1 نوفمبر 2015

الإقتصاد والقيم الأخلاقية “بقلم وليم هاتشر” -الجزء الأخير-

Posted in قضايا السلام, مقام الانسان, مراحل التقدم, المبادىء, المجتمع الأنسانى, النهج المستقبلى, الإرادة, الافلاس الروحى, التسامح, التعاون, التعصب, الجنس البشرى, الخدمة, الرضا, السلام, الصراعات, الضمير tagged , , , , , , , , , في 2:02 م بواسطة bahlmbyom

إن الأوضاع الراهنة تدعونا بأعلي صوتها لكي نتعاون علي كل المستويات، نتعاون بين الأمم، بين الأجناس، بين الأديان، وبين الشعوب. خذ علي سبيل المثال الفائض الإقتصادي في بعض البلاد والناتج عن المنافسة الإقتصادية في القمح والفواكه وغيرها والتي يكون الناس في بلاد أخري في أمس الحاجة إليها ، ياللحسرة فإنها تحرق.

نحن لا ننفك نتكلم عن فائض الإنتاج بدلاً من أن نتكلم عن سوء التوزيع. إليك مثال التجمع الإقتصادي الأوربي European Economic Community رغم أنه في مراحله التجريبة الآن إلا أنه برهن علي نجاحه الذي فاق كل التوقعات وذلك لأنه قام علي التعاون وليس المنافسة.

لقد أصبح العالم قرية صغيرة وأي محاولة للحفاظ علي الإقتصاد بخلق أسواق محلية مصطنعة سيكون مصيرها الفشل.

moral valuesإن التعاون ليس ضرورة عي المستوي العالمي فحسب بل إن كل مؤسسة صناعية يجب أن تكيف اوضاعها عل أساس مشاركة كل الأطراف كما تنص علي ذلك التعاليم البهائية. لأن هذه هي الطريقة المثلي لتفادي الصراعات التقليدية بين رأس المال والعمال. لأنه أصبح للكل الأن نصيب في الأرباح والمنافع التي تجنيها المؤسسة.

طبقا للمفهوم البهائي فإن مبدأ الخدمة والتعاون هذا لا يعمل من فراغ بل يعمل (يُدار) وفقا للنظام العالمي لحضرة بهاءالله والذي يكفي هنا ذكر بعض المعالم البارزة فيه.

في النظام البهائي تُدبّـر وتُـدار حياة المجتمع علي ثلاثة مستويات:
المحلي والقومي والعالمي، وفي كل مستوي منها هيئة منتخبة تتكون من تسعة أفراد، لكل من أسلوب عمل وكيفية انتخاب هذه الهيئات أهمية بالغ. ولنشرح ذلك باختصار. علي المستوي المحلي في كل سنة ينتخب المجتمع البهائي المحلي محفلاً روحانياً محلياً من تسعة أفراد بالغين، ينتخبون من بين أفراد المجتمع البهائي كله. في هذه الإنتخابات ليس هنالك ترشيح ولا دعاية انتخابية. يسجل كل ناخب بالإقتراع السري أسماء أولئك التسعة أفراد الذين يراهم أكثر كفاءة للقيام بمهام عضو المحفل. تفرز هذه الأصوات، والأفراد الحائزون علي أعلي الأصوات هم أعضاء المحفل الروحاني الجديد.

هنالك شيئان مهمان في هذه العملة الإنتخابية: أولاً لا يسمح لأي فرد علي الإطلاق السعي بأي وسيلة كانت لكي يُنْتخَب أو حتي الإشارة إلي رغبته في أن يُنْتخَب أو لا يُنْتخَب.  ثانيا إن الناخب ينتخب أفراداً يعرفهم ويحكم هو بمفرده علي صلاحيتهم لهذه المهمة. ولا يصوت لصورة علي شاشة التلفزيون أو لمرشحين تم سلفاً ترشيحهم.  في مثل هذه العملية الإنتخابية.  إختيار الناخب لتسعة أسماء يكون عملاً خيراً لأنه ليس هنالك أي مساومة في إختياره. وتتبع الانتخابات علي المستوي القومي والعالمي نفس الإجراءات.

علي المحفل الروحاني المحلي يقع عبء تسيير دفة شئون المجتمع المحلي. في أسلوب عمله وعلي المحفل الروحاني المحلي أن يتأكد من أن القرارات تتخذ لفائدة الكل علي المدي الطويل وليس لفائدة القلة علي المدي القصير كما هو الحال في المجتمعات الحالية. تُـبني عملية اتخاذ القرارات في المحفل الروحاني علي المشورة والتي تعني أن من واجب كل عضو بل يشرفه أن يطرح وجهة نظره بصراحة وحرية تامة ولا يتخذ القرار إلا بعد النقاش والمداولة المستفيضة، ويتخذ القرار إما بالإجماع أو بأغلبية الأصوات.

imagesتمارس المشورة ليس في اجتماعات المحفل الروحاني المحلي فحسب، بل أيضا في اجتماعات المجتمع البهائي المحلي الدورية المنتظمة والتي تسمي بالضيافات التسع عشرية. في هذه الضيافات التسع عشرية يتشاور كل أفراد المجتمع في كل ما يهمهم من أمور ولهم كامل الحرية في أن يرفعوا توصياتهم وافتراحاتهم إلي المحفل الروحاني المحلي الذي يجب عليه النظر فيها وإفادة المجتمع بما يتخذه من قرارات بشأنها. وهنا يجدر الذكر بأن للفرد في المجتمع الحق أن يرفع بمقترحاته إلي المحفل الروحاني المركزي أو حتي لبيت العدل الأعظم عن طريق محفله الروحاني المحلي. وهذه ميزة عظيمة في النظام البهائي.

وهنا نصل إلي نقطة مهمة جدا فيما يختص بالنظام البهائي والإقتصاد، ألا وهي أن في البهائية هنالك فصل تام ين الدور الفني (التخصصي المهني أو المهارة التقنية) والدور الإجتماعي للفرد. إذ ليس بالضرورة أن يكون للفرد ذي المهارات الفنية في الهندسة أو الطب أو الطيران وغيرها أفكار في الأمور الإجتماعية وإدارة أفضل ممن ليس له لديه هذه الكفاءة الفنية كعامل النظافة مثلا. أما في النظام الإقتصادي الحالي فإن المكانة الإجتماعية للفرد تعتمد بصورة مباشرة علي الدور الفني والكفاءة التقنية فنجد أن الأطباء والمهندسين والمحامين لهم وزن اجتماعي أكبر مما لدي عامة الناس. فمثلا، أن تكون طبيبا لا يعني أن يكون لك دور فني معين فحسب بل تعني تمتعك بامتيازات ونمط خاص في الحياة وتعيش في محيطك الخاص بك.

هذا الخلط بين القيمة الإجتماعية والإنسانية والدور الفني يقسم المجتمع إلي طبقات ويحدث الفرقة والتعصب ويخلق الفوارق الإقتصادية لأن الأشخاص الذين بفضل قدراتهم الفنية يحصلون علي الكثير من المال عن نفس الأشخاص الذين بيدهم مقاليد السلطة السياسية وهم الذين يقررون كيفية استغلال الموارد الطيعية. بالإضافة إلي أن هذا الخلط يتسبب في النفاق والرياء والمداهنة في المعايير والضوابط الفنية وبالتالي يخلق نوعاً من عدم الأهلية والكفاءة الفنية وهذا لأن الفرد ولشعوره بأن تكون لديه قيمة إنسانية لا بد أن يحصل علي مؤهل فني لذا فإنه يسلك كل السبل (المشروعة وغير المشروعة) لكي تكون لديه مؤهلات فنية وبالتالي مكانة إجتماعية. وهذا لا شك يُحْدِث تدهوراً في المستويات الفنية. وفي مثل هذا النظام المرتبك القيم والمختلة موازينه، يفضل الفرد أن يكون مهندساً ميكانيكياً غير كفء وغير سعيد وغير منتج عن أن يكون عاملاً فنيا كفأً سعيداً منتجاً.

إن هذا السعي غير السليم عن المكانة الإجتماعية قد أحدث تلوثاً في الحياة الإجتماعية والإقتصادية لدرجة أن الكثير من الشباب يرفضون الوظائف التي لو عرضت عليهم في غير هذه الظروف لكانوا سعداء بها.

يدافع البعض عن حتمية مثل هذا التقسيم الطبقي بقولهم أنه لا يمكن وضع نفس الأجور لكل الناس. ولكن الحقيقة هي أنه يمكن أن تكون هنالك فوارق فنية دون أن تكون هنالك فوارق اجتماعية. وهذا بالضبط ما نجده في البهائية، حيث التدرج في الأجور مسموح به حسب القدرات الفنية، ولكن عند اتخاذ القرارات التي تخص الحياة الإجتماعية والمجتمع ككل تكون لكل فرد نفس المكانة والقيمة والمقام. فعلي سبيل المثال، في الضيافة التسع عشرية يأخذ المحفل الروحاني الإقتراح المقدم من عامل بسيط بنفس القدر من الأهمية التي يأخذ بها إقتراحاً مقدماً من طبيب ماهر، بالإضافة إلي أن مناقشة الإقتراحات والأفكار يشترك فيها كل أفراد المجتمع حتي الأطفال والشباب وكل المجتمعين في تآخي وبروح الوحدة والإتحاد وهم يمارسون المشورة. قد يصاب القارئ الذي لا معرفة له بالمجتمع البهائي بالدهشة لعمل هذا النظام المتقن البديع ولكن هذه هي الحقيقة. أناس من ثـقافات وأعراق مختلفة يجلسون معاً ويتخذون قراراتهم معاً. في المشورة البهائية يشعر الفرد بأنه يدلي بافكاره للمجموعة ويأتي القرار النهائي مطعماً ومفعماً بأفكار من الحاضرين ولا أحد يدَّعي أنه صاحب الفكرة أو صاحب القرار.

بالرغم من أن البهائية تسمح بالتدرج والتفاوت في الأجور ولكنها لا تسمح بالفقر المدقع ولا بالغني الفاحش في المجتمع البهائي وذلك عن طريق الضرائب ووسائل أخري مشابهة. كما أن العيش الكريم مكفول للمزارعين وغيرهم أذا دعت الضرورة ويقرر ذلك المحفل الروحاني المحلي والمحفل الروحاني المركزي بالإضافة إلي أنه طالما تدار المؤسسات الإقتصادية علي كل المستويات علي أساس المشاركة في الأرباح فإن القطاعا المختلفة في المجتمع ستستفيد إقتصادياً علي أسس عادلة.

إذا من الممكن أن تكون هنالك فوارق فنية دون أن تكون هنالك فوارق اجتماعية. وأيضا من الممكن أن تكون هنالك فوارق فنية دون تصنيف هذه الفوارق إلي مراتب علي أساس المقام والقيمة والمكانة. أي لا مكانة للإحساس بالتعالي أو الإحساس بمركب النقص، تماماً كما أن اللغة الفرنسية تختلف تماماً عن اللغة الألمانية دون أي اعتقاد بأن إحداهما أفضل من الأخري.

لقد ضَربَت فكرة أن الفوارق الفنية لابد أن تؤدي إلي النظام الطبقي، ضَربَت بجذورها في المجتمع لدرجة أن الكثير من الناس يعتقد أن هذا أحد قوانين الحياة أو هذه هي سُـنّة الحياة . إن تفشي هذا المفهوم الخاطئ يسبب خللا في النظام الإقتصادي. فمثلا: في الجامعة هنالك حاجة إلي فئتين فنيتين، الأساتذة والإداريين. ولأنه ينظر إلي الإداريين علي أنهم أرفع مقاماً من الأساتذة، فقد نتج عن ذلك نظام طبقي جعل الأساتذة الأكفاء يسعون وراء المناصب الإدارية التي هم ليسوا أكفاء فيها. بدلا من أن يعتبر كل من الإداريين والأساتذة أن ما يقومون به هو خدمة لخير ورفاهية الكل دون الشعور بتعالي أحدهم علي الآخر. ونفس الشئ ينطبق علي أي نظام يتطلب أدواراً فنية مختلفة.

إن كل الأديان السابقة قد وضعت بصورة أو بأخري الأساس الباعث للنظام الإقتصادي كما تضمنت تعاليمها ما يدل علي أن أفضل الثمار تجني من الإتحاد والعدالة، آخذة في الإعتبار القيود الناتجة من محدودية التكنلوجيا في ذلك الوقت. أما عصرنا الحالي فقد زالت هذه القيود. والخيارات غير المحدودة التي أصبحت متاحة الآن تضع علي عاتق الإنسان مسئولية عظمي تجاه النظام الإقتصادي الذي يتبناه مما يجعل من الضروري إيجاد أساس باعث جديد للنظام الإقتصادي.

يؤمن البهائيون بأن الإنسان أصبح الآن علي أعتاب بلوغه سن الرشد، وعليه لن يستطيع أي نظام إقتصادي الصمود والبقاء إن لم يأخذ في الإعتبار حقيقة أن الهدف والمغزي من حياة الإنسان هو في المقام الأول روحاني. أذاً نحن في حاجة إلي إعادة إكتشاف وتأصيل المغزي الروحاني للعمل والمغزي الروحاني للتكنلوجيا في الضمير الجماعي. وحينئذ فقط وفي إطار نظام اجتماعي متسق ومتوازن مبني علي هذا المفهوم يكون باستطاعتنا تأسيس إقتصاد صحي وسليم لنا وللكوكب الذي نعيش عليه. علينا أن نضع القيم المعنوية أولاً قبل التفكير في الحسيّـات لأن المعنويات (غير الحسيّـات) intangibles  هي التي تدفع بالحسيّـات tangibles .

لقد كان المفهوم المثالي للإشتراكية خاطئاً لأنه افترض أن بالإمكان تحقيق نظام إقتصادي مثالي دون تغيير حقيقي في الباعث الروحاني لدي الناس الذين علي أكتافهم يقوم هذا النظام الإقتصادي، بمعني أنهم لم يقولوا لنا كيف يتحول الإنسان من الأنانية إلي الإيثار.

أما الرأسمالية فقد سعت جاهدة إلي إرضاء أنانية كل فرد إلي أقصي درجة. لذا إن لم يتخذ المجتمع خطوات واعية لتقويم الدائرة الحلزونية المادية للمنافسة والرغبة في الإستهلاك فسينهار النظام الإقتصادي لأن الناس ستتعلم البحث والمثابرة لتحقيق ذاتهم بوسائل أخري غير استحواذ واستهلاك المنتجات المادية.

إن الحل الذي يقدمه الدين البهائي لهذه المشكلة حل ناجز بديع لأنه يعالج المرض من جذورة ولأنه يتعامل مع الإنسان ككيان متكامل وليس كوحدة قياس للإنتاج والاستهلاك. إن أي علاج مؤقت لن يشفي علة نظام اقتصادي مريض.

وما هذا إلا قبس من نور الحلول البهائية للمشاكل الإجتماعية.

                                                                                                            وليم هاتشر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: