3 ديسمبر 2014

أضواء على كتاب قرن الأنوار- الجزء الثانى-

Posted in قضايا السلام, مقام الانسان, مراحل التقدم, القرن العشرين, القرون, الكوكب الارضى, المفاهيم, المكاسب المادية, المبادىء, المجتمع الأنسانى, الأخلاق, الأديان العظيمة في 12:03 ص بواسطة bahlmbyom

imagesأما الباعث على هذه الأزمات السياسية والاجتماعية فقد كان الانتشار الجامح لذلك الداء الذي ألمّ بالروح الإنسانية وتأصّل فيها. فكان هذا الداء في ما أوقعه من الخراب والدمار أشد عتّوا وأعمق أثرا وبُعدا من الأعراض الخاصة الظاهرة لذلك الداء. وسجّل هذا الداء بتفاقمه وانتشاره انتصارا كان بمثابة مرحلة جديدة في الشؤون الإنسانية تنذر بعظيم الشرور والمخاطر في سياق الانحطاط الاجتماعي والروحي الذي كان قد وصفه حضرة شوقي أفندي. ومن هنا ظهرت المادّية وهي كاملة تامّة النّمو في النصف الثاني من القرن العشرين وكأنها دين عالمي لتبسط سلطانها المطلق على حياة البشر الشخصية والاجتماعية. فقد وُلدت المادية من الفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر واكتسبت نفوذا عظيما نتيجة الثقافة الأمريكية الرأسمالية، ومن ثم أضفت عليها الماركسية صدقية زائفة هي من خصائص المذهب الماركسي. أما العقيدة المادية فقد اعتمدت مبدأ تبسيطيا. إذ أكدت أن الحقيقة الإنسانية ونسق تطورها في طبيعتها مادية الأساس، وأنَّ هدف الإنسانية يجب أن يكون بالأحرى هو سد الحاجات والمتطلبات المادية وأن المجتمع موجود وقائم لتحقيق هذه المطالب، إضافة إلى أن الاهتمام الجماعي للجنس البشري يجب أن يعمل باستمرار على تحسين النظام، وأن يكون هذا النظام متمتّعا دوما بالكفاءة والقدرة على تأدية وظائفه المحدّدة.

بانهيار الاتحاد السوفييتي انعدمت الدوافع والرغبات في بعث أنظمة جديدة قائمة على أسس العقائدية المادية أو الترويج لمثل هذه الأنظمة. وبات من غير المجدي أيضا السعي في هذا السبيل نظرا لتفشّي المادية بشكل لم تكن تواجه فيه أية تحدّيات في معظم أنحاء العالم. وأما الدّين فقد قلّ شأنه وانقلب بالتدريج ليصبح مذهبا خاصا هدفه أن يتوافق مع الميول الشخصية والفكرية للفرد أو طريقة يتبعها لسد حاجاته الروحية والعاطفية، كما أنه اندفع نحو التعصّب والتّزمّت ورفض التقدم دون وعي أو تفكير. فالأديان العالمية الكبرى التي عبّرت عن أهدافها رسالاتها التاريخية العظيمة اكتفت في نهاية المطاف بأن تبسط غطاء شرعيتها على حملات التغيير الاجتماعي التي تشنّها حركات علمانية. أما الوسط الأكاديمي الذي كان في زمن من الأزمان مسرحا للإنجازات الفكرية والروحية العظيمة، فقد اكتفى بأن يكون دوره عبارة عن مصنع دراسي همّه الوحيد هو صيانة آلاته والمحافظة على معداته من أبحاث تُقدّم، وندوات تُعقد، ومنشورات تصدر، ومنح مالية تُعتمد.

ومهما كان تعريفنا للفلسفة المادية بأنها وليدة فلسفة دنيوية أو شهوة غريزية، فإن من آثارها تجريد الحافز الإنساني – وحتى الرغبة الإنسانية ذاتها- من الدوافع الروحانية التي تميّز النفس الناطقة. فقد تفضّل حضرة عبد البهاء قائلا بهذا الخصوص: ”إن طينة الإنسان مخمّرة بحُبّ الذات، ولا يتمكّن أحد أن يتخلّى عن مصالحه المادية المؤقتة، إلا أملا في الأجر الجزيل والثواب الجميل.“109 فإذا فُقد الإيمان بأن الحقيقة في جوهرها روحية الأصل وانعدم الاطمئنان النفسي الذي يبعثه هذا الإيمان، فليس من الغرابة أن نجد في قرار الأزمة الروحية التي تمر بها الإنسانية اليوم مبدأ عبادة الفرد، وهو مبدأ يزداد تحرّرا وانطلاقا من كل الضوابط يمجّد حب التملّك ويزيّن توخّي المنفعة الذاتية رافعا هذا الطموح إلى مرتبة القيم الأخلاقية السامية. وكان من نتائج تفتيت المجتمع وتشذّبه على هذه الصورة حلول مرحلة جديدة في سياق هذا التفكّك الاجتماعي، وهو الموضوع الذي تحدّث عنه بكل إلحاح حضرة شوقي أفندي في آثاره الكتابية.

إن الإذعان والقبول بكامل الرضا لما يحدث من تمزيق خيوط النسيج الأخلاقي خيطا خيطا هو من قبيل خذلان للنفس في مواجهتها واقع الحال وحقيقة الأمر. فالنسيج الأخلاقي هو الذي يوجّه الحياة الفردية ويضبطها في أي نظام اجتماعي. وإذا ما توخّى قادة الفكر، في تقويمهم للأدلة والبراهين، الصراحة والصدق وجدوا في تمزّق النسيج الأخلاقي هذا الأسباب الجذرية للمشكلات والقضايا التي تبدو كأن لا رابط بينها مثل قضايا تلوّث البيئة، والتحوّلات الاقتصادية والعنف الموجّه ضد الفئات الإثنية إضافة إلى انتشار اللامبالاة انتشارا عاما، وتفاقم الجريمة تفاقما هائلا، وأخيرا تفشّي الأوبئة التي تهلك مجتمعات بأسرها. ومهما كان عدم الشكّ في أهمية الاستعانة بالخبرات القانونية والاجتماعية والتقنية لمعالجة هذه القضايا، فمن غير المعقول أن نتصوّر أن أي مجهود في هذا السبيل قادر على أن يجدي نفعا في شفاء العلل المستشرية شفاء تاما ما لم يحدث هناك تحوّل جذري وتغيير فعلي في مجالي الوعي الأخلاقي والسلوك الإنساني.

إن الإنجاز الذي حقّقه العالم البهائي في تلك السنوات بالذات يزداد بروزا وتألّقا أمام خلفية مثّلت أفقا داكنا ملبّدا بالغيوم. ولعّله من المستحيل أن نغالي في أهمية هذا الإنجاز الذي مهّد السبيل لتأسيس بيت العدل الأعظم مهما بالغنا في وصفه. فعلى مدى ما يقرب من ستة آلاف سنة جرّبت الإنسانية واختبرت عددا لا يحصى من النظم والأساليب بحثا عن نظام يضمن اتخاذ القرار الجماعي. ويوفّر لنا القرن العشرون وضعا يتيح لنا رؤية واضحة لتاريخ العالم في ذلك القرن، وهو تاريخ ذو مشاهد دائمة التحوّل والتغيير لم يترك فيه النبوغ الإنساني فرصة إلا وحاول إيجاد مثل هذا النظام. وتكاثرت المحاولات وتعدّدت في هذا السبيل وانتشرت انتشارا واسعا دون أن يعيقها عائق وشملت أنظمة اختلفت مناهجها والقواعد التي قامت عليها لتأتي بأنظمة للحكم من دينية وملكية وأرستقراطية وفئوية [أوليغاركية] وجمهورية، وحتى ما يشبه الفوضوية. وصاحب هذه المحاولات استحداث أشكال أخرى لا نهاية لها سعت إلى دمج أو مزج الميزات المختلفة المطلوبة لهذه النظم والمحاولات. ورغم أن كل واحدة من هذه الخيارات قد أسيء استخدامها أو استغلّت بشكل ما أو بآخر، فقد أسهمت في معظمها ولا شك، وبدرجات متفاوتة، في تحقيق آمال أولئك الذين كان من المفروض أن تُعنى هذه الأنظمة بخدمتهم وصيانة مصالحهم. ففي أثناء هذه المرحلة الطويلة من تطوّر الحكم السياسي وأنظمته بسط واحد من هذه الأنظمة أو غيره سيطرته على عدد من الشعوب متعددة الأجناس فتزايدت وتوالت الأطماع التي طالما راودت خيال زعماء تلك الأنظمة التوسعية من أمثال نابليون والقياصرة لبناء إمبراطوريات واسعة عالمية النطاق. ونتج عن تلك الأطماع والمطامح سلسلة من المحاولات الفاشلة في هذا السبيل جلبت معها الفواجع والمصائب لتؤثر في قارئ التاريخ وتبعث في نفسه إما إعجابا يبلغ حد السحر أو رهبة تبلغ حد الفزع في آن معا ثم لتبرهن برهانا قاطعا على أنه يستحيل على أي قوى بشرية تحقيق تلك الأطماع والطموحات مهما بلغت مصادرها من الوفرة والسعة أو مهما كان اعتدادها بعبقرية حضارتها الخاصة بها.

من الواضح الجليّ أن المرحلة القادمة في التطوّر الحضاري ستتمثل في وحدة الجنس البشري واتّحاده في ظل حكم نظام يساعد على إطلاق جميع القدرات الدفينة في الطبيعة الإنسانية والسماح لها بحرية التعبير في شكل برامج مفيدة تخدم الجميع. إن اتحاد هذا الكوكب من الناحية الطبيعية المادية إضافة إلى انبعاث الآمال والتطلّعات لدى الجماهير من سكّانه قد أفضى أخيرا إلى توفّر الشروط التي تسمح بتحقيق تلك الغاية المثلى بالوحدة والاتّحاد، ولكن على صورة تختلف تماما عمّا دغدغ خيال أباطرة الماضي في أحلامهم الإمبراطورية. وتمّ في مسيرة هذه الجهود وسياقها اشتراك حكومات العالم في تأسيس هيئة الأمم المتحدة مع كل ما تغدقه تلك الهيئة من عظيم البركات وكل ما يعيبها من نقائص تدعو إلى الأسف.

فهناك تقبع في طي المستقبل تغييرات عظيمة الشأن سوف تجبر العالم في نهاية المطاف على قبول مبدأ الحكومة العالمية، وإن كانت الأمم المتحدة الآن غير مكلفة ولا تملك القدرة على تحقيق هذا المبدأ في حين لا تنمّ المحادثات والمشاورات الدائرة بين القادة السياسيين عن أي دليل يدعو إلى القول إن هناك تصوّرا جدّيا لإحداث مثل هذه التغييرات الجذرية وبناء النظام الذي يقوم على إدارة شؤون هذا الكوكب الذي نعيش عليه. فقد وضّح حضرة بهاء الله بشكل لا لبس فيه ولا غموض أن الحكومة العالمية لا بد أن تتحقّق وتقوم في الوقت المناسب. ومما هو واضح أيضا، ويا للأسف، أنه لا بد للإنسانية من أن تمّر بتجربة مرحلة من المعاناة أعظم، ومن خيبة الآمال أكبر، قبل أن تجد نفسها مجبرة على تبنّي هذه الطفرة الكبرى إلى الأمام. وسيستدعي تأسيس الحكومة العالمية تنازل الحكومات القومية ومراكز القوى العالمية تنازلا قطعيا لا رجعة فيه ومن دون قيد أو شرط عن جميع السلطات المطلقة التي توحي بها كلمة ”حكومة“ وأن تخضع لمقتضيات المشيئة الدولية.

                                                                                                                                         من كتابات بيت العدل الأعظم

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: