13 فبراير 2021

الدين والعلم وبناء القدرات

Posted in النهج المستقبلى في 2:58 م بواسطة bahlmbyom

الجزء الثانى من

القيم المقاييس والفقر

Liberals and Conservatives Favor Their Own Groups When Applying Moral  Principles | SPSP

إذاً كيف يمكن غرس المبادئ الروحية في أذهاننا، وفي ممارسة عملية التطوير وتقييمها؟ إن هذا التحدي ليس جديداً، فكثيراً ما واجه المفكرون في مجال التطوير، خلال العقود السابقة، قضايا مرتبطة بالقيم والمعتقدات. إلا أنهم في معظم الأحيان تجنبوا الخوض في إجراء دراسة شاملة لهذا الموضوع.

فإذا كان على حديث التنمية أن يتناول قضيّة القيم بالشكل الصحيح، فسيتطلب ذلك حواراً دقيقاً جداً بين العمل العلمي وبصائر الدين. ومثل هذا الحوار ضروري للغاية لمشروع بناء القدرة البشرية، الذي يتنامى الاعتراف به كهدف أساسي للتنمية. ولدى اعتبار التنمية عاملاً لبناء القدرات فإنها ستهتم بشكل أساسي بتوليد المعرفة وتطبيقها ونشرها. فإذا تم قبول الحقيقة القائلة بأن العلم له جانبان، روحي ومادي، فسيمكن فهم أن الدين والعلم نظامان متفاعلان للمعرفة يوفران المبادئ الأساسية التي تنظم عمل الأفراد والمجتمعات المحلية والمؤسسات وتطورها. فإذا وضعنا توليد المعرفة ونشرها في صلب عملية التخطيط للتطوير وتطبيقه يمكننا من دراسة التطبيق العملي للقيم الدينية، بما فيه دور هذه القيم في تخفيف مشكلة الفقر.

أصبح من المقبول عموماً، أن على الفقراء المشاركة بشكل مباشر في الجهود المبذولة لتحسين أحوالهم الشخصية. ولكن طبيعة تلك المشاركة لا تزال بحاجة إلى دراسة مستفيضة. فمن وجهة النظر البهائية، يجب أن تكون هذه المشاركة أساسية وخلاقة؛ وأن تسمح للأفراد الحصول على المعرفة بأنفسهم وأن تشجعهم على تطبيقها عملياً. وعلى وجه التحديد، لن يكفي أن تنهمك شعوب العالم في مشاريع لمجرد الاستفادة من نتاج المعرفة، حتى لو كان لهم رأي في اتخاذ بعض القرارات. بل عليهم الإنشغال بتطبيق المعرفة لتحقيق الرفاه والصالح العام، وبالتالي يولدون معرفة جديدة ويسهمون بطريقة أساسية وهادفة في تقدم الإنسانية.

To Be Queer, Secular, and Moral. A different take on morality in the… | by  Andreea Serb | Betterism | Medium

تعتمد قدرة أية مجموعة في المشاركة الكاملة في عملية تطويرها، على مجموعة واسعة النطاق من القدرات ذات العلاقة المتبادلة فيما بينها على مستوى الفرد والمجموعة. ومن بين أهمها القدرات اللازمة للمشاركة الفاعلة في تخطيط وتنفيذ نشاطات التنمية، من قِبَل استعمال أساليب اتخاذ القرار التي تتصف بالشمولية واللاعدوانية؛ التفكير بطريقة منهجية منظمة بخصوص المشاكل والبحث عن حلول لها؛ التعامل مع المعلومات بدقة وكفاءة بدلاً من الإستجابة دون دراية للدعايات التجارية والسياسية؛ المبادرة بأي عمل بطريقة مبدعة ومنضبطة؛ اتخاذ الخيارات المناسبة في الأمور التكنولوجية بعد الإلمام الكافي بالموضوع؛ التنظيم والانشغال في العمليات ذات النتاج السليم بيئياً؛ المساهمة في الإدارة الفاعلة للبرامج والمشاريع العامة، ترويج التكافل ووحدة الهدف والرأي والعمل؛ استبدال العلاقات المبنية على أساس السيطرة والمنافسة بأخرى مبنية على أساس التبادل والتعاون وخدمة الآخرين؛ التفاعل مع الثقافات الأخرى بأسلوب يؤدي إلى رقي الثقافة وليس إندثارها؛ تشجيع الاعتراف بأصالة نبل الإنسان وسموّه؛ وضع العمليات التعليمية التربوية والمشاركة فيها، التي تساعد على نمو الفرد وتغيير المجتمع ، المحافظة على مستويات عالية من الصحة البدنية والعاطفية والعقلية؛ إشباع التفاعلات الاجتماعية بإحساس قوي بالعدالة، وإظهار الاستقامة الأخلاقية في الإدارة الخاصة والعامة.

رغم عدم اكتمال هذه القائمة، إلا أنها تقترح مجموعة من القدرات اللازمة لبناء النسيج الاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي للحياة الجماعية، وتركز على الدور الحيوي للموارد الدينية والفكرية لتعزيز التنمية. كما توجهنا لأنواع المؤشرات التي قد تزودنا ببصيرة ورؤية مفيدة لما فيه خير المجتمعات المحلية وصالحها العام.

قياس الفقر والرخاء

إذا كانت التنمية في الأساس عملية يصبح فيها الأفراد والمجتمعات المحلية العاملون الرئيسون في تعزيز رفاهيتهم من الناحية المادية والروحية والإجتماعية، فكيف يمكن قياس ذلك؟ بل هل من المعقول توقع إمكانية قياس عملية جارية ومستمرة من العمل والتقييم والتعديل: عملية تطور فيها المجتمعات المحلية تدريجياً قدرتها على تحديد احتياجاتها وتحليلها ومن ثم تلبيتها؟ من وجهة النظر البهائية، الجواب هو نعم. ففي الوقت الذي يجب أن يوجّه فيه العمل المحدّد في أي مشروع نحو إجراء تحسين وتقدّم ملحوظ، وبالتالي يمكن قياسه في بعض جوانب الحياة، فإن قدرة المجتمع المحلي لمعالجة شؤون التنمية، على مستويات تزداد ارتفاعاً من حيث التعقيد والتأثير، يمكن قياسها أيضاً ولكن ليس بالوسائل التقليدية.

أحد المقاييس الحيوية لرقي مجتمع محلي وتقدمه هو مدى استخدام أساليب المشاركة والتعاون في اتخاذ القرار لتوجيه عملية التنمية. وكمثال لتوضيح ذلك، فإن نشاطات التنمية البهائية، منذ بدايتها، قد أكدت على اتخاذ القرار الجماعي والعمل الجماعي على مستوى القاعدة. فتحسين قدرة جميع أفراد مجتمع محلي على المشورة هو مقياس رئيس للنجاح في كلّ مشروع تنمية بهائي. ولأن كلاً من عملية التطوير ونتائجها أمران ملحوظان، لذا يمكن قياسهما بنحو ما. إن استخدام أساليب المشورة في صنع القرار يمكن أن يؤدي إلى ابتكار حلول جديدة لمشاكل المجتمع؛ وتوزيع مواردها بشكل أنسب وأكثر عدالة؛ وإشراك أولئك الذين تم إقصاؤهم تاريخياً من عملية صنع القرار، كالنساء والأقليات، والنهوض بهم. لقد أثبتت التجربة أن المشورة تمكّن المجتمعات من دعم المبادرات الخاصة بالتنمية وتعديلها، وبذلك تسهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي ونوعية أفضل في مستوى المعيشة. إن قدرة الناس على الاجتماع معاً في ظلّ هذه الأنماط الجديدة والبنّاءة من المشاركة والتفاعل لهي، من بعض النواحي، النتيجة الأكثر أهمية – ولذلك، فهي الأكثر أهمية للقياس – من الأهداف الممكن قياسها التي ترافق عادة على نحو تقليدي مشاريع التنمية.

ويمكن تقييم مبادرات التنمية بناءً على التطبيق الواقعي الملموس لعدد من المبادئ الروحية على حياة الفرد والمجتمع المحلي، منها: الوحدة والاتحاد في التنوع والتعدد؛ العدل والانصاف؛ المساواة بين الجنسين؛ الأمانة والقيادة الأخلاقية؛ وحرية تحري الحقيقة. ورغم أن هذه المبادئ الخمسة ليست الوحيدة التي يجب أخذها بعين الاعتبار، إلا أنها تشمل مفاهيم متنوعة كافية تسمح بإجراء تقييم شامل لرقي المجتمع وتقدمه. ولدى التطبيق الكامل لهذه المفاهيم الروحية فإنها ستجذب العديد من العوامل غير الملموسة التي تفضي إلى تحقيق التقدم الاجتماعي والاقتصادي.

Oxford anthropologists identify seven universal rules of morality

على سبيل المثال، يمكن أن يؤدي تطبيق مبدأ “الوحدة والاتحاد في التنوع والتعدد” في حقل التعليم، إلى وضع مناهج دراسية تتبنى وتعزز مفاهيم التسامح، والتفاهم، والتراحم والمواطنة العالمية. ويمكن أن يؤدي مبدأ مساواة النساء والرجال إلى سياسات تطلق قدراتهم التي كبتت حتى الآن. وإذا ما طُبّق مبدأ الاستقلال في تحري الحقيقة في مشاريع التنمية فيمكن أن يضمن تعريف المشاكل وتحديدها بالشكل الصحيح، وأن تعكس الحلول الاحتياجات الحقيقية للأشخاص المعنيين. وقد وردت مناقشة مفصلة حول كيفية تشكيل هذه المبادئ الأساس لمؤشرات ملموسة للتطوير في وثيقة بعنوان، “تثمين الروحانية في التنمية: دراسات مبدئية في خلق الروحانية كأساس لمؤشرات التنمية”. وهذه الوثيقة قدّمتها الجامعة البهائية العالمية إلى “حوار الأديان والتنمية العالمية” في قصر لامبيث سنة ١٩٩٨.

إن إيجاد مقاييس نوعية واسعة المدى لتقدم عملية التنمية ستكون له دلالات مباشرة إلى أنواع المشاريع التي سيتم تمويلها. وقد أظهرت التجربة أن المشاريع المبتكرة محرومة في الغالب من الدعم المالي المطلوب عندما تؤكد معادلات التقييم بعض المقاييس الاقتصادية أو المادية المحددة. فعلى سبيل المثال، قد يكون من الأولى والأهم المشاركة أولاً في وضع الهدف والمشورة حول احتياجات المجتمع المحلي وما فيه خيره ورفاهه قبل متابعة النشاطات التي ترمي إلى تحصيل الدخل المادي. إن تبني وتطبيق مقياس تقييم صارم لا يمكن أن يعتبر أسلوباً علمياً لا سيما إذا افترض نتائج أفضل قبل الأوان. ربما توجد، في الواقع، في مجتمع ما أو مجموعة ثقافية معينة، طرق متنوعة يمكن أن تحقق النتيجة المادية نفسها بينما تدعم أهدافاً أخرى مثل التلاحم الاجتماعي أو تحسين الأخلاق.

من الواضح أن عملية تخطيط مشاريع التطوير وتقييمها، يجب أن تأخذ بعين الاعتبار مجموعة واسعة من الحدود تتجاوز فئات بسيطة من العمل الاقتصادي. فالمؤشرات التقليدية لعوامل مثل النمو الاقتصادي، الصحة، أو التعليم، قادرة فقط على نقل صورة ضيقة جداً بخصوص رفاه المجتمع. قد يكون من أهم مؤشرات نجاح نشاط تنموي إذا تمت الاستفادة من آراء ومواهب جميع أفراد المجتمع واستخدام عمليات المشورة لصياغة المشاريع في المجتمع وتنفيذها، أو بثّ جوٍّ من الوقار والتفاؤل والالتزام يوسم حياة أولئك المعنيين بهذا النشاط. رغم أن عوامل نوعية كهذه قد يكون من الصعب قياسها في البداية، إلا أن المشاركين في جهود التنمية سيتمكنون دون شك من مساعدة أخصائيي التنمية في إيجاد مؤشرات هادفة للقياس تدخل في حسابها هذه المتغيرات النوعية.

Why Be Moral? | Philosophy Talk

في التحليل النهائي، فإن أفضل طريقة لتحديد مقياس الفقر والرخاء هو عن طريق أولئك الأكثر تأثراً. ومن المؤكد أن المقاييس التقليدية قد تقدم بصيرة قيمة ويمكن استخدامها لتساعد في تحديد الأماكن التي يجب أن تنتشر فيها الموارد، ولكن هذه المقاييس غير كافية لوحدها. إن مؤشرات التنمية الموجودة حالياً قاصرة عن إبراز الأبعاد الروحية والاجتماعية الجوهرية للحياة، والأساسية للغاية لخير وصلاح ورفاهة البشر. وبدون وجود طريقة لتحديد وتتبع هذه العناصر الضرورية للرخاء، فان جهودنا في مجال التنمية ستبقى تحت سيطرة التفكير والاعتبارات المادية وسيكون التقدم الحقيقي مجرد وهم. بناءً على ذلك، فليس الوقت مناسباً فحسب لمنظمات المجتمع المدني والمجتمعات الدينية للانهماك مع وكالات التنمية في وضع مقاييس جديدة للتقدم الاجتماعي، بل حاسماً وملحّاً.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: