16 مارس 2018

مراجعة لرواية السّفينة الحمراء

Posted in قضايا السلام, مقالات, مراحل التقدم, المبادىء, المجتمع الأنسانى, المسقبل, النهج المستقبلى, البهائية, التفكير, التعصب, الجامعة البهائية, تطور العالم, عبد البهاء في 8:38 ص بواسطة bahlmbyom

مراجعة لرواية السّفينة الحمراء لسمير زكي

د. وحيد بهمردي

صدر مؤخّرًا روايةٌ جديدة للكاتب المصري سمير زكي تحت عنوان “السّفينة الحمراء” (دار سائر المشرق، بيروت، 2018) تتنقّل أحداثُها بين حيفا والإسكندريّة، وتقوم على قصّة شابّ مصري تجرّأ على المسيحيّة، دينه الموروث، باعتناق البهائيّة، الدّين الجديد الّذي لفت انتباه المصريّين في مطلع القرن العشرين. بطل الرّواية هو ناروز، ويتّخذ أحيانًا اسمًا مستعارًا هو حورس، وينتمي إلى عائلة اسكندرانيّة مسيحيّة. والده كاروز باشا هو أحد أعيان المدينة وأثريائها، وأخته فيروز المتزوّجة من مرزق تطمح إلى الحصول على ميراث أبيها والحفاظ على “شكل” العائلة التّقليدي. ناروز طبيب ناجح يعمل مع طبيب آخر هو سامي، وكلاهما يتردّدان في أوقات فراغهما إلى مقهى متاتيا حيث تدور بين روّاده المتنوّعين نقاشات حول القضايا الّتي كانت مدار خلاف وجدل في مجتمعهم، والرّواية تركّز على قضيّة البهائيّة الّتي أخذت حيّزًا من اهتمام المصريّين آنذاك. الإطارُ الزّمني للرّواية عشر سنوات تمتدّ بين 1911، وهو تاريخ زيارة عبد البهاء عبّاس لمصر، و1921 تاريخ وفاته في حيفا. لكن، كما سيأتي لاحقًا، لا تسير الرّواية في تسلسل زمنيّ منظّم لأنّ الرّاوي، الّذي يكشف عن هويّته في السّطور الختاميّة، يركّز على عرض المضمون الفكري ضمن القصّة أكثر من تركيزه على التّسلسل التّاريخي.
تتمحور أحداثُ الرّواية حول عائلة كاروز باشا. ابنه ناروز يعتنق العقيدة البهائيّة، فيثير بذلك حفيظة أبيه وأخته المتمسّكين بـ “شكل” العائلة لأنّ الشّكل هو الّذي أعطاها مكانة مرموقة في المجتمع. يسعى الأب لإعادة ابنه إلى دين آبائه، ليس لداع إيمانيّ بل للحفاظ على سمعة العائلة وشكلها أمام النّاس، والأخت تحاول جاهدة، وبمساعدة من زوجها مرزق، أن تستغلّ قضيّة انتماء أخيها إلى البهائيّة لوضع اليدّ على ثروة أبيها الّذي أقدمت على قتله بعدما تزوّج من ممرّضة أجنبيّة في آخر أيّام حياته، كما أنّها قطعت إبهام أخيها ناروز لتستعمله في البصم على تنازل لها عن ميراث أبيهما. دخل في فريق السّعي للإيقاع بناروز رئيس شرطة الإسكندريّة الفاسد العقربي، والّذي تمّ توظيفه من قِبَل عائلة كاروز باشا لملاحقة ابنهم ناروز ومن معه من أصدقائه البهائييّن. يدخل بعض المجرمين على خطّ العقربي، وكلٌّ يسعى لكسب مادّي من عائلة كاروز، فيدبُّ الخصامُ بينهم، ليُقتل مَن يُقتل ويَفقد العقربي عينَه اليًسرى وينجو بحياته على يد ناروز الّذي يخلّصه من الموت ويركّب له عينًا زجاجيّة. سامي، زميل ناروز، وأشجان، الفتاة الّتي يحبّها سامي، يقعان فريسة أولئك الّذين كانوا يلاحقون ناروز الّذي يهرب من الإسكندرية إلى جنوب أفريقيا من أجل خدمة الإنسانيّة، حسب ما تمليه عليه عقيدته البهائيّة، وبناءً على توجيه من عبد البهاء عبّاس الّذي كان مصدر إلهامه الرّوحي.
تتكاثر الشّخصيّات خلال الرّواية، ليظهر إلى جانب الشّخصيّات الرّئيسة الّتي تقوم عليها الأحداث، والّتي تمّت الإشارةُ إليها، شخصيّاتٌ تتداخل في مجريات الأحداث مباشرةً وفي تكوين الهدف الفكري للرّواية؛ مثل مجموعة الأصدقاء والخصوم في مقهى متاتيا، وهم يمثّلون المجتمع الإسكندراني المتنوّع آنذاك، وكذلك مجموعة المجرمين الّذين يلاحقون ناروز من أجل المكسب المالي ولا يتوانون عن ارتكاب أيّ رذيلة من أجل ذلك، وعلى رأس هؤلاء العقربي والعِكر، الخصمان اللّدودان المتعاونان في سبيل الشّرّ. إلى جانب هذه الشّخصيّات الّتي تدخل في مجريات الأحداث، تَرِد أسماء كثيرة لشخصيّات تُساهم في تكوين فكرة الرّواية دون أن يكون لها دورٌ وحضورٌ فعليّ في الأحداث، مثل الشّيخ محمّد عبده والشّيخ رشيد رضا وشكيب أرسلان وجرجي زيدان وجبران خليل جبران علاوة ًعلى كوكبة من الصّحفيّين الّذين كتبوا عن البهائيّة، لها وعليها.
خلْف جميع هذه الأحداث والشّخصيّات المكوّنة للوجه القَصصي للرّواية، تقف شخصيّة عبد البهاء عبّاس، ابن بهاء الله رسول البهائيّة. من خلال شخص عبد البهاء وإدخال زيارته لمصر في صلب أحداث الرّواية، يعرض الكاتب لجوانب من العقائد والمبادئ البهائيّة الّتي يبدو أنّها لفتت انتباهه ونالت إعجابه، وهذا لم يكن خارج نطاق المرامي الاجتماعيّة والفكريّة من تأليف سمير زكي لرواية “السّفينة الحمراء”، والّتي يمكن تلخيصها في ثلاثة أهداف: الأوّل هو انتقاد التّقاليد الاجتماعيّة في مصر، وبالتّالي في العالم العربي، والّتي تَحُول دون السّماح للأفراد بتجاوز التّقاليد الموروثة، ومنها الدّينيّة، وبالتّغيير حتّى لو كان ذلك التّغيير نحو الأفضل. الهدف الثّاني من الرّواية هو تصوير الصّراع القائم بين قوى التّقدّم، من جهة، وقوى الرّجعيّة، من جهة مقابلة، في زمن التّنازع بين التّجديد والتّقليد، خاصّة في إطار الأديان والمذاهب. أمّا الهدف الثّالث، فهو التّعريف بشخص عبد البهاء عبّاس ومن خلاله بالعقيدة البهائيّة ومبادئها، والّتي يبدو أنّ الكاتب معجَبٌ بها مع العلم أنّ التّدقيق في المضمون البهائي في الرّواية يدلّ على أنّ سمير زكي ليس بهائيًّا ولم يأخذ معلوماته من البهائيّين، ولو فعل لكانوا قد لفتوا انتباهه إلى بعض الأخطاء الموضوعيّة الّتي وقع فيها، ولا مجال لتفصيلها هنا.
تتكوّن الرّواية من ستّة عشر فصلاً، يحمل كلّ فصل عنوانًا مطابقًا للكلمة الّتي يُختَتَم بها ذلك الفصل؛ فمثلاً عنوان الفصل الأوّل هو “الغروب” والعبارة الأخيرة في هذا الفصل هي: “… والشّاهد الوحيد هو الغروب.”، وعنوان الفصل الثّاني هو “الأشباح” والعبارة الختاميّة فيه: “لكنّه سمّاهم الأشباح”، وهلمّ جرًّا في سائر الفصول حتّى الفصل الأخير الّذي يحمل عنوان الكتاب، أي “السّفينة الحمراء”، ليتفاجأ القارئ باكتشاف هويّة راوي قصّة ناروز في خاتمة الفصل، وليعرف أنّه حفيد العقربي، عدوّ البهائيّين اللّدود في الرّواية والّذي تعقّب ناروز حتّى إلى حيفا للقضاء عليه. يقول الرّاوي في نهاية الفصل الختامي: “عند هذا الحدّ أستطيع أن أقول من أنا… أنا الرّاوي، أحد ركّاب السّفينة الحمراء. أنا مظلوم نظيم خليل العقربي، حفيد الصّاغ العقربي، ألدّ أعداء البهائيّة في مصر. أمّا كيف أصبحتُ من أتباع البهائيّة، ومن ركّاب السّفينة الحمراء، فلذلك قصّة أخرى”.
مثلما تتطابق العناوين الافتتاحيّة لكلّ فصل من فصول الرّواية مع اللّفظة أو العبارة الختاميّة للفصل ذاته، ومثلما يأتي عنوان الكتاب على الغلاف مطابقًا لعنوان الفصل الأخير منه، تبدأ الرّواية وتنتهي عند شخص واحد وحَدَث واحد هما عبد البهاء ووفاته في حيفا؛ فالفصل الأوّل، “غروب”، يروي مشاركة الوافد المصري ناروز أهلَ حيفا في تشييع عبد البهاء عبّاس إلى مثواه الأخير في قلب جبل الكرمل، والفصل الأخير، “السّفينة الحمراء”، يروي أحداثَ اليوم الأربعين لوفاة الرّاحل، وفي ذلك اليوم انتهى الصّراع بين الماضي والمستقبل بانتحار العقربي في غرفة ناروز في حيفا، المدينة الّتي ذهب إليها ليقتل ناروز، فانتهى الأمر به قاتلاً نفسَه، بينما نجا ناروز بمساعدة صديقه البهائي اللّبناني، الجبلي، وعاد إلى جنوب أفريقيا كما كان عبد البهاء قد طلب منه!
مثل هذه الظّواهر في تنظيم الرّواية تدلّ على أنّ الكاتب ربّما كان يعبّر عن فكرة تقول إنّ البداية والنّهاية أو الافتتاح والاختتام أمران نسبيّان، وإن كانا نقطتين متباعدتين في طرَفَي الخطّ. لكن تلك النّقطتين المتباعدتين تصيران نقطةً واحدةً إذا تحوّل الخطّ المتباعد إلى دائرة متلاقية، وهكذا يتلاقى المتباعدون في هذا العالم وتتّحد الثّنائيّات المتناقضة والمتباعدة، تمامًا كما تتلاقي عناوين الفصول مع خواتيمها، والفصل الأوّل مع الفصل الأخير! ربّما أراد الكاتب من الابتداء بفصل يسرد فيه أحداث يوم وفاة عبد البهاء في حيفا، والانتهاء بسرد ذكرى أربعين وفاته، الإشارةَ إلى أنّ جميع سنوات حياة ناروز، الّذي يمثّل كلّ من يصبو إلى التّجديد وترك التّقاليد البالية في هذا المشرق، وكلّ ما جرى له في تلك السّنوات، إنّما تبدأ بـ “الرّحيل” قبل أن تصل غايتَها بـ “إحياء الذّكرى”. كلّ ذلك يُختصَر في أربعين يوم يُحدّد انتهاؤها نهايةَ الأحزان برحيل من نوع آخر إلى أقصى جنوب أفريقيا، البلد الجديد المتنوّع، من أقصى شمالها، أي الإسكندريّة، بلد التّراث القديم والتّقاليد العتيقة!
يبقى أن نشير إلى أمر قد يُساعد في توضيح خلفيّة الرّواية وطريقة تكوينها. يُلاحَظ أنّ الكاتب يشير في أكثر من موضع إلى أحد أعداء البهائيّة في مصر في مطلع القرن الماضي، وهو الشّيخ محمّد فاضل، وفي الفصل الثّاني عشر يذكر الكتاب الّذي نشره فاضل آنذاك تحت عنوان “الحراب في صدر البهاء والباب” (دار التّقدّم، القاهرة، 1911)، وتمّ تداوله في الفترة الّتي تدور فيها أحداث الرّواية. تدلّ المقارنة بين رواية “السّفينة الحمراء” وكتاب “الحراب” أن هذا الكتاب كان منطلَق الكاتب لتكوين فكرة الرّواية، أي الصّراع بين التّجديد والتّقليد، وهذا يحتاج إلى تفصيل يتجاوز غاية هذه المراجعة، لكن تكفي الإشارة إلى أنّ عنوان الرّواية – السّفينة الحمراء – يرد أكثر من مرّة في كتاب الحراب (صص 37، 47)، ثمّ إنّ الكاتب قد اختار مقهى متاتيا مُلتقىً للبهائيّين في الإسكندريّة، وفيه كانت تدور نقاشات بين أصدقاء البهائيّة وخصومها، وكتاب الحراب، عند ذكر الدّاعية البهائي في مصر أبي الفضل، الّذي تتكرّر الإشارة إليه في صفحات الرّواية، يقول (ص 23): “وأكثر اختلافه على القهوة المعروفة بماتتيا”. كما يذكر كتابُ الحراب أسماءَ وجوه البهائيين في مصر في مطلع القرن العشرين، وجميعهم يدخلون ضمن الشّخصيّات البهائيّة الواقعيّة في الرّواية. تجدر الإشارة أيضًا إلى أنّ ما يرد في “السّفينة الحمراء” من أقوال لرشيد رضا تحمل على البهائيّة ومن ردود عليها هي موجودة في الصّفحات الثّمانين الأولى من كتاب الحراب ممّا يبيّن مدى اعتماد الكاتب على هذا المصدر الّذي ينتمي إلى الزّمن الّذي جرت فيه أحداث الرّواية، ويعكس الجدل الّذي كان قائمًا آنذاك في مصر حول البهائيّة، وهو ما حاول الكاتب أن يتطرّق إليه في شيء من التّفصيل.
يبدو أنّ المصدر الآخَر للمعلومات الّتي تقدّمها الرّواية عن البهائيّة هو المواقع الإلكترونيّة، وربّما بعض الكتب الّتي حصل عليها من المكتبات؛ فأدخل الكاتب المعلومات الّتي جمعها عن البهائيّة في صلب الرّواية، لكنّها جاءت في كثير من المواضع غير دقيقة ومبعثرة، أو لا تتناسب مع الظّرف الّذي وردت فيه، كما أن المصطلحات البهائيّة الّتي يستعملها بهائيّو الرّواية لا تتطابق مع ما هو موجود في الكتابات البهائيّة، خاصة فيما يتعلّق بالألقاب الّتي يستعملها الكاتب لكلّ من الباب وبهاء الله وعبد البهاء.
لا شكّ في أنّ رواية “السّفينة الحمراء” تحتاج إلى دراسة نقديّة مطوّلة يتمّ التّطرّق فيها إلى تفاصيل فنيّة بنيويّة وأخرى فكريّة تميّز هذه الرّواية الّتي تقترب في بعض الأحيان من أن تكون نصًّا لفيلم سينمائي، خاصة في الانتقال السّريع بين مشهد وآخر، والّذي يخلق التباسًا لدى القارئ، وفي عدم وضوح هويّة الشّخصيّات، أحيانًا، فيعتريها الإبهام الّذي يخلق أيضًا شيئًا من الغموض، ولو كان المشهد بصريًّا لانتفى هذا الإشكال، وهذا يؤدّي إلى طرح سؤال ختاميّ: كيف سيرى النّاقدُ رواية “السّفينة الحمراء” لو شاهدها فيلمًا، بعدما قرأ نصّها؟ أيّهما سيكون أفضل من النّاحية الفنّيّة ووضوح المضمون، الرّواية المقروءة على صفحات كتاب، أم تلك المشاهَدة على شاشة السّينما؟

د. وحيد بهمردي

(أستاذ الأدب العربي في الجامعة اللّبنانيّة الأميركيّة)

الأربعاء 03 كانون الثاني 2018

 

http://www.monliban.org/monliban/ui/topic.php?id=3358

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: