1 أكتوبر 2015

الإقتصاد والقيم الأخلاقية “بقلم وليم هاتشر” -الجزء الثالث-

Posted in الأفئدة, الأنجازات, الأرض, الأضطرابات الراهنة, الإيجابية, الإرادة, احلال السلام, اختلاف المفاهيم, ازدهار-المحبة-السلام-الوحدة في 6:47 م بواسطة bahlmbyom

أحد معالم هذا النظام هو ديناميكيته أي حركته ونشاطه، إذ بما أن الرغبات لا حدود لها، عكس الاحتياجات التي هي بطبيعتها محدودة، فإنه لا توجد نقطة تشبع، أي أن هنالك خط حلزوني لا ينتهي تولد فيه الرغبة للمزيد من الإستهلاك، والمزيد من الإستهلاك ينتج عنه المزيد من الإنتاج والذي بدوره يولد المزيد من الإستهلاك وهكذا. فالرغبة في الإستهلاك هي الشرارة التي تنطلق مباشرة من المستهلك إلي المنتج وبالعكس دون وساطة. والفرد المنتج–المستهلك ليس بحاجة إلي تأكيد رسمي من الحكومة أو أي طرف آخر بأن الآخرون قد التزموا بأن ينتجوا، فهو يعلم بأنهم سينتجون لأنهم يريدون أن يستهلكوا تماما كما هو يريد أن يستهلك. لذا فإن دور الحكومة في النظام الرأسمالي موجه لحد كبير نحو التأكد من أن قواعد “اللعبة” تحترم بصورة أو بأخري. إن ديناميكية النظام الرأسمالي لا تعتمد علي الحكومة التي تلعب دوراً تنظيمياً فقط. إن قدرة النظام الرأسمالي علي العمل باستقلالية كبيرة سمح للحكومة بأن تبدو أكثر استقراراً مما هي عليه في واقع الأمر. فقد تحدث عدة أزمات في المجال السياسي دون أن يتأثـر النظام الإقتصادي بصورة واضحة. إن أكثر ما يضر بالنظام الرأسمالي، أكثر من تدخل الحكومة، هو أي شئ يضعف من المحرك والباعث الأساسي لهذا النظام. فالهيبيز Hippies   وما شابهها من حركات تعتبر تهديداًَ كبيراً للنظام الرأسمالي لأنهم يرفضون الدافع والباعث الأساسي للنظام ألا وهو المزيد من الإستهلاك. إن الغضب الغير عادي تجاه هؤلاء السذج هو اعتراف بخطورة التهديد للنظام الإقتصادي بإضعاف المحرك والباعث له.

النظام الإقتصادي الثاني هو النظام الإشتراكي بصوره المختلفة. إن الدافع والباعث للنظام الإشتراكي مشابه لما في النظام الرأسمالي ويختلفان فقط في أن الإشتراكية تركز علي الإيفاء بالإحتياجات وليس الرغبات، وهذا يتطلب نوعا من الوساطة والتي عادة تقوم بها الدولة. والدولة هي التي تحدد ما هي الإحتياجات. بالإضافة إلي أن في النظام الإشتراكي تختلف طريقة توزيع المنتجات عن تلك في النظام الرأسمالي. إذ يعتمد التوزيع في النظام الرأسمالي علي آلية السوق، بينما يعتمد في النظام الإشتراكي علي الدولة ثم علي آلية السوق. لذا في النظام الإشتراكي تلعب الحكومة دوراً أكير أهمية في تسيير دفة النظام الإقتصادي أكثر مما في الرأسمالية. وفي النظام الإشتراكي يجب أن يكون لدي الفرد ثقة ليس فقط فيمن ينتجون ما يحتاجه من أشياء، ولكن أيضاً في عدالة وكفاءة الجكزمة كجهة تحدد الإحتياجات وتقوم بالتوزيع.

cap-and-com-e1358453790680في الرأسمالية قد يكون الفرد قليل الثقة في الحكومة ولكن لديه الثقة الكاملة ف أن رغبة المنتج في الاستهلاك ستحثه وتدفعه علي العمل. وعليه فإن الحكومة في النظام الإشتراكي تكون أقل تسامحاً مع ألآراء الناقدة لأدائها. فالثقة والولاء للحكومة حتمي لاستمرار النظام الإشتراكي وهذا يفسر أهمية الايدلوجية ideology  في النظام الإشتراكي لأنه لابد من للحكومة من أن تبذل مجهودات مستمرة لتقنع الجمهور بأنها عادلة ولديها الكفاءة في التنظيم والتوزيع وهذا يستوجب عليها بذل مجهودات مستمرة لترسخ في أذهان الناس أفكاراً فلسفية معينة. وعلي النقيض في النظام الرأسمالي حيث المشاكل ليست فلسفية بل مشاكل عملية تتمثل في زيادة الإنتاج وزياة الرغبة في الإستهلاك. إن ضرورة ثقة الفرد في الحكومة في النظام الإشتراكي قد توضح لنا السمات التسلطية للعديد من الحكومات الإشتراكية. ولأن ليس للفرد الدافع لكي ينتج لابد من إرغامه علي الإنتاج أما إذا أعلن شكه علانية في كفاءة وعدالة الحكومة وجب التعامل بعه بحزم.

بدأ المفكرون يشعرون بأن أيا من هذين النظامين الإقتصاديين لا يصلح للعالم الذي نعيش فيه اليوم. فقد ولد النظام الإشتراكي في منتصف القرن التاسع عشر عندما كان الرق وتسخير العمالة للأغرض الصناعية ما زال منتشراً بصورة واسعة حتي في الأمم المتقدمة تكنلوجياً. إلا أن التكنلوجيا والميكنة في أواخر القرن التاسع عشر قد أحدثت انقلاباً في النسبة بين كمية الإنتاج وحجم العمالة اليدوية اللازمة للإنتاج الوفير. هذا التغيير الذي حدث في مدة زمنية قصيرة حد كثيرا من تسخير العمالة لأغراض اقتصادية (الرق).

في واقع الأمر لم تعد هنالك حاجة للرق فحسب بل أصبحت البطالة هي المشكلة الرئيسية نتيجة لوسائل الإنتاج القوية. ففي قرن واحد من الزمان تحولنا من الرق إلي البطالة الجماعية، لدرجة أن مصطلح  “فائض الإنتاج”  أصبح من مفردات لغة الإقتصاد.

وبما أن تلبية الإحتياجات والإيفاء بها لم يعد المشكلة الأساسية في أفكار تمتلك تكنلوجيا متقدمة، فقد فٌـوّض (تضعضع) الأساس الذي بٌنيت عليه الإشتراكية. فأصبحت الإشتراكية تبدو أكثر فأكثر منافية للظروف والأوضاع الراهنة، إذ أنها نظام صمم أساساً ليجاري مشكلة لم يعد لها وجود.

علي كل حال، فالرأسمالية لم تكن أسعد حالاً، فقد نتج عنها من المشاكل ما يوازي أو يفوق الإشتراكية. بما أن الراسمالية تتغذي علي الرغبة المستمرة في زيادة الإستهلاك، أصبح الآن من الضروري تنشيط هذه الرغبة بطرق مصطنعة زائفة. مما أدي إلي التلاعب بالجمهور وإلي تبديد الموارد الطبيعية. فأخذت جودة المنتجات تتدني لإفساح المجال للمزيد من الإستهلاك. وزيادة الإنتاج أصبحت غاية في حد ذاتها وأصبحت الجودة ضحية شعارات التطور. وباتت القرارات التي تتخذ بشأن استعمال الموارد الطبيعية تهدف إلي فائدة قلة من الناس علي المدي القصير بدلاً من فائدة جميع الناس علي المدي البعيد.

5219900206_capitalism_socialism_xlargeبعد أن أصبحت الأسواق مشبعة جداً بالمنتجات، بدأ هنالك بحث
مسعور عن أسواق خارجية مما أدي إلي ظاهرة الإمبريالية الإقتصادية
economic emperialism . الجدير بالذكر أن بحثاً لمجموعة  “نادي روما” The Club of Rome قد أظهر مؤخراً أنه إذا استمر الإستثمار الرأسمالي والزيادة غير المنضبطة في استغلال الموارد الطبيعية من غير رادع علي نفس المستوي الحالي فلا مناص من حدوث كارثة إقتصادية وإجتماعية كبري في غضون جيل من الزمان. وما يخيف فعلاً هو أن الباعث والدافع الأساسي للنظام الرأسمالي يقلل من إمكانية إتخاذ القرار السليم في الوقت المناسب. لقد كثرت بل وترسخت الأقاويل والأوهام من قبيل أن الزيادة دائماً محبة ويجب السعي وراءها وكل ما هو جديد أو مختلف هو محبب وهكذا.

لقد ظهر كلا النظامين الرأسمالي والإشتراكي قبل النهضة التكنلوجية في القرن العشرين. وكان لزاماً علي النظامين أن يكيفا أوضاعهما لتتماشي مع التغييرات التي أحدثتها هذه التكنلوجيا الجديدة، ولكن تمسك كل منهما بمفاهيمه وأوهامه العزيزة عليه. فجعلت التكنلوجيا من أسس وقواعد الإشتراكية قواعد وأسس ومفاهيم ولي زمانها وعفي عليها الدهر، وجعلت من أسس وقواعد الرأسمالية أسساً وقواعد خطيرة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: