة أخرى. وحيث نجحت رياح التغيير في تبديد الغيوم من آفاق الطبقات المثقفة في بلاد الغرب، كانت العقائد التقليدية المتوارثة تغيب معظم الأحيان لتحل مكانها علمانية باغية كأنها آفة من الآفات، فبعثت الشكّ والارتياب في النفوس حول طبيعة الجنس البشري الروحية، وحول الالتزام بما تفرضه علينا المُثُل والقيم الأخلاقية. وقد ظهر في كلّ مكان أن العلمنة، التي بدأت تسيطر على أعلى مستويات المجتمع، كانت كأنها تسير متضافرة ومتوازية مع تفشّي الجهل الديني بين عامة الناس. وبما أن للدين نفوذا بعيد الأثر في النفس الإنسانية وسلطانا فريدا في نوعه يطالب أتباعه بالتسليم والخضوع، أبقت التعصّبات الدينية نار الحقد المرير والعداوة الهامدة تحت الرماد حيّة في كل البلدان أجيالا متعاقبة واستعرت بعد ذلك لتغذّي ما وقع من الأهوال والكوارث في العقود اللاحقة.

كان الفضل لحضرة عبد البهاء في أنه كفل للنظام الإلهي الذي أبدعه حضرة بهاء الله الوسائل والغايات المطلوبة لتحقيق أهداف ذلك النظام الذي يسعى إلى توحيد العالم الإنساني وإلى إقامة العدل في الحياة الجماعية للبشر. إن قيام الوحدة والاتّحاد بين البشر، حتى ولو كان ذلك على أبسط المستويات، يستدعي توفّر شرطين أساسيين. أولاً: ينبغي لأولئك المعنيين بالوحدة والاتحاد أن يتفقوا نوعا ما على موضوع الحقيقة وطبيعتها لأن ذلك يؤثر على علاقاتهم بعضهم ببعض وبالعالم الظاهري أيضا. ثانياً: ينبغي لهم أن يوافقوا على وسائل معترف وموثوق بها لاتخاذ القرارات التي تحكم ارتباط بعضهم ببعض والتي تحدد أهدافهم المشتركة.

ليس الاتحاد مجرّد ظرف طارئ يأتي نتيجة شعور متبادل بوجود نيّات حسنة ومصالح مشتركة، مهما بلغ صدق هذه المشاعر وعمقها. كذلك الأمر بالنسبة لأي كائن عضوي. فوجوده ليس مجرد اتّحاد للعناصر المختلفة يتم مصادفة وبطريقة عفوية اعتباطية. إن الاتّحاد ظاهرة من ظواهر القوة الخلاّقة التي تثبت وجودها وتترك آثارها في ما يبذل من جهود جماعية، ونحس بغيابها عندما تفشل هذه الجهود ويصيبها العجز والشلل. ولكن مهما تعطّلت هذه الوحدة بسبب الجهل والضلال أحيانا، فإن هذه القوة الخلاّقة كانت ولا تزال الدافع الأول في تقدّم الإنسانية ورقيّها، فهي التي أنجبت القوانين والشرائع، وصاغت النظم السياسية والاجتماعية، وأبدعت المآثر الفنّية، وأحرزت الإنجازات التقنية التي لا نهاية لها، وفتحت آفاقا جديدة لرفع مستويات الأخلاق والآداب، وحققت الازدهار المادي، وأفلحت في إقامة عصور من السلام العام لحقب طويلة من الزمان بقيت آثارها متوهجة في حافظة أجيال متعاقبة من البشر، صوّرتها مخيّلاتهم على أنها ”عصور ذهبية.“

وبواسطة الظهور الإلهي في عصر النضج الإنساني انطلقت من عقالها أخيرا القدرات الكامنة كلّها في هذه القوة الخلاّقة وتأسست الوسائل الضرورية لتحقيق الأهداف والغايات الإلهيّة. ففي ألواح الوصايا، التي وصفها حضرة شوقي أفندي بأنها ”الوثيقة“ المؤسّسة للنظام الإداري، شرح حضرة عبد البهاء بالتفصيل طبيعة النظامين التوأمين ودور كل منهما، وبيّن أن هذين النظامين هما ولاية الأمر وبيت العدل الأعظم وأنهما في مقام الخلافة من بعده، يكمّل الواحد منهما الآخر في ما يؤديه من وظائف ومسؤوليات، وذلك لضمان وحدة الأمر الكريم واتّحاده وتحقيق أغراض رسالته في هذا الدور، إضافة إلى ضمان وحدة نظامي ولاية الأمر وبيت العدل الأعظم.

كتابات بيت العدل الأعظم

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: