23 يناير 2021

القيم المقاييس والفقر

Posted in النهج المستقبلى في 12:39 م بواسطة bahlmbyom

وثيقة أعدتها الجامعة البهائية العالمية عن “القيم، المقاييس والفقر: مناقشة التقرير الخاص بالتطوير العالمي لعام2000”. رعى هذه الورشة كل من: “البنك الدولي”، “حوار الأديان والتنمية العالمية”، “جامعة كورنيل”، “مؤسسة ماك آرثر”، “المؤسسة السويدية للتطوير العالمي”و”مؤسسة التطوير السويسرية”.جوهانسبرج، جنوب إفريقيا
12-14 كانون الثاني/ يناير 1999.

We Are One World | One World, One Heart Beating

الجزء الأول

إن عمليات التغيير التي توجّه الشؤون الإنسانية الآن تنذر بمرحلة انتقالية لا مفر منها لقيام مجتمع عالمي. ويتمثل التحدي الرئيس المتأصل في هذه المرحلة الانتقالية في تهيئة ظروف من المساواة الاجتماعية والاقتصادية بين الدول التي تشكّل مجتمعنا العالمي وداخلها. إن رفع عبء الفقر من العالم يتطلب التزاماً عميقاً بالمبادئ الخلقية وإعادة ترتيب الأولويات بشكل جذري.ولكن ربما كان الأهم من ذلك، أن المعايير المادية التي تقود التفكير في التنمية يجب أن تفسح المجال أمام إطار جديد من المفاهيم يعترف صراحة بالقوى الروحانية والثقافية والاجتماعية التي تحدد هوية الفرد والمجتمع. وفي هذا الصدد، فإن عقد مؤتمر “حوار أديان العالم والتنمية” في قصر لامبث (Lambeth Palace) في شباط/ فبراير 1998، ومبادرات مماثلة تبحث دور الدين والقيم الروحية في تعزيز رفاه الإنسان، جميعها تمثل مساهمات هامة في الحديث عن التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

وعلى مدى العقود العديدة الماضية، أصبح العاملون في مجال التنمية مدركين تدريجياً لمدى تعقيد عملية التنمية. ويمكن رؤية هذا التطور في الفكر التنموي من خلال التحول في التركيز من برامج تعمل على زيادة رأس المال وتهدف إلى تعزيز برامج التصنيع، إلى برامج تركز على الرعاية الصحية، والأساليب الزراعية الجديدة، والتكنولوجيا التقليدية، والحفاظ على البيئة، وإلى مبادرات تروّج للمشاركة وتنظيم المجتمع. إلا أنه على الرغم من هذا الوعي المتنامي لدى العديد من العوامل المترابطة الكامنة وراء التنمية، فإن جدول أعمال التنمية الدولية لا يزال خاضعاً لمجموعة محدودة من الافتراضات والنُهُج التي لا تأخذ بعين الاعتبار الكثير مما تم تعلمه.

هل العلم و الإلحاد وجهان لنفس العملة؟

من الواضح أن هناك بعداً آخر من التعقيد يجب إدماجه الآن في معادلة التنمية. فيجب تركيز الاهتمام الآن على صميم الهدف من وجود الإنسان والحافز له ألا وهو: الروح البشرية . فمن وجهة النظر البهائية، لا شيء سوى إيقاظ روح الإنسان يمكنه خلق الرغبة في إحداث تغيير اجتماعي حقيقي، وغرس الثقة في قلوب الناس بأن تحقيق مثل هذا التغيير ممكن بالفعل. وبينما تلعب النُهُج الواقعية لحل المشاكل دوراً أساسياً واضحاً في مبادرات التنمية، فإن الاستفادة من هذه الجذور الروحية للدوافع البشرية لإيقاظها تكفل توفر الدافع الأساسي للتقدم الاجتماعي الحقيقي، وعندما تدمج المبادىء الروحانية بشكل كامل مع النشاطات التنموية للمجتمع فمن المرجّح أن تكون الأفكار والقيم، والمقاييس العملية التي تنبثق عنها هي التي تشجع الاعتماد على النفس وتحفظ كرامة الإنسان، وهكذا يتم تجنب أساليب الاتكال ومحو حالات عدم المساواة الفادحة تدريجياً. إن توسعة عملية التنمية تأخذ في الحسبان القدرات الروحية للناس وطموحاتهم، تمثل خطوة أساسية نحو إيجاد الأوضاع والظروف اللازمة لاستقرار العالم وازدهاره.

علمت قطاعات كبيرة من البشرية، عن طريق تعاليم الدين وهدايته الخلقية، أن تضبط نزعاتها وأهوائها الدنيا وتنمّي صفات تؤدي إلى النظام الاجتماعي والتقدم الثقافي. فصفات مثل الشفقة، الصبر والتحمل، الأمانة، الكرم، التواضع، الشجاعة والرغبة في التضحية في سبيل الصالح العام تشكل الأسس غير المرئية، ولكن الضرورية، لحياة اجتماعية متقدّمة. إن معرفة الطبيعة الروحية للإنسان وتهذيبها قد سمت بحياة الناس وأغنتها في كل مكان، وولّدت تلاحماً ووحدة في الهدف داخل المجتمعات وفيما بينها. فالحضارة الحقة لا تتوطد على أسس التقدم المادي فقط بل على القيم السامية التي تحدد هويتها وتعمل على ترابط المجتمع. فالدين من الناحية الواقعية الملموسة يؤمن الطوب والملاط لبناء المجتمع – أي العقائد المشتركة والقيم الأخلاقية التي توحّد الناس في مجتمعات محلية، وتعطي توجيهاً ومعنىً حقيقياً لحياة الفرد والجماعة. أكد حضرة بهاءالله أن “الدين هو النور المبين والحصن المتين لحفظ أهل العالم وراحتهم… فلو احتجب سراج الدين لتطرق الهرج والمرج وامتنع نيّر العدل والإنصاف عن الإشراق وشمس الأمن والاطمئنان عن الأنوار.” (لوح الإشراقات، الإشراق الأول، كتاب مجموعة من ألواح حضرة بهاءالله، الصفحتين 23-24)

إن تقدم الفرد وتنمية المجتمع يتطلبان توفّر الوعي الروحي والموارد المادية. لذلك فالترقي المادي يجب أن يفهم بالأسلوب الأفضل وهو أن لا يعتبر هدفاً بحد ذاته بل أداة للتقدم الاجتماعي والروحي والأخلاقي. فالتغيير الاجتماعي الهادف لا ينشأ نتيجة اكتساب المهارات التقنية بقدر ما يعتمد على تطوير صفات ومواقف سلوكية تعزز الأنماط التعاونية والمبتكرة للتفاعلات الإنسانية.وباختصار، فإن الجانبين المادي والروحاني للحياة اليومية متلازمان ويجب أن يُعنى بكليهما.

يبشر هذا الفهم الجديد للتطوير بظهور مجتمعات يعزز فيها تطبيقُ القيم الروحانية، كالعدالة والأمانة والشفقة، الرفاهَ المادي. وفي الوقت نفسه فإن الموارد المادية والتقدم المادّي سيجعلان من الممكن إيجاد سبل جديدة للجهود الروحية التي ستدعم تطوير القدرات الفردية والصالح العام.الدين والعلم وبناء القدرات

إذاً كيف يمكن غرس المبادئ الروحية في أذهاننا، وفي ممارسة عملية التطوير وتقييمها؟ إن هذا التحدي ليس جديداً، فكثيراً ما واجه المفكرون في مجال التطوير، خلال العقود السابقة، قضايا مرتبطة بالقيم والمعتقدات. إلا أنهم في معظم الأحيان تجنبوا الخوض في إجراء دراسة شاملة لهذا الموضوع.

إذا كان على حديث التنمية أن يتناول قضيّة القيم بالشكل الصحيح، فسيتطلب ذلك حواراً دقيقاً جداً بين العمل العلمي وبصائر الدين. ومثل هذا الحوار ضروري للغاية لمشروع بناء القدرة البشرية، الذي يتنامى الاعتراف به كهدف أساسي للتنمية. ولدى اعتبار التنمية عاملاً لبناء القدرات فإنها ستهتم بشكل أساسي بتوليد المعرفة وتطبيقها ونشرها. فإذا تم قبول الحقيقة القائلة بأن العلم له جانبان، روحي ومادي، فسيمكن فهم أن الدين والعلم نظامان متفاعلان للمعرفة يوفران المبادئ الأساسية التي تنظم عمل الأفراد والمجتمعات المحلية والمؤسسات وتطورها. فإذا وضعنا توليد المعرفة ونشرها في صلب عملية التخطيط للتطوير وتطبيقه يمكننا من دراسة التطبيق العملي للقيم الدينية، بما فيه دور هذه القيم في تخفيف مشكلة الفقر.

HYPOCRISY : Baha'i Principle – Abolishing the Extremes of Poverty and Wealth!!!!  | Baha'i Cult (backup of bahaism.blogspot.com)

أصبح من المقبول عموماً، أن على الفقراء المشاركة بشكل مباشر في الجهود المبذولة لتحسين أحوالهم الشخصية. ولكن طبيعة تلك المشاركة لا تزال بحاجة إلى دراسة مستفيضة. فمن وجهة النظر البهائية، يجب أن تكون هذه المشاركة أساسية وخلاقة؛ وأن تسمح للأفراد الحصول على المعرفة بأنفسهم وأن تشجعهم على تطبيقها عملياً. وعلى وجه التحديد، لن يكفي أن تنهمك شعوب العالم في مشاريع لمجرد الاستفادة من نتاج المعرفة، حتى لو كان لهم رأي في اتخاذ بعض القرارات. بل عليهم الإنشغال بتطبيق المعرفة لتحقيق الرفاه والصالح العام، وبالتالي يولدون معرفة جديدة ويسهمون بطريقة أساسية وهادفة في تقدم الإنسانية.

تعتمد قدرة أية مجموعة في المشاركة الكاملة في عملية تطويرها، على مجموعة واسعة النطاق من القدرات ذات العلاقة المتبادلة فيما بينها على مستوى الفرد والمجموعة. ومن بين أهمها القدرات اللازمة للمشاركة الفاعلة في تخطيط وتنفيذ نشاطات التنمية، من قِبَل استعمال أساليب اتخاذ القرار التي تتصف بالشمولية واللاعدوانية؛ التفكير بطريقة منهجية منظمة بخصوص المشاكل والبحث عن حلول لها؛ التعامل مع المعلومات بدقة وكفاءة بدلاً من الإستجابة دون درايةللدعايات التجارية والسياسية؛ المبادرة بأي عمل بطريقة مبدعة ومنضبطة؛ اتخاذ الخيارات المناسبة في الأمور التكنولوجية بعد الإلمام الكافي بالموضوع؛ التنظيم والانشغال في العمليات ذات النتاج السليم بيئياً؛ المساهمة في الإدارة الفاعلة للبرامج والمشاريع العامة، ترويج التكافل ووحدة الهدف والرأي والعمل؛ استبدال العلاقات المبنية على أساس السيطرة والمنافسة بأخرى مبنية على أساس التبادل والتعاون وخدمة الآخرين؛ التفاعل مع الثقافات الأخرى بأسلوب يؤدي إلى رقي الثقافة وليس إندثارها؛ تشجيع الاعتراف بأصالة نبل الإنسان وسموّه؛ وضع العمليات التعليمية التربوية والمشاركة فيها، التي تساعد على نمو الفرد وتغيير المجتمع ، المحافظة على مستويات عالية من الصحة البدنية والعاطفية والعقلية؛ إشباع التفاعلات الاجتماعية بإحساس قوي بالعدالة، وإظهار الاستقامة الأخلاقية في الإدارة الخاصة والعامة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: