1 يناير 2015

أضواء على كتاب قرن الأنوار- الجزء الثالث-

Posted in مقام الانسان, مراحل التقدم, النهج المستقبلى, الأخلاق, الأديان العظيمة, الأضطرابات الراهنة, الإرادة, البهائية, التفكير, التاريخ, السعادة, الصراعات, الضمير, الظلم في 5:44 م بواسطة bahlmbyom

التاريخ …احداث الماضي والقاء الضوء على المستقبل

OneWorldإن وحدة الجنس البشري كما رسمها حضرة بهاء الله تعني تأسيس رابطة لشعوب العالم تتّحد فيها اتّحادا ثابتا وثيقا الأمم والمذاهب والأجناس والطبقات كلّها، وفيها تكون الحقوق الذاتية للحكومات المكوِّنة لأعضائها مكفولة تماما، وتصان بصورة قاطعة وكاملة الحريات الشخصية والمبادرات الخاصة للأفراد المنتمين لهذه الرابطة. وإلى الحد الذي يمكننا من رسم صورة لهذه الرابطة في أذهاننا فإنه ينبغي لها أن تشتمل على هيئة تشريعية عالمية يكون أعضاؤها وكلاء عن الجنس البشري وأن يكون لها الإشراف التام على موارد الأمم التي تتكوّن منها كافة، وأن تشرّع من القوانين ما تتطلبه الحياة العامة من تنظيم وما يسدّ حاجات الأجناس والشعوب وتسوية العلاقات فيما بينها. وينبغي لهذه الرابطة أن تشتمل أيضا على هيئة تنفيذية تؤيدها قوة عالمية وظيفتها تنفيذ القرارات وتطبيق القوانين التي تضعها الهيئة التشريعية، والمحافظة على الوحدة العضوية لتلك الرابطة، إضافة إلى اشتمالها على محكمة عالمية تتولى الفصل وإصدار الأحكام النافذة الباتّة في كل النزاعات التي قد تنشأ بين العناصر المختلفة المكوِّنة لهذا النظام العالمي … وكذلك يتعيّن تنظيم موارد العالم الاقتصادية باستثمار الخامات استثمارا تاما وتنظيم أسواقها وتنميتها وتوزيع منتجاتها توزيعا عادلا.

أن تعبد الإنسانية أصناما من صنع يديها ظاهرة لها أهمية خاصة من وجهة النظر البهائية، ليس بسبب الأحداث التاريخية المرتبطة بالقوى التي تولّدت عن ذلك مهما كانت مفزعة ورهيبة، وإنما بسبب الدروس المفيدة التي لقّنتها. فإذا عدنا بالأنظار إلى العالم آنذاك وهذه القوى الشيطانية تتجمّع في أفق فجره مهدّدة مصير البشرية، يجدر بنا أن نتساءل: أي عطب أو وهن هذا الذي أصاب الطبيعة الإنسانية حتى أضحت عاجزة عن مقاومة مثل هذه التيارات المنذرة بالشّر؟ فكيف يمكن لأحد أن يتوسّم في شخص بنيتو موسوليني ملامح ”رجل المصير،“ أو أن يشعر أحد بأن عليه واجباً أدبياً بأن يتفهّم نظريات أدولف هتلر عن الأعراق والأجناس دون أن يراها على حقيقتها بأنها ترّهات عقل مريض؟ وأخيرا كيف يمكن أن يدور بخلد أحد من الناس جدّية ما ذهب إليه جوزيف ستالين من إعادة تفسير الخبرة الإنسانية كلها عبر العقائد المذهبية التي صاغها والتي خلقت الاتحاد السوفييتي؟ إن مثل هذا التخلّي الإرادي المتعمّد عن الصواب والعقلانية من جانب طائفة لا يستهان بها من قادة الفكر في المجتمع يطالبنا بتفسير مبرَّر تقتنع به الأجيال القادمة. فإذا تم ذلك وتمكّنا من إجراء تقويم نزيه موضوعي فلا بد لنا، عاجلا أم آجلا، أن نركّز اهتمامنا على الحقيقة التي تُمثّل في الكتب المقدّسة للأديان السماوية التي عرفها البشر، خيطا واحدا يسري في نسيجها جميعا. فقد تفضّل حضرة بهاء الله في هذا الصدد قائلا:

فبعد أن خلق الله كلّ الممكنات وبعَث الموجودات وتجلّى باسمه المختار، خصّ الإنسان من بين المخلوقات جميعها لمعرفته ومحبّته، فكان أن خلق الكائنات كلّها لأجل هذه الغاية… وتجلّى في كينونة الأشياء جميعها باسمٍ من أسمائه وصفة من صفاته، ولكنه جعل الإنسان مظهر كل أسمائه وصفاته ليكون مرآة لذاته مختصّا إيّاه بعظيم فضله وقديم رحمته. ولكنّ تجلّيات أنوار صبح الهداية وإشراقات شمس العناية مستورة في حقيقة الإنسان كشعلة النور مستورة في حقيقة الشمع والسراج. وقد يختفي إشعاع الشمس المشرقة فلا تنعكس نورا في المرايا التي كساها غبار الشؤون الدنيوية ولا في المجالي التي علاها الصّدأ. فمن الواضح إذاً أنّ هناك حاجة لمن يشعل هذا السراج ومَن يصقل صفحة هذه المرايا والمجالي، فبدون النار لن يُشعَل السراج، وإن لم تُصقل المرآة صافية من الغبار فلن ينعكس فيها إشراق الشمس ونورها.

أَدّت مغبّة افتتان الإنسانية بالعقائد المذهبية التي صنعها عقلها إلى تَسارُع مسيرة قوى الدمار والانحلال بصورة مفزعة فباتت تمزّق نسيج الحياة الاجتماعية وتُنبِتُ أحطّ بواعث الطبيعة الإنسانية. فالقسوة الوحشية التي خلقتها الحرب العالمية الأولى أضحت الآن تنتشر انتشارا عمّ كل مكان وصارت إحدى معالم الحياة الاجتماعية في كل بقعة من بقاع الأرض. هذا ما أنذر به حضرة بهاء الله قبل ذلك بقرن من الزمان إذ تفضّل قائلا: ”كذلك حشرنا المجرمين يهرعون إلى الطاغوت … يهطعون إلى النار ويحسبون أنها نور.

إن عِلم التاريخ أداة فعّالة، فهو يوفر لنا في أفضل حال منظورا لأحداث الماضي ويلقي الضوء على مأتي المستقبل، فيمس المشاعر الإنسانية بما يحكيه من قصص الشهداء والقديسين والأبطال فتثير هذه القصص في كل إنسان تأثّرَ بالمثل الذي ضربه هؤلاء قدراتٍ كامنة فيه لم يحلم بوجودها أو امتلاكها. وبالتالي يساعدنا علم التاريخ على أن نجد فيه معنى للحياة والخبرة الإنسانية، كما أنه مصدر للإلهام، ينوّر الأذهان ويبعث العزاء في النفوس، إنه يُغْني الحياة. ففي ذلك المحصول العظيم من التراث الإنساني في مجالَي الآداب والأساطير نشاهد يد التاريخ تخطّ المسيرة الحضارية بمعظمها، فتبدو آثار التاريخ ماثلة في مجموعة الأساطير التي أوحت بأسمى المبادئ والقيم إلى كل شعب من الشعوب منذ بداية ما دُوّن من تاريخ، كما نجدها في الملحمات مثل ”الراميانا“ والمآثر البطولية في ”الأوديسّه“ و ”الإنيادة“، إضافة إلى قصص البطولة الإسكندنافية وملحمة ”الشاهنامه“ الفارسية، وفي حكايات الكتاب المقدس وقصص القرآن الكريم.

إن كتاب ”القرن البديع“ يرتفع بهذا الإنتاج الفكري العظيم إلى مستوى حاول البعض الوصول إليه في العصور الماضية دون تحقيق أي نجاح. وسيكتشف أولئك الذين يفتحون قلوبهم لتلقّي الرؤية التي يعكسها هذا الكتاب طريقا نحو تفهّم الهدف الإلهي، فتلتقي هذه الطريق بتلك الرحاب الفسيحة مترامية الأطراف المنبسطة في ما قدمه حضرة ولي أمر الله من ترجمات لا تضاهى للنصوص الإلهية المقدّسة. فظهور كتاب ”القرن البديع“ في الذكرى المئوية لدين الله والعالم البهائي يحتفل بنجاح أول مجهود جماعي مشترك أخذه على عاتقه، جسّد للأحبّاء في كل مكان عظمة البذل والتضحية الدائمين على مدى تلك السنوات وما انطوت عليه من المغازي والمعاني.

كتابات بيت العدل الأعظم

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: